طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

قراءة في كتاب: «حسن الرفاعي حارس الجمهورية»

النائب السابق حسن رفاعي

اللواء د. أمين صليبا…

كتاب في 545 صفحة صدر عن «دار سائر المشرق» – بيروت، قام بتنسيقه كل من الأساتذة أحمد عياش، جوزف باسيل وحسان الرفاعي.

إن من يقرأ هذا الكتاب، يضع نفسه أمام تحدٍ غير مسبوق، كائناً من كان سياسياً، قانونياً، وطنياً، طائفياً. وذلك عندما يتعرف على مواقف وآراء هذه القامة الوطنية القانونية، حسن الرفاعي.

«إنتهت الكتابة ولن تنتهي السيرة»

بداية قرّرت أن أبدأ من حيث انتهى الكتاب في الصفحة 545 بعبارة «إنتهت الكتابة ولن تنتهي السيرة». لأنها فعلاً سيرة على مستوى عالٍ في كل المجالات، وكم كنت أتمنى على منسقي هذا التراث الخاص بالعلامة د. حسن الرفاعي، أن يعتمدوا عنواناً آخر استخلصته من فصوله الوازنة هو:

«حسن الرفاعي حارس مبادىء الجمهورية وقيم الوطنية».

مع تقديرنا لإقتباسهم العنوان الحالي من التقديم الذي خطّه البروفيسور جوزاف مايلا للكتاب المذكور. لأن مبادىء النظام الجمهوري متجذرة كما القيم الوطنية في أعماق أعماقه.

تجربتي الأولى يوم ناقشت رسالتي للماستر «في القانون الدستوري»

أنا لم أكن غريباً عما يُجسد هذا العالِم القانوني من رجاحة في فكره القانوني، وعن جرأته في قول كلمة الحق، دون محاباة أو خوف.

إذ ان تجربتي الأولى معه كانت عند مناقشتي «رسالة الماستر في القانون الدستوري» عام 1998 حيث تقدم الحاضرين الذين غصّت بهم قاعة المناقشة في «كلية الحقوق» – الصنائع -، يومها شعر هذا الكبير أن أحد الأساتذة المناقشين قد خرج عن أصول المناقشة، ولاحظ تحملي للأمر، لأنه لم يكن لدي خيار آخر، لكن الله أوقع هذا المناقش من حيث لا يدري، عندما توجه إليه بالقول: «ان الطالب قد أخطأ في رأيه الدستوري هذا، أليس كذلك يا مرجعنا الدستوري». وكان الجواب المدوي: «كلا الطالب على حق فيما يقوله..».

هذه الواقعة أحببت أن أدونها كإضافة على السيرة التي دخل في تفاصيلها الكتاب.

فمن أين أبدأ؟

ونفذ أمر والده وهو طفل

– أمن التربية البيتية التي تنشّأَ عليها حيث إنصاع إلى قرار المرحوم والده وهو طفل صغير، بالعودة تحت جناح الظلام والبرد لكي يدفع ثمن ما أشتراه من الدكنجي في بلدته!

صفع فرنسية فأسقطوه في السنة الأولى

– أم من صفعه للشابة الفرنسية التي سمعها تقول لرفيقه على مقعد الدراسة بأن اللبنانيين قذرون Salauds، حيث كلّفَه هذا التصرف، يومها رسوب قصدي في السنة الأولى حقوق في «الجامعة اليسوعية» خريف 1944 وإضطراره للانتقال إلى «كلية الحقوق» في «جامعة دمشق»، لينال منها شهادة الحقوق.

قامة وطنية

– إن متابعة سيرته لاحقاً تؤكد على ثوابت هذه القامة الوطنية التي لا تساوم على التمسك بلبنان.

– فمن وصفه لإتفاق القاهرة «بالمشؤوم».

– إلى رفضه «اتفاق 17 أيار».

– إلى قراءته معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق مع سوريا «بنفسٍ إستقلالي».

– إلى توجسه من اللامركزية الإدارية من أن تؤدي للتقسيم، وهو الضنين على كل شبر من أرض لبنان.

فرنجية: أفضل الوزراء وأصعبهم

أما عن تعاطيه الكبير مع القامات السياسية من رؤساء جمهورية (شمعون – شهاب – فرنجية – سركيس – الجميل – الهراوي) فحدّث ولا حرج، ألم يصنفه الرئيس فرنجية بأنه من أفضل الوزراء الذين تعامل معهم وأصعبهم، ورغم المواقف التي كان يتمسك بها، معارضاً لرأي الرئيس فرنجية، نشأت بينهما صداقة قوية، فبعد قراءتي لعلاقته مع الرئيس، استحضرت في ذاكرتي مشهد إنحناءة الوزير الرفاعي، أمام نعش الرئيس فرنجية، في وداعه الأخير، حباً وتقديراً للراحل الكبير.

مع رؤساء الحكومة

– كذلك تعاطيه مع رؤساء الحكومات (كرامي – سلام – الحص – الحريري – كرامي).

* والمجلس النيابي

ومع رؤساء المجلس النيابي (حماده – الأسعد – الحسيني – بري).

لم يصافح كامل الأسعد

ألم يمتنع عن مصافحة الرئيس كامل الأسعد في القصر الجمهوري في استقبال عيد الاستقلال، رداً على عدم مصافحة الأسعد له في وداع الرئيس فرنجية في المطار، على خلفية عدم قبوله دعوة الأسعد على فنجان قهوة أثناء مروره في بلدته في جنوب لبنان!!!

من الند للند

كلها مواقف كانت من الند للند، لكنها خلافات لم تفسد في الود قضية، لأنه ووفق أقواله جميعهم أبناء بيوت عريقة.

ثوابت

هذا غيض من فيض من سيرة تُحتذى، إن في العلاقات الشخصية، أم في التمسك بالوطن، أو بالمواقف القوية التي لا تقبل التزحزح مدعوماً بتراث عميق إجتماعياً ووطنياً وقانونياً.

رأيان لا نتفق معه عليهما

وعلى سيرة القانون، لا بدّ لكل ضليع في القانون الدستوري والإداري من أن يقف بتهيب أمام مواقفه القانونية، حيث لا نتفق معه في رأيين وردا في الصفحتين 429 و444، نترك أمر مناقشتهما معه، علّه يُقنعنا بتغيير موقفنا.

فمواقفه القانونية كانت مقرونة بآراء لكبار الفقه الفرنسي في مجالي القانون (الإداري والدستوري)، ألم يُذكرنا برأي للعلامة الفرنسي «ليون دوغي» من انه «ليس للقانون الدستوري أي ضابط سوى حُسن نية وأمانة الرجال الذين يطبقونه».

لم يشارك في التصويت على الطائف

إنطلاقاً من هذا القول يمكننا أن نفهم خلفية مواقفه الدستورية لا سيما لجهة عدم مشاركته في التصويت على «اتفاق الطائف»، حيث أوضح هذا الكتاب في عدة صفحات تفصيلية، الأسباب الموجبة، لرفضه غالبية التعديلات التي أُدخلت إلى النص الدستوري،  وتأييده للبعض الآخر.

إصراره على بقاء رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء

ولكي لا أُتخم مقالتي هذه، بالمواقف الثابتة له في معرض مناقشته لتعديلات الطائف، لكن على سبيل المثال مسألة إصراره على أن يبقى رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء، ولا يجوز إنعقاد مجلس الوزراء من دون رئيس الجمهورية.

لا محاباةً ولا إنقاصاً بل تمسكاً بمبادىء دستورية

موقفه هذا لم يكن  محاباة للرئيس الماروني ولا إنتقاصاً من ابن طائفته الرئيس السني، بل تمسكاً بمبادىء النظام الجمهوري البرلماني، الذي من أسسه الدستورية ان رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية، التي يكوّنها مجلس الوزراء.

ألم يقل «جوزيف مايلا» في تقديمه للكتاب «يتبدى الرفاعي رجلاً وطنياً لا يساوم مكرساً شرفه كبرلماني في احترام وظيفته وروحيتها». مع تقديري للجميع أين نحن اليوم من هذا التوصيف!!

على كل مؤمن بلبنان قراءته

الحقيقة هناك الكثير الكثير بين دفتي هذا الكتاب الذي أتمنى على كل مؤمن  بلبنان، أن يقرأه لكي يتأكد، من أن نهوض لبنان من أزماته المتكررة والتي طال أمدها، بسبب التفسير السياسي للدستور وللقوانين، بما يخدم مصلحة تلك الجهات، على حساب المصلحة الوطنية العليا لا ينقصه سوى وجود أشخاص من قامة العلاّمة حسن الرفاعي، يتولون الشأن السياسي والسلطة التنفيذية في هذا البلد الذي لم يعد بمقدوره تحمل شطحات أهل السياسة.

مقولة للعلاّمة «ليون دوغي»

مصلحة الوطن هي فوق الجميع، ألم يقل الوزير الرفاعي، أنه قَبِل بالطائف لأن «المصلحة العليا للبنان تقضي بذلك».

– وذلك وفقاً لمقولة «العلامة ليون دوغي» :«ان كان يحصل أحياناً احتكاك في مفاصل الآلة الدستورية، فمرد ذلك إلى الرجال الذين يريدون التحكم بها أكثر بكثير مما هو إلى «خلل» في القِطَعِ التي تتألف منها هذه الآلة، فليبق كل مكانه وليقم بواجباته وهو يفكر في المصلحة العامة للبلاد، عندها سيكون كل شيء على ما يرام».

نعم فرنسا تعرضت لأزمات دستورية، وإستطاعت الخروج من أزماتها، طِبقاً لهذا الرأي، الذي إعتنقه العلامة حسن الرفاعي.

سرعة بديهة

يبقى القول ان الكتاب يُلقي الضوء على سرعة بديهة هذا الرجل الكبير.

أبو ياسين جعفر

فمن امتحان «أبو ياسين علي حمد جعفر» بهدف التصويت له.

إنتقاده العسكر

إلى تنبهه عند الاسترسال في انتقاد عمل العسكر، لجهة انهم لا يشغلون عقولهم بل يُنفذون الأوامر، وانتباهه الى تواجد ضباط سوريين (لنقل النواب بالطوافات إلى القليعات) بين النواب المتحلقين حوله، ليصحح بالقول «أن هذا الرأي لا ينطبق على ضباط سلاح الجو، الذين يشغلون عقولهم، أثناء التحليق»، واللبيب من الإشارة يفهم.

أنصح بتدريسه لملامسته مبادىء أنظمة وقيم وطنية

ختاماً أنصح بأن يُدرّس هذا الكتاب في كليات الحقوق والعلوم السياسية، قياساً على ما يتضمنّه من مواقف وآراء دستورية وقانونية ترتقي إلى ملامسة مبادىء الأنظمة الجمهورية والقيم الوطنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.