طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: وثائق الأوقاف في طرابلس الشام… سجلات إنسانية لأمة حضارية

طُبع كتاب «وثائق الأوقاف في طرابلس الشام..سجلات إنسانية لأمة حضارية» في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال» والتصميم قامت به شركة Impress

توطئة

في 28 كانون الثاني من عام 2008م تم انتخاب سماحة الدكتور الشيخ القاضي مالك الشعار حفظه الله تعالى مفتيا لطرابلس ولبنان الشمالي، وبُعَيْد استلام سماحته لمهامه، شكّل فريق عمل من المتخصصين ليعينوه في مهمته والتي من جملتها النظر في شؤون أوقاف طرابلس ولبنان الشمالي.

وبالفعل بدأ فريق العمل بالنظر في وثائق الأوقاف الموجودة وبممتلكات الدائرة، وتفاجأ الجميع يومها بأن المعطيات الموجودة تكاد تكون غير كافية وغير معبرة بشكل جيد عن واقع الأوقاف. لذلك بدأ البحث عن السجلات القديمة والتي وجد أكثرها موضوعا في أقبية قديمة لأجل التلف، فشكل سماحته فريقا عمل على نقل هذه الوثائق وفرزها، ثم أرشفتها، وأثناء هذا العمل المضني وقف الفريق على وثائق تاريخية لأوقاف طرابلس غاية في الأهمية، وهي غير معروفة عند الباحثين التاريخيين، ومنها غير معهود، كأن يقف رجل مسيحي أوقافًا على مسجد.

لذلك أحببت أن ألقي ضوءًا على بعض هذه الوثائق الهامة والتاريخية، والتي تعطينا فكرة جديدة عن طبيعة الحياة في طرابلس في الفترتين المملوكية والعثمانية، والتي كانت تتماشى مع التقدم الحضاري الذي غلب على بلاد الإسلام، وعن الرقي الحضاري الذي بلغته، والذي يندر أن يعرف التاريخ له مثيلا، مع مقدمات مهمة حول أهمية نظام الوقف في البناء الحضاري للإسلام وبيان آثاره الاجتماعية والإنسانية، ومختصر عن تاريخ الأوقاف في طرابلس الشام، ثم ملحق عن الوثائق السلطانية التي وجدت في محفوظات الدائرة وهي صادرة عن السلطانيين: عبد العزيز الأول ابن السلطان محمود الثاني (1830 – 1876)، والسلطان محمد رشاد ابن السلطان عبد المجيد الثاني (1909 – 1918)، وهي فرمانات في تولية وظائف إمامة مساجد في طرابلس. قيمتها أنها وثائق سلطانية أصلية إحداها كتبت بماء الذهب، ولا تزال محافظة على جدتها.

مدخل إلى نظام الأوقاف في لبنان

تنقسم الأوقاف إلى قسمين:

– أوقاف ذُرية أوقفها أصحابها على ذراريهم ما وُجدوا، وهذه مسؤوليتها تعود إلى قاضي الوقف الذي يعين متولين عليها لإدارتها وإيصال الحقوق إلى مستحقيها.

– وأوقاف خيرية، وهي التي توقف على المصالح العامة: من تدريس، وإطعام للمساكين، وخدمة للمساجد والمدارس، وكل ما يمت إلى المصلحة العامة بصلة. وهذه مسؤوليتها تعود اليوم إلى دوائر الأوقاف في كل منطقة.

أما تاريخيا فلم يؤثر في سجلات طرابلس الوقفية أن المماليك أنشؤوا ديوانا مستقلا للأوقاف وإنما كان القضاء الشرعي هو المرجع حيث كان يقوم برعاية الأوقاف فيعين النظار ويراقب إدارتهم للوقف.

وأول ما عُرِف بوجود ديوان للوقف يشبه الوزارة المختصة كان زمن العثمانيين، ففيه كانت الدوائر الوقفية مرتبطةً بديوان الوقف (وزارة الأوقاف الإسلامية)، وبمجلس شورى الأوقاف، وبالمشيخة الإسلامية باعتبارها السلطة العامة ذات الاختصاص. حيث إن الأوقاف الإسلامية تشكل وحدات وقفية، لكل واحدة منها متولٍ معين وشروط تعيينه، وبيان أصحاب الاستحقاق والجهة التي ينتهي إليها في حال عدم وجود أحد من أصحاب الاستحقاق، ما يقتضي وجود سلطتين:

– سلطة قضائية تراقب تصرفات المتولي إذا كانت موافقة لشروط الواقف، وتتأكد من أمانته ورعيته لمصالح الوقف، وهذه مرجعها القاضي الشرعي الذي تعود إليه الولاية الشرعية العامة، وكانت من أيام المماليك، بل ومن بدايات عصر التشريع الإسلامي المتعلق بالوقف بداهةً.

– وسلطة عامة تمارس إشرافها على الأوقاف وإصدار التنظيمات والقوانين الخاصة بالعقارات الوقفية وضبط الواردات، ومرجعها الدولة، وهذه أول ما تعرفنا عليها في زمن العثمانيين، الأمر الذي يدلل علة مدى التقدم التشريعي في زمنهم.

وحيث إن الدول الحاكمة هي المرجع العام للسلطة، فإن الحكومة العثمانية مارست هذا الحق، وأصدرت التنظيمات والقرارات الخاصة بالعقارات الوقفية، وربطت الإدارة بوزارة الأوقاف ومجلس شورى الأوقاف وبالمشيخة الإسلامية.

وآخر تنظيم صدر بهذا الخصوص هو (نظام تَوَجُّهِ الجهات للمتولين والقائمين بالوظائف الدينية)، وكان صدوره عام 1328 هــ الموافق لعام 1912م.

وظل العمل به حتى صدور القرار رقم 753 تاريخ 2 آذار/مارس 1921م في زمن الانتداب الفرنسي الذي حل مكانه. ولكن بقيت مادة واحدة من نظام توجيه الجهات المشار إليه ورقمها (55) معمولاً بها حتى هذه الأيام، ونصها: (متى تُوُفِّيَ أو استعفى متولي وقف، أو انعزل، يُرى حساب الوقف ويُقيَّد مَوْجُوْدُهُ بدفتر من طرف مأموري الأوقاف والمحكمة الشرعية المحلية، توفيقًا للأحكام النظامية المتعلقة بتحرير التركة، وتودع أمور الوقف إلى مدير أو مأمور الأوقاف بصفة قائم مقام متولٍ، ويسلم إليه موجود الوقف أيضًا، ومتى توجهت التولية على المشروط له طبق الأصول، فمديرو ومأمورو الأوقاف يجرون معاملة الدور والتسليم إلى المتولين).

ولذلك عندنا اليوم في دائرة الأوقاف دفاتر مُتَوَلِّين، وحسابات ما زالت جارية لأوقاف ذُرِّيَةٍ من سنوات بعيدة لم يأت أحد ليطالب بها، فهذه كلها توضع تحت حساب خاص يسمى (أمانات) إلى حين يأتي من يستفيد من الوقف المعيَّن ليحصِّل مستحقاته، بعد أن يثبت شخصيته واستحقاقه.

ومن حيث العموم من يراجع الأنظمة والقوانين التي صدرت في عهد الدولة العثمانية يعلم كم كانت حريصة على رعاية وصيانة الأوقاف الإسلامية بكل أقسامها.

أنواع الأوقاف

 

بتاريخ 13 كانون الثاني/يناير عام 1955 صدر المرسوم الاشتراعي رقم 18 الذي نصت المادة الأولى منه على ما يلي: (المسلمون السنّيون مستقلون استقلالا تامًا في شؤونهم الدينية وأوقافهم الخيرية، يتولون تشريع أنظمتها وإدارتها بأنفسهم طبقًا لأحكام الشريعة الغرّاء والقوانين والأنظمة المستمدة منها بواسطة ممثلين من ذوي الكفاءة وأهل الرأي بالطرق المبيّنة في المواد الآتية). ثم ذكرت بنود القانون. وأنشئ لذلك: (المديرية العامة للأوقاف الإسلامية في لبنان)، والتي ترأس دوائر الأوقاف الموزعة على كآفة المحافظات اللبنانية، وأكبرها وأكثرها أوقافا على الإطلاق: دائرة أوقاف طرابلس ولبنان الشمالي.

وهنا لا بد أن نلقي الضوء على أنواع الأوقاف التي تديرها المديرية العامة للأوقاف الإسلامية، وهي نفسها موجودة في طرابلس.

أنواع الأوقاف التي تديرها الدوائر الوقفية في لبنان

أ- الأوقاف المضبوطة، وهي أوقاف السلاطين المشروط توليتها لمقام الخلافة، وقد كانت تديرها دوائر الأوقاف بالوكالة عن السلطان.

ب- أوقاف ضبطتها مديرية الأوقاف بعد أن انقرض من شرطت له التولية عليها من ذرية الواقف.

ج- أوقاف ملحقة، وهي التي كان يديرها متولون وتم ضبطها لأسباب مشروعة، وتلك التي انتهت خدمات متوليها تطبيقًا لأحكام القانون 10 آذار/مارس 1947م.

د- أوقاف تعود للحرمين الشريفين أدخلت وارداتها في موازنات الأوقاف المضبوطة خلافًا لشرط الواقف.

هــ – أوقاف المؤجلات، وهذه متعددة الأسماء: كالإجارتين، والإجارة الطويلة، والمقاطعة، والجَدَك، والحكر، والمرصد، والرُّقبى، والقيمة، والقميص، ووقف العوارض، وشد المسك والأعشار، وغيرها وأكثرها يعود للحرمين الشريفين.

هذا وسوف أعرض هنا لنماذج عن الصورتين اللتين سبق التنويه بهما، ثم أتبع ذلك بملحق فيه أهم وثائق وقفية وفرمانات سلطانية تنشر لأول مرة من محفوظات دائرة أوقاف طرابلس لتكون بين يدي المهتمين للبحث والمتابعة ودراسة التحولات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع الطرابلسي.

بيمارستانات طرابلس الشام

يقول مؤرخ طرابلس الشام أستاذنا الدكتور عمر تدمري حفظه الله تعالى متكلما عن مشافي طرابلس:

«يجسّد البيمارستان (دار المرضى) مثالا حيًا للتوجهات الإنسانية عند الواقفين في العناية بالصحة والاستشفاء والتمريض.

وقد كان بطرابلس بيمارستانان، أحدهما بناه نائب طرابلس الأمير «عز الدين أيبك الموصللي» صاحب الحمام المعروف باسمه، وذلك أثناء سنوات نيابته (694 – 698 هـ) (1295-1299م). وكان يعرف بالبيمارستان العزي، وكان يقوم شمال جامع البرطاسي، وقد أزيل في جريمة تدمير آثار طرابلس المملوكية عند تنفيذ مشروع تقويم النهر.

 أما البيمارستان الآخر فقد بناه الأمير «بدر الدين محمد ابن الحاج أبي بكر الحلبي (توفي سنة 742هـ – 1341م). وكان على الضفة الشرقية من النهر في محلة سويقة أُسُنْدُمُر (السويقة).

وفي البيمارستانين جناحان، خصِّص أحدهما للرجال والآخر للنساء، ويعمل بهما بموجب الوقفية: طبيبٌ، وجراح، وممرض، وخادم، وخادمة للمرضى، مع توفير الاحتياجات اللازمة من تأمين مياه للشرب، وزيت، وقناديل للإضاءة، وفرش، وسرائر ومقاعد، واحتياجات للمرضى، من المأكولات، والأدوية على اختلافها، وتجهيز الأكفان لحالات الوفاة».

وكان الإنفاق عليها يتم من خلال العقارات والمصالح الموقوفة عليها، من: دكاكين، ومخازن، ودور سكن، وبساتين، ذكرت محددة بدقة في دفاتر الأرشيف العثماني الذي يحتفظ بهذه الحجج الوقفية، وبالأخص الدفاتر التي تحمل الأرقام (551 وتم الانتهاء من تدوين حججه سنة 980هـ/ 1572م). ودفتر رقم (573 غير مؤرخ، إلا أنه من خلال المدونات فيه يمكن تحديد تاريخه بسنة (1003هـ/1594م). ودفتر رقم (586 يعود تاريخه إلى زمن السلطان مراد الرابع (1033-1050هـ/1623 -1640م).

وجاء في الوثائق أن البيمارستان البدري صار خرابا بشكل كلي ولهذا ينبغي أن توجه الأموال المتوفرة للحفاظ على عمارة البيمارستان العزي، وأن تُقيد تلك الأموال في دفتر جديد حسب الأمر. ويذكر أستاذنا الدكتور عمر تدمري أنه «جاء في دفتر المهمة أنه في 7 رجب 976هـ/ 26 كانون الأول 1685م صدر أمر من السلطان سليمان بن سليم الأول إلى قاضي طرابلس فيه أمر بالتحري على (أحمد السروري) متولي البيمارستان العزي الذي أهمل العناية بالبيمارستان وهو يتسكع بين دمشق والقدس، وتعطل منذ 3 أو 4 سنوات، وكانت أوقافه تدر 70 ألف أُقجة في السنة وهو يقوم بأكلها مع الجابي والفراش».

فعرفنا من هذا أن سبب خراب البيمارستان هو الإهمال والسرقة وعدم الأمانة. ونحن عندما نقرأ ما جاء في هذه الوقفيات نتحسر على زمان كان الناس يحرصون فيه على عمل الخير والنفع العام، بينما في أيامنا نجد كثيرا من هذه الشواهد التي تعطلت وضاعت بسبب الإهمال وقلة الأمانة. ولو أنها بقيت لكفت الكثيرين، ولحققت قدرا من التكافل الاجتماعي لا يستهان به.

والجدير ذكره أن هذه الدفاتر خاصة بأوقاف (لواء طرابلس) وقد دون فيها كل العقارات الموقوفة سواء كانت خيرية أو ذرية، مع بيان أوجه وقفها وصرفها، وبيان غلتها، ومنها أوقاف البيمارستانان العزي والبدري.

وهذه المعلومات أوردها مفصلة أستاذنا المؤرخ الكبير الدكتور عمر تدمري في بحثه حول أوقاف طرابلس الشام من وثائق الأرشيف العثماني والذي قدمه إلى المؤتمر الدولي السابع لتاريخ بلاد الشام المخصص للأوقاف في بلاد الشام منذ الفتح العربي الإسلامي إلى نهاية القرن العشرين المنعقد في عمان – الأردن بين 17-21 شعبان 1427 هـ/10-14 أيلول 2006م.

هذا في وقت لم تكن المشافي العامة معروفة بعد في أوروبا، وأول مستشفى أنشئ سنة (1730م) (1142هـ) في باريس بعد البيمارستانات الطرابلسية بثلاثة قرون.

طُبع كتاب «وثائق الأوقاف في طرابلس الشام.. سجلات إنسانية لأمة حضارية»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»

والتصميم قامت به شركة Impress

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.