الذرائع مهما عظُمت لن تقف دون قول الحق والبلاغة في الحكمة
بقلم الشيخ غالب سنجقدار…
{وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُم}، هذا هو النهج السماوي ولكن لا بد من ان تكون الحكمة ضالته ولا يهمنا من أي وعاء خرجت طالما ان شريعة السماء توافق عليها:
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِي}.
الذين يشكون من ان يكون الحق أساس المعاملة قولاً وعملاً .
فالحق أحق ان يُتبع في كل شيء وعلى كل الصعد، ومهما قدّم الشاكُّون في هذه المسلمات من ذرائع ليغيروا بها معالم الحق ويجنحوا إلى الباطل فأعمالهم مردودة عليهم شرعاً وقانوناً ومنطقاً، ومهما قدموا من أدلة أيضاً لا يؤبه بها والحكمة التي نطق فيها الشاعر ترد عليهم:
فلا تُسندنّ الحق بالقول وحده
فإن عماد الحق ما أنت فاعل
عمل الإنسان يحدد حقيقته
فعمل كل إنسان يُقيمه ويحكم على مسيرته، وكل إناءٍ بالذي فيه ينضح «وكل يعمل على شاكلته».
والحكمة في قول الحق هو «التعريض»، فإذا أردنا ذمّ قوم فإننا نذم عملهم ونُعَرِّض بفاعليه «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا».
وإذا أردنا مدح آخرين فإننا نمدح أفعالهم ونُعرّض بفاعليها «طوبى لمن فعل كذا وكذا»، وهذا التعريض يشمل العموم ولا يخص أناساً دون آخرين.
النهج الأقوم
هذا النهج الذي إتبعته الشريعة الغراء شريعة صاحب حراء صلى الله عليه وسلم، وهو النهج الأقوم والقول السديد والهوى الرشيد وما عداه فهو من العبثيات والإدعاءات التي لا جدوى منها بل ان سلبياتها لها أضرارها الاجتماعية والأخلاقية.
على ان التصريح بالأسماء مرفوض خصوصاً انه قد يكون مبنياً على الظن.
و{إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئا}
{اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}.
الإنتقاد للأعمال والمواقف لا الأشخاص
وهنا يدخل أدب الإنتقاد، فإن الانتقاد البناء لا يكون فيه ذكر أسماء ممنوع أخلاقياً وأدبياً علاوة على انه مخالفة شرعية، وليس من الفضيلة في شيء أن نَذُمَّ إنساناً أو نُسَفِّه آخر إنما الأعمال هي التي تُنتقد وتُذم وعندها يشعر مرتكبوها بالضعة والسفاهة والخروج عن الآداب العامة.
أحيل من يقذف الناس إلى الضمير وهو الأمل
أنني لا أحيل أمر الذين يقذفون الناس:
– إلى القانون، فالقانون مدني لا أدبي وقد يكون مجحفاً أحياناً،
– ولا أُحيله للحكومة، فالحكومة مشغولة بشأن نفسها عن شأن غيرها،
– ولا أُحيله للدين، فقد ضعف شأنه عند الكثير وهان أمره عليهم.
– ولا أُحيله أيضاً إلى الأولياء، فقد بدا عجزهم وأصبحوا يبكون مع الباكين على أبنائهم،
– ولكن أحيل أمرهم إلى الضمير الذي هو الأمل الباقي لنا فاصغوا إليه فإنه أقوى من كل صوت في العالم، والضمير هو شعور المرء بالمسؤولية عما يجب ان يفعل.
والإنسان صاحب الضمير الحي تجتمع فيه فضائل أن لا يقول إلاّ الأفضل والأحسن {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}.
الإنسانية التي هي أقرب إلى قلب كل إنسان وأعلقها بفؤاده، فهي لا تسمح للسانه ان يقذف أو يغتاب أو يَنِّم أو يفتري أو يؤذي إنساناً أو يشهد بشهادة زور.
فلتنطلق ألسنتنا بالنقد البناء الذي أساسه الحقيقة بدون إساءة أو تعرض للكرامات.
ولتتسع صدور المُنتقدين لإستيعاب ذلك والقبول به.
وطوبى للخليفة عمر بن الخطاب الذي قال: «رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا».