طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

القصة الكاملة لـ «دولة المطلوبـين» في طرابلس سنة 1974 (1)

من اليمين: ابراهيم الصمدي، أحمد القدور، مظهر الشامي، فيصل الأطرش، عبدالغني كمون
… إنها طرابلس وعلاقتها الملتبسة بـ «الدولة»، منذ نشوء الجمهورية اللبنانية، عندما صار العصيان جزءاً من هويتها، وصارت المدينة بدورها صندوق بريد سياسياً أو أمنياً يستخدمه من يستغلون مشاعر الرفض والغضب الممزوجة بالقهر والحرمان، لتنبت كل بضع من السنوات في أسواقها الداخلية ومناطقها الشعبية «دولة مطلوبين» من هنا و«دولة مطلوبين» من هناك. وما أشبه ما حدث في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بما حدث في السنوات الثلاث الماضية في هذه المدينة الصابرة والمظلومة. إبتداءً من هذا العدد تنشر «التمدن»، في عدة حلقات، قصة «دولة المطلوبين» («دولة القدور»)، مستندةً الى ملف كامل نشرته «التمدن» في عدد خاص في شباط 1975، علماً أن «دولة المطلوبين» كان قد أطلقها أحمد القدور بعد اتهامه بقتل الطالب محمد خالد بحوش في 18/3/1974، الى أن قضت الدولة اللبنانية على هذه «الظاهرة» في 5/1/1975. في هذا العدد: البداية، وبداية النهاية مع اقتحام الأسواق. وفي الأعداد المقبلة: من هم «المطلوبون» وماذا جرى خلال فترة «حكمهم» للمدينة القديمة، والذي امتد لأكثر من تسعة أشهر، وكيف كانت النهاية؟

البداية

 
كانت سيارة «فيات» بيضاء تقل أربعة أشخاص عندما اعترض طريقها حاجز (اعتصام) أقامه أهالي وطلاب المنية. فترجل أحد ركابها وأطلق النار إرهاباً، في محاولة لاختراق الحاجز. غير ان الأمر تطور فأصيب الطالب محمد خالد بحوش (20 عاماً) بثلاث رصاصات في صدره.
انطلقت الفيات نحو طرابلس محاولة الإفلات، بعدما أصيبت برصاص صدر عن بساتين المنية، في حين كانت سيارة «مرسيدس» تقل الطالب الجريح تحاول تجاوزها إلى طرابلس أيضاً.
وعند مفترق دير عمار – طرابلس التقت السيارتان، فاعتقد ركاب «الفيات» أنهم مطاردون، مما دفع بأكثر من واحد منهم إلى إطلاق رصاصات أصابت إحداها الطالب الجريح نفسه وقتلته.
كان ذلك يوم الثامن عشر من آذار عام 1974، وهكذا وجد أحمد خالد المحمد (الشهير بالقدور) نفسه متهماً بقتل الطالب باعتباره واحداً من ركاب الفيات، فتوارى عن الأنظار.
ولما خلا إلى نفسه ازدحمت في رأسه أسئلة عديدة، تضاربت حولها الأجوبة وعطلت تفكيره. وفي كل مرة راودته فكرة الاستسلام لدفع الشبهة عنه ازدحمت ذاكرته بالعديد من صور الماضي القريب وخرج بجواب واحد لا يتزحزح..
كان في ذاكرته صورة العيون الحانقة الحاقدة المتوقدة بالكراهية، والأفواه المليئة بالعبارات القاسية الجارحة، و«الأحذية الثقيلة» واصطدامها بعظامه داخل زرائب لا يُحشر فيها إلاّ الحيوان.
كان في الذاكرة أيضاً صورة أخيه المضرج بدمه بعدما صرعه رصاص الدرك عندما خرج من ملجئـه رافعاً يديه معلناً إستسلامه..
وفي الذاكرة أيضاً صورة للأسواق الداخلية، الحصن المنيع، المؤلف من مجموعات من الأبنية القديمة بجدرانها الغليظة.. ضيقة المسالك، وأزقة.. عشرات الأزقة المتعرجة والمتصلة بسراديب تقوم فوقها أبنية متلاصقة، وممرات كبيوت النحل، تحت الأرض وفوقها..
وفي الذاكرة سكان تلك المنطقة، مصدر كل حركات الرفض والعصيان والمقاومة.. لهم نظامهم وقوانينهم الخاصة وتقاليدهم وأعرافهم..
ولم يكن أمامه مجال للاختيار.. فاندفع إلى الأسواق الداخلية حيث وجد العديد من أقرانه بالإضافة إلى عطف «المطلوبين بحوادث سياسية».
وبدخول أحمد القدور إلى الأحياء القديمة، أصبح مركز جذب، اتسعت دائرته يوماً بعد آخر واستهوت العشرات من الفتيان – ممن لم يفسح لهم «المجتمع المترف» مجالاً للعيش على هامشه – واستقرت النواة في أرضية سياسية أمنت لها مورداً دائماً من المال والعتاد والسلاح!
وكانت أول إشارة علنية لقيام «دولة المطلوبين» يافطة تصدرت ساحة النجمة، حملت الجملة التالية:«أليس في لبنان مطلوبون من غير طرابلس – نريد المساواة».
أتى ذلك عقب سلسلة من الأحداث المتفرقة والمتباعدة كان أهمها في 31/5/1974 عندما حاولت السلطة إعتقال أحمد القدور مع مطلوبَين آخَرَين، خلال تشييع جنازة ابن عم نائب طرابلس موريس الفاضل. غير ان تدخل المطران الياس قربان واحتجاجه، على الظرف الذي اختارته قوى الأمن لاعتقالهم حال دون ذلك، بالإضافة إلى المسلحين الذين انتشروا عند مفارق الطرق. وتلافياً لافتعال مجزرة تراجعت السلطة عن عزمها فيما أنسحب المسلحون إلى الأسواق الداخلية.
ملف «التمدن» ــ شباط 1975

«تحذير»

في 26 شباط 1974 أطلقت «التمدن» تحذيراً عنوانه «لبنان مستودع الجريمة والسلاح»، وكان ذلك قبل عدة أيام من بداية «نشوء» ما سُمي لاحقاً «دولة المطلوبين»، في 18 آذار 1974، بعد مقتل الطالب محمد خالد بحوش في المنية واتهام أحمد القدور بقتله ثم هروبه من وجه العدالة.
في هذا «التحذير» كتبت «التمدن» ما يلي:
قبل ان يذهبوا إلى جنيف ويبحثوا عن سلام مزعوم هناك ليأتوا إلى طرابلس وينهوا حالة ذعر مخيفة بعدما سادت الجريمة وأصبحت فوق القانون، وربما بتشجيع من القانون.
السلاح في كل زاوية من زوايا المدينة وتحت كل سرير..
والدولة ومجلسها التشريعي نائمان تحت شعار »الأبواب المفتوحة» والأمن الذي لا وجود له إلاّ في أرصدة أصحاب الأمر والنهي في المصارف وغيرها.
قتلى.. قتلى.. ودائماً هناك دم في شوارع مدينة البرتقال.
قتلى.. قتلى.. ودائماً هناك رائحة البارود في شوارع مدينة زهر الليمون.
قتلى.. قتلى.. ودائماً هناك سلطة لا تصنع شيئاً ومجلس نيابي لا يجتمع إلاّ نادراً وان اجتمع لا يفكر بأن يتخذ المبادرة ويشرع قانوناً يمنع حيازة السلاح تحت طائلة العقوبات الصارمة، وذلك خوفاً على زعامات وهمشريات وقبضايات لا بد منهم لتستكمل الزعامة رونقها ورهجتها.
إذا أردتم أن تحتل الجريمة طرابلس كي ينسى الطرابلسيون الغلاء ومؤتمر السلام وفساد الإدارة وكل الخطوات الإصلاحية المزعومة فإنكم تدفعون بلبنان إلى هاوية الدمار.
لا يهمنا أن ينشط جهاز الأمن فيعتقل القتلة.. فدائماً وراء القتلة قتلة آخرون.. المهم أن ينشط جهاز الأمن ويصادر كل الأسلحة التي صار لبنان مستودعاً يضيق بها.
افعلوا ذلك ان لم يكن من أجل الإنسان في لبنان فمن أجلكم أنتم.. ومن أجل بقاء السلطة لكم.. قبل أن يبيع اللبناني كل ما يملك ليشتري البنادق والقنابل ويحرس حياته ساعة بساعة.
«التمدن» ــ 26 شباط 1974

عندما دخلت الدولة إلى الاسواق الداخلية

في العدد الخاص الذي أصدرته «التمدن» في شباط 1975، وتضمن القصة الكاملة لـ «دولة المطلوبين»، وصف الدكتور عمر تدمري، الذي كان يقيم في منطفة الدفتردار في طرابلس القديمة، ما حصل خلال مداهمة الدولة للأسواق الداخلية حيث كان «المطلوبون» يقيمون «دولتهم». في ما يلي النص الذي كتبه د. تدمري لـ «التمدن»:
فيما كان تسبيح الفجر ينطلق من مكبرات الصوت في مآذن طرابلس، كانت القوات المشتركة من الدرك ومغاوير الجيش تزحف ببطء نحو أحياء طرابلس القديمة. وصحونا على صوت إطلاق الرصاص، وتبين بعد فترة ان إطلاق الرصاص ليس في الهواء كما جرت العادة في كل يوم، ولكن وضح ان هناك اشتباكاً ما يجري بالأسلحة. ولم يكن يتسنى لنا ان نعرف ان الاشتباك بين قوى الأمن وبين المطلوبين. وكيف لنا ان نعرف؟ الجو بارد وممطر، والوقت مبكر جداً، والنور قد قطع.. وكذلك التلفون وبعد قليل تبينت أن صوت إطلاق الرصاص يصدر عن مصفحة، وتحققت ان ظني كان مصيباً بعد ذلك.. فقد كنت أسمع هدير محركاتها يتناهى إلي قريباً من جامع «أرغون شاه» الواقع عند مدخل ساحة الدفتردار.. وفجأة تعالى صراخ أحدهم، أعقبه انفجار قنبلة يبدو ان المسلحين قذفوها نحو المصفحة، فتوقف هدير المحرك لبضع دقائق.. وعندما دار المحرك من جديد كانت زوجتي قد استيقظت، وقالت بإستغراب: «من هذا المجنون الذي يركب سيارته في هذا الوقت؟». كانت حتى هذا الوقت غير مقتنعة بأن الاشتباك بين رجال الأمن وبين المطلوبين، بل كانت تعتقد أنه بين المطلوبين أنفسهم..
ومع إشراقة الفجر.. كنا نسمع صيحات متعالية من هنا وهناك: «قف عندك»، «ارجع»، «أدخل بيتك».. وكان يبدو حتى ذلك الوقت أن كثيراً من الناس لم يكن يعرف حقيقة الأمر..
وعندما بدأ ضوء الشمس ينير الأفق.. اقتربت الأصوات أكثر قليلاً، وأصبحت أسمعها بوضوح..
قوى الأمن تهاجم المطلوبين. قلتها لزوجتي بلهجة الواثق.. وفجأة صرخ أحدهم: «ارجع» وكرر ثانية، ثم تبعه صوت آخر يأمره بإطلاق النار، فأطلق النار، وتوقعت أن أحداً ممن لم يمتثل للأمر قد أصيب، وتبين بعد ذلك انها إمرأة..
كنت حتى ذلك الوقت ما زلت أجلس في سريري أنصت للأصوات دون أن أرى شيئاً، ومددت يدي إلى المذياع لاسمع نشرة الأخبار من «إذاعة لبنان» علها تنقل لنا شيئاً عما يدور على مقربة من المبنى الذي نسكن فيه، ولكن.. لا شيء طبعاً.. وقمت إلى النافذة المطلة على شارع الدفتردار، فإذا بي أرى ثلاث حفرات تتوسط الشارع، أحدثتها قنابل المطلوبين التي كانوا يلقونها على القوة المهاجمة.. وفجأة لمحت عنصرين من قوى الأمن يقفزان إلى طرف الشارع الأيمن ويسيران بمحاذاة الجدار بحذر، وعيونهما تتفحصان المباني المجاورة.. ثم اشار أحدهما إلى من خلفه بالتقدم..
وكان المنظر الذي طال ترقبه.. وكانت لحظة هزني فيها الموقف من الأعماق.. لا أملك من الكلمات ما يعبر به عن تلك اللحظة.. لقد اختلطت مشاعري بين الأمل، والخلاص، والانعتاق، والتحرر، وبين القلق، والخوف، والأسف، والرهبة.. لو كانت هذه المشاعر تحدد بخط فاصل.. لكنت أقف على هذا الخط..
وظهر أمامي بعد ذلك طابور من قوات المغاوير، أخذ يتقدم حتى ساحة الدفتردار، ثم سمعت صوت إحدى المجنزرات التي لحقت بالقوة إلى الساحة، وتدفقت من ورائها أعداد كبيرة من الجند، وبدا واضحاً أن الهدف الرئيسي كان.. ساحة الدفتردار، وما يتفرع منها من أزقة ودروب ومسالك، وخاصة التي تقع في الجهة الجنوبية منها بإتجاه «الدبابسة»..
وعند مفترق طريق النجمة – باب الرمل، كانت سيارة عسكرية بها مكبر للصوت يعلن للمواطنين منع التجول، ويطلب منهم التزام بيوتهم، وعدم الاقتراب من النوافذ والشرفات..
ورحت استرق النظر بين لحظة وأخرى.. فقد كان المنظر طريفاً ومثيراً..
فلأول مرة منذ أكثر من ستة أشهر تدخل سيارة لرجال الأمن منطقتنا المحرمة.
واستمر تدفق القوات إلى الساحة بأعداد كبيرة، تتبعها سيارات وشاحنات ومصفحات ومجنزرتان..
وجلت بنظري إلى اسطح المباني البعيدة، فرأيت أفراداً من قوى الجيش في مبنى ثانوية الحدادين، وعلى أسطح بعض المباني في أبي سمراء المطلة على منطقة الحدادين.
واستمر وقف إطلاق النار بضع ساعات، امتلأت خلالها ساحة الدفتردار بالجنود المسلحين بالبنادق ومدافع البازوكا.
وحان وقت أذان الظهر، فلم يُسمع سوى الآذان من جامع طينال. وقد أصبح جامع أرغون شاه وجامع الزعيم المعروف بالمعلَّق، في وسط المنطقة الملتهبة، بالإضافة إلى جامع الطحام الذي كان مقراً رسمياً لـ «حكومة المطلوبين» وقد حوَّلوه إلى قاعدة حربية لهم.
وبعد الظهر، كانت الموقعة الرهيبة بين الجنود وبين المطلوبين في وسط ساحة الدفتردار، وذلك عندما اقترب المغاوير من الزقاق المؤدي إلى الدبابسة، حيث إنهمر عليهم الرصاص من أحد البيوت الواقعة فوق المدرسة المعروفة بالمدرسة الدبوسية، ذات البوابتين، إحداهما إلى ساحة الدفتردار مباشرة، والأخرى غربية إلى الزقاق المفضي إلى محلة الدبابسة تحت ممر من العقود المتصلة عشرات الأمتار.
وتراكض رجال القوة المهاجمة للإحتماء في منزل مجاور لمقهى الغلاييني وكان الرصاص يحدث فجوات تتطاير منها الرمال والإسمنت مثيرة للغبار، وأصابت رصاصة ميزاباً يتدلى على الجدار المنكوب فسطرته نصفين، وكان واضحاً ان مطلق النار على القوة المهاجمة متمكن في موقعه رغم زخات الرصاص الذي أطلقته عليه المصفحة الواقفة في الساحة، وتمكن من إلقاء قنبلة نحوها ولكنه أخطأها، وتعالى الدخان.. وانطلقت، زخات الرصاص من هنا وهناك، فلا يعرف مصدرها ولا اتجاهها..
وكان يسمع في هذا الوقت إلى جانب صوت الرصاص والانفجارات، وقع الأقدام على درجات السلم وهي تسرع بالنزول حيث الأدوار الأرضية للالتجاء إليها خوفاً من

«هكذا عشنا أيام الحصار»

رصاصة طائشة.. إلى جانب الدعاء والاستغاثة.. يا رب.. يا رب.. اللهم استر.. اللهم احمنا.. اللهم كن معهم..
في هذه الأثناء صرخت زوجتي: انظر إلى سطح العمارة الطويلة التي أمامك.. انه يطلق النار من رشاش بإتجاه الساحة.. وما كدت أراه، حتى جاء سيل من الرصاص من مبنى في منطقة باب الرمل أصابه فوراً ووقع في أرض السطح، ثم تمالك نفسه ورفع رأسه وأخرج يده ملوحاً، فانهمر عليه سيل من رشاش أحد الجنود المرابطين في احد المباني المقابلة لبناية الزهري.. وخلال دقيقة كانت سيارة الإسعاف تتوجه نحو المبنى لنقل المصاب.
وظلت المعركة الرهيبة مدة ربع ساعة، كان الرصاص خلالها ينهمر في معظمه على المكان الذي تتمركز فيه القوات المهاجمة، وفي الاتجاه المعاكس حيث يصدر الرصاص فوق مدرسة الدبوسية، ثم تحول الرصاص إلى المباني المحيطة بحمام آل العظم الجديد المجاور لجامع المعلق.
وأعقب ذلك إطلاق 5 قذائف مدفعية نحو المكان الذي كان يعتصم فيه زعماء المطلوبين، مما أشعل حريقاً لبث فترة، ووصلت رائحة الدخان والحريق إلى داخل البيوت المجاورة. ثم أعقب ذلك انفجاران ناحية الحمام الجديد.. واستمر إطلاق الرصاص بعد ذلك متقطعاً لفترة.. ثم ساد السكون.. وانطلقت التساؤلات والتكهنات والاستفسارات، واطلت النساء من النوافذ يسألن بعضهن عما حدث وما هي النتيجة.. هل أمسكوا بهم؟ هل أصابوهم؟ هل حاصروهم؟ هل هربوا؟
أسئلة لم يكن أحدنا يعرف جواباً عنها، وعلينا أن ننتظر إلى صباح الغد لنقرأ الصحف. ولكن هل سيسمح لنا بالتجول غداً حتى نصل إلى التل لشراء صحيفة؟ الله أعلم بذلك.. على كل حال، لو أمسكوا بزعماء المطلوبين فسنسمع ذلك في الإذاعة..
وحل الظلام باكراً تساعده الغيوم الكثيفة. لنأوي إلى الفراش في ظل شمعة يتراقص نورها مع النسمات الباردة المتسللة من شقوق النوافذ والأبواب .. وفي هذا الوقت تزايد الإحساس بأننا في منطقة منقطعة عن العالم، وحتى عن بقية أجزاء مدينتنا الصابرة الجريحة.. وكان الليل طويلاً.. وأحسسنا بأن شيئاً ما نفتقده لأول مرة. لقد مرت الليلة دون إطلاق رصاص.. سبحان مبدّل الأحوال.
وجاء اليوم التالي.. وفي الصباح، كان هم أهل الحي الحصول على الخبز، والشمع أو الكاز.. وكان موقفاً يثير العواطف ويحرك المشاعر، وكانت الأبصار والنواظر تتعلق بمن يحمل كيساً من الخبز وترمقه بحسد وغيرة.. ويتلقى الأسئلة من هنا وهناك.. من أين جئت بالخبز؟
كيف وصلت؟ هل يُسمح لنا بالشراء؟
ويتبادل الجيران العواطف فيما بينهم ويعرض كل منهم على الآخر ما يستطيع تقديمه من رغيف خبز، أو شمعة، أو سكر أو سجاير أو شاي.. وتنتقل الصحيفة من بيت إلى بيت، ومن يد إلى يد، للوقوف على أخبار يوم مضى، وتقف إحداهن على شرفة بيتها لتذيع أخبار الصحيفة للجيران وكأنها وكالة أنباء رويتر! ويأتي أحدهم ليذيع أخباراً سمعها من الناس، ويطل الناس من نوافذهم وشرفاتهم ليصغوا إلى «الأخبار» الطازجة..
وفي التاسعة من هذا الصباح (اليوم الثاني للحملة) أسرعت لنداء زوجتي وهي تخبرني بأن سيارة الإسعاف دخلت ساحة الدفتردار حيث تتمركز القوة.. فأطلّت إحداهن من مبنى مجاور يقل ارتفاعاً عن بيتنا وسألت بلهفة: ماذا يجري؟
أخبروني فأنا «مقطوعة في هذا البيت» لا أرى مثلكم!
وبعد دقائق جيء بجثمان الدركي القتيل «الرفاعي» إلى السيارة.. وبعد قليل صرخت وأنا على الشرفة: «قبضوا عليهم».. ها هم حوالي العشرة.. لا، انهم عشرون.. ثلاثون.. ياه.. حوالي الستين، يضعون أيديهم فوق رؤوسهم.. هل هم في هذا العدد؟ وأطل الجيران يسألون: صحيح! هل قبضوا عليهم؟
وأخذ وقع الأقدام يتعالى على درج البناية، فقد صعد مسرعاً كل من يحب أن يرى المنظر بنفسه حيث اسكن في الطابق الخامس.. وراح كل واحد ينادي الآخر: تعال انظر.. ياه.. أنهم كثيرون فعلاً.. ودخل في روعنا فعلاً أنهم من المطلوبين عندما تزاحم المصورون لالتقاط الصور لهم وهم في طابورهم الطويل.
ولكن ذلك الانطباع سرعان ما تبدد بعد قليل عندما رأيت الجنود ينتشرون في الشوارع يقرعون الأبواب، ويطلبون من جميع الرجال والشباب الخروج من مساكنهم إلى الشارع ثم يدخلون للتفتيش، وتجمع الرجال في عرض شارع الدفتردار كأنهم في يوم الحشر.. هذا بثياب العمل، وذاك بثياب البيت، وذلك بالقبقاب، وآخر بالشبشب.. وكان منظراً فريداً، مثيراً للضحك والأسى معاً.. حتى الصبية الذين لا يتجاوزون الثانية عشرة، كانوا يساقون إلى ذلك الحشد.
وكنت أرى المشهد من النافذة وأنا اوطد النفس على ان الدور سيأتيني بعد قليل، فقد كانت العملية شاملة وواسعة.. وذهب بي الخيال إلى انني سأرى السجن وأدخله لأول مرة.. ألست من أهالي الدفتردار؟
لقد وضعت الدفعة الأولى في سيارتين كبيرتين للجيش فامتلأتا، وبقي بعضهم على الأرض.. وازداد العدد، وكانت الصفوف الطويلة تأتي من كل اتجاه لتنضم إلى الحشد الكبير أمام المبنى الذي أسكن فيه.. وطال انتظار دوري ومن معي من سكان المبنى حتى الساعة الثانية والنصف بعد الظهر.. حين تعالت صيحات الجند وهم يدخلون الزقاق، ويفتشون البيوت ويمشطونها.. ولبست كامل هندامي، وفتحت الباب انتظر صعود الجنود.. وبعد برهة أطل أحدهم، وكان مهذباً، فرحبت به ودعوته للدخول وإلقاء نظرة، فاكتفى بإلقاء نظرة من الخارج، وتحول إلى جارنا، ولحق به جندي آخر، ورحبت به أيضاً ودعوته للدخول وعندما وقع نظره على مكتبتي، شعر بأنه لا شيء يدعوه إلى التفتيش.. ووجه كلامه إلى زوجتي وقال: «حرام ان يتعرض هذا البيت للتخريب».. وأنزلوا الرجال من بيوتهم ترقبهم عيون نسائهم واولادهم وإخوانهم، وسرنا في صف كتلامذة المدرسة إلى حيث التجمع الكبير.. ووقفت النساء على الشرفات ووراء النوافذ يرقبن أزواجهن بين الصفوف.. وقبل ان اصل إلى حيث يتجمع الناس، بإنتظار استجوابهم والتدقيق في هوياتهم، رآني مصور صحيفة «النهار» السيد نعيم عصافيري فجاء إليّ مصافحاً، ثم أسرع إلى الضابط الذي يتولى عملية الاستجواب، وكلّمه بشأني وأشار عليّ.. وكانت لفتة طيبة رفعت من معنوياتي.. فتقدم الضابط مني وسألني عن اسمي وعملي فأجبته، فسمح لي بالوقوف خارج التجمع وقال لي: تفرّج قليلاً.. وبعد ذلك يمكنك العودة إلى بيتك.. فوقفت جانباً، وما لبث جاري ان وقف بجانبي، ثم وقف معنا رجلان آخران.. وهكذا أتيح لي ان ارى الشارع من… تحت.. بدلاً من النافذة. وعندما عدنا، تعالت صيحات التهاني بالسلامة والعودة من النساء والجيران.. وكأننا كنا في المهجر..
وهدأت الأعصاب بعد ذلك.. وجلست إلى كتبي، أواصل كتابة فصل بعنوان «صمود طرابلس أمام الحملات البيزنطية» هو جزء من رسالتي للدكتوراه.. وكم هو الفارق كبير وشاسع بين الأمس واليوم… بين صمود المدينة أمام الغزوات الخارجية العدوانية.. وبين صمودها هذه الأيام..
ولكن «صمود» الباطل لن يطول، ولن يكون الباطل إلاّ زهوقا.. وسيظل وجه طرابلس الحضاري صامداً أمام كل محاولات التشويه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.