طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

القصة الكاملة لـ «دولة المطلوبـين» في طرابلس سنة 1974 (8)

… إنها طرابلس وعلاقتها الملتبسة بـ «الدولة»، منذ نشوء الجمهورية اللبنانية، عندما صار العصيان جزءاً من هويتها، وصارت المدينة بدورها صندوق بريد سياسياً أو أمنياً يستخدمه من يستغلون مشاعر الرفض والغضب الممزوجة بالقهر والحرمان، لتنبت كل بضع من السنوات في أسواقها الداخلية ومناطقها الشعبية «دولة مطلوبين» من هنا و«دولة مطلوبين» من هناك. وما أشبه ما حدث في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بما حدث في السنوات الثلاث الماضية في هذه المدينة.
في الاعداد السبعة الماضية نشرت «التمدن»، سبع حلقات عن قصة «دولة المطلوبين» («دولة القدور»)، مستندةً الى ملف كامل نشرته «التمدن» في عدد خاص في شباط 1975، علماً أن «دولة المطلوبين» كان قد أطلقها أحمد القدور بعد اتهامه بقتل الطالب محمد خالد بحوش في 18/3/1947، الى أن قضت الدولة اللبنانية على هذه «الظاهرة» في 5/1/1975.
في الاعداد السابقة نشرنا مشهدية دخول «الدولة» الى الأسواق، ومن هم «المطلوبون»، وما أبرز الأحداث التي حصلت خلال «حكم» «دولة القدور» الذي امتد لأكثر من تسعة أشهر، وماذا جرى في المدينة القديمة، وماذا كان على الدولة أن تفعل كي لا تتجدد «دولة المطلوبين»، ومسؤولية السلطة الحكومية بكافة إداراتها وأجهزة الأمن فيها، اضافة الى مسؤولية الشعب الطرابلسي، من جهة، والمطلوبين من جهة أخرى؟
كذلك نشرنا تفاصيل زيارة رئيس الحكومة، وقتها، رشيد الصلح لطرابلس في 12/11/1974، بعد 12 يوماً من تشكيله لحكومته (31/10/1974) وقبل حوالي السبعة أسابيع من قيام الدولة بمهاجمة «دولة المطلوبين» (5/1/1975)، ونشرنا أيضاً تفاصيل ما جرى في الاجتماع الذي عُقد في دار بلدية طرابلس بحضور النائب، وقتها، عبدالمجيد الرافعي وممثلين عن الأحزاب التقدمية والهيئات الاقتصادية ورئيس البلدية، وقتها، محمد مسقاوي، وقد حصل هذا الاجتماع في 13/11/1974 بعد يوم واحد من زيارة الصلح وبطلب منه، ونشرنا أيضاً ما قاله النائب، وقتها، الدكتور عبدالمجيد الرافعي عن هذه الظاهرة، في شباط 1975 بعد حوالي الشهر من سقوط القدور ومجموعته.
ونشرنا تحقيقاً أجراه الزميل الراحل نجيب اسكندر بعد زيارة قام بها لـ «دولة المطلوبين» وإجرائه مقابلة مع أحمد القدور، كذلك نشرنا تقاصيل معركة جرت بين الدولة و«دولة المطلوبين» ليل 7/11/1974، ومجريات ليلة رعب أخرى حدثت ليل 31 تشرين الأول ــ فجر 1 تشرين الثاني 1974.
وفي العدد الماضي نشرنا تفاصيل واقعة مأسوية حصلت امام المسجد المنصوري الكبير، وراح ضحيتها اثنان من «القبضايات»، خضورة زبيدي ومعن برغشون، وجُرح في الحادثة 13 مواطنا. وفي ذلك اليوم نفسه، حصل اشكال مسلح في كرم القلة في طرابلس، بين نور مدلج والمواطن الزغرتاوي أديب الخوري، مرافق سليم كرم، وقد تدخل كرم ومعن كرامي لتطويق «الحادث الفردي»، خاصة ان الخوري اصيب بجروح، وكذلك أُطلقت في زغرتا النيران على مواطن طرابلسي كردة فعل. ونشرنا ايضاً ما حصل يوم سلّم مطلوبون بأحداث سياسية انفسهم، بناءً لتسوية قضت بالافراج عنهم بعد التسليم مباشرة. ونشرنا تفاصيل تفجير عمود ارسال سراي طرابلس والبنك البريطاني، إضافة الى رمي قنبلة على مخفر باب الرمل.
في هذا العدد، ننشر تفاصيل ما حدث عند الساعة الثالثة من فجر يوم الاحد في الخامس من كانون الثاني 1975، عندما «اخترقت الدولة حدود دولة المطلوبين»، ثم صدر البلاغ الاول عند العاشرة من صباح ذلك اليوم ليعلن أن الدولة مشتبكة مع دولة المطلوبين، ثم بعدما سقط قتلى وجرحى واعتُقل معظم المطلوبين أُعلن عند الثامنة من مساء اليوم نفسه، 5/1/1975، سقوط دولة المطلوبين وسيطرة الدولة على الاسواق الداخلية لطرابلس… غير ان ستة من المطلوبين الرئيسيين كانوا ما زالوا احرارا، وهم: احمد القدور، عبد الغني كمون، فيصل الاطرش، البر حلو، مظهر الشامي وابراهيم الصمدي. وننشر، في هذا العدد ايضا، صُوَرَ مانشيتات بعض الصحف الللبنانية والعربية، الصادرة في 6/1/1975، لإظهار كيفية تعاطي هذه الصحف مع «الحدث الطرابلسي» وقتها.
 
***
فجر الاحد، في الخامس من كانون الثاني 1975، حزمت الدولة أمرها وجمعت عسكرها وحشدت آلياتها وأقتحمت «حصون» دولة المطلوبين في أسواق طرابلس الداخلية، فتساقطت أمامها بفعل المفاجأة وانتهى عهد القدور وجماعته وتنفس أهالي طرابلس الصعداء ورأى الناس نهاية سلطان الرعب والإرهاب والفوضى والخوف والقلق التي تسلطت على العاصمة الثانية لما لا يقل عن 6 أشهر.
العملية وضحايا الاقتحام كانت أقل مما تخوفت السلطة وخشي المراقبون. قتيلان أحدهما مدني والآخر عسكري، و12 جريحاً ثلاثة منهم في خطر وإصابة مصفحة «بانهارد» بقنبلة عطلتها جزئياً.
حصيلة الحملة
أما حصيلة الحملة حتى مساء ذلك اليوم فكانت القبض على 75 شخصاً بينهم 4 أو 5 من المطلوبين الثانويين بموجب مذكرات عدلية، ودخول رجال السلطة ومصفحاتها وهيبتها الأسواق الداخلية، وقد توارى المطلوبون الرئيسيون في الدهاليز وانتهى الجو الذي خلقوه من الفوضى، ومصادرة كمية من الأسلحة والذخيرة والقنابل والمواد المتفجرة و3 كيلوغرامات من الحشيشة واعتقال 3 نساء من صاحبات المطلوبين اللواتي وجدن في منزلي أحمد القدور وفيصل الأطرش.
عملية مفاجئة
كان المطلوبون قد أووا إلى معاقلهم في الحادية عشرة مساء السبت في 4/1/1975 بعدما أثبتوا وجودهم كالعادة باطلاق رشقات كثيفة. وذهب القدور إلى منزله في سوق العطارين حيث كانت تنتظره امرأة صبية (22 عاماً) تقول انها زوجته وتدعى خ. س. .
أما المطلوب فيصل الأطرش فقد استضاف صديقته و. م. مع أختها س. وباتتا في منزله. وفي الرابعة فجر الأحد، كان كل شيء هادئاً. 
وفجأة استيقظ الأهالي في الأحياء القديمة على هدير مجنزرات وملالات ومصفحات للجيش تدخل الأسواق والزواريب وترابط خلف الأبنية، متقدمة ببطء لإحكام الطوق حول سوق العطارين وطلعة الرفاعية وساحة الدفتردار، آتية من نواحي باب الرمل وساحة الكورة وجسر اللحامين وشارع الراهبات وساحة البلدية القديمة ونزلة الرفاعية.
واستمر إحكام الطوق ساعة ونصف ساعة حول هذه الأحياء، وبعدها جاءت قوات مشتركة من المغاوير والدرك والفرقة 18، بقيادة قائد درك مدينة طرابلس النقيب عصام أبو زكي والملازم اول سمير أبو جودة.
ورافق عملية التطويق قطع الخطوط الهاتفية والتيار الكهربائي عن الأحياء القديمة، فانعزلت هذه الأحياء. وعلى الأضواء الكاشفة المنبعثة من الآليات جرى احتلال 3 نقاط رئيسية هي المعاقل الرئيسية للمطلوبين حيث أقاموا متاريسهم ونقاط الحراسة الليلية وراء أكياس الرمل، وهي طلعة الرفاعية وساحة الدفتردار وسوق العطارين.
والتقت القوة المقتحمة القوى المطوقة وتمركزت المصفحات والملالات في كل الأحياء الداخلية من دون استثناء.
مقاومة وقتيل وجرحى
وفور تنبه المطلوبين إلى عملية تطويقهم، وقع اشتباكان، الأول في طلعة الرفاعية قتل فيه بائع علكة يدعى علي المير الملقب «البيك» وأُلقيت رزمة ديناميت على مصفحة «بانهارد» عطلتها جزئياً وأصيب النقيب نسيب طوبيا بشظية في وجهه واصابته طفيفة، كذلك أصيب طالب الاحتياط هنري موسى برصاصتين في بطنه وفخذه ومغواران إصابات طفيفة وثلاثة مدنيين هم فؤاد عارف الجسري برصاصة في كتفه وندى الويل ووفاء حلبي في فخذها.
اشتباك آخر
أما الاشتباك الثاني فوقع في «الحمَّام الجديد» قرب الجامع المعلق، وقد اقتحمه المغاوير واشتبكوا مع عدد من المطلوبين الذين لجأوا إليه وأصيب خلال الاشتباك المطلوب علي سهيل الزعبي والمجند صليبا رزق كما أصيب خالد الشيخ في فخذه، وقبض على علي الزعبي بينما هرب رفيقان له وصادروا من الحمام رشاشين وقاذفة «آر بي جي» وقنبلة هجومية وكمية من الذخائر.
السلطة تستعيد هيبتها
وفي الثامنة استتب الأمر لرجال الحملة وانعدمت أي مقاومة وهدأ الرصاص حتى الثالثة والنصف بعد الظهر.
واستمر تفتيش المنازل بحثاُ عن المطلوبين. وفي هذه الأثناء دخل إلى الأسواق المدير العام لقوى الأمن الداخلي هشام الشعار وقائد الدرك العميد جورج معلوف والنائب العام الاستئنافي في الشمال هاني المولى وعدد من الضباط، وأشرف هؤلاء على أعمال التفتيش ومصادرة كميات من الدخان المهرب وتفرجوا على عمليات نزع صور القدور عن عدد من المحلات.
المطلوبون الرئيسيون هربوا
وكان المطلوبون الرئيسيون شعروا بالطوق عند الفجر، فغادروا منازلهم ولجأوا إلى الجامع المعلق ومنه تسللوا إلى بعض المنازل المجاورة فاقتحم رجال الأمن منازلهم وصادروا منها 3 بنادق و7 الغام مضادة للدبابات وكيلوغرامين من المواد المتفجرة البلاستيكية و15 كيلو غراماً من الديناميت و11 قنبلة يدوية وكميات من الذخائر و3 كيلوغرامات من الحشيشة، واعتقلوا من منزل أحمد القدور المطلوب الجريح محمود الحنش ومدرس متهم بإطلاق النار على زوجته قبل أيام وامرأة صبية تدعى خ. س. أفادت ان أحمد القدور عقد زواجه عليها منذ شهرين.
منع التجول
وعند بداية عمليتي التطويق والاقتحام أطل الأهالي من النوافذ والشرفات لاستطلاع الأمر، فصدرت الأوامر بمنع التجول وأعلن رجال الأمن بواسطة مكبرات الصوت القرار بحظر التجول والتزام الأهالي منازلهم تحت طائلة التوقيف واستمرت مكبرات الصوت حتى الظهر تعلن الآتي:
«نذكر الأهالي بمنع التجول والاطلال من النوافذ والشرفات. ويطلب من الأهالي تقديم التسهيلات لرجال الأمن حتى يقوموا بواجباتهم». وقوى الأمن دخلت أسواق طرابلس الداخلية لملاحقة المطلوبين الذين عبثوا براحتكم وسلامتكم وأمنكم وكل من يخالف قرار حظر التجول يعرض نفسه للخطر والتوقيف».
تجدد المقاومة
واستمرت أعمال تفتيش المنازل حتى الثالثة والنصف بعد الظهر وفجأة دوى الرصاص من جديد في ساحة الدفتردار، فأصيب الدركي علي محمد نصرالدين إصابة قاتلة، وأصيب العريف أسعد إبراهيم برصاصة في فخذه في شارع القنواتي، وعريف آخر يدعى جودت ابراهيم في يده والعريف المغوار جورج بازرجي، وأصيب مدني يدعى خضر البخور في كتفه.
ونقل الجرحى إلى المستشفى الحكومي واستمر الاشتباك حتى السادسة والنصف بين رجال الأمن والمطلوبين الرئيسيين الذين اختبأوا طوال النهار في أحد الأبنية المطلة على ساحة الدفتردار. واستخدمت في الاشتباك الرشاشات الثقيلة وقذائف «الانيرغا»، و«البازوكا» و«الآر. بي. جي».
تطويق المطلوبين الرئيسيين
وتحت المطر الغزير الذي هطل في السادسة استمر تطويق البناية التي يعتقد انها مزدحمة بسكانها وسكان بنايات مجاورة لاذوا إليها. وقالت مصادر في قوى الأمن في ساعة متقدمة من المساء ان المطلوبين الرئيسيين مطوقون ويتعذر عليهم الهرب نظراً إلى إحكام الطوق حولهم. ويتوقع رجال الأمن القبض على غالبية المطلوبين خلال الليل أو قتلهم إذا لم يستسلموا.
تحقيق… واعترافات
ووصل بعد الظهر إلى طرابلس المحقق العسكري الياس عساف، فباشر فور وصوله إلى قيادة المنطقة العسكرية، التحقيق بادئاً بالنسوة الثلاث اللواتي اعتقلن في منزلي القدور والأطرش.
وفهم ان خ. س. و. م. أدلتا بإفادات مستفيضة عن عمليات عدة قام بها المطلوبون، منها نسف محطة الارسال في سرايا طرابلس وإلقاء المتفجرات في أماكن عدة وفي حوادث قتل ثأرية واطلاق النار على رجال الأمن العام. وذكرتا أسماء أشخاص كانوا يحضرون إلى منزل القدور ويزودونه بالأموال والأسلحة التي كان يوزعها على جماعته من المطلوبين.
واستمر قطع الخطوط الهاتفية عن طرابلس حتى منتصف الليل واقتصرت الاتصالات على رجال الجيش والدرك.
أبرز الموقوفين
أما أبرز الموقوفين من المطلوبين أو المتعاطفين معهم وبعض من اشتركوا في الاشتباكات، فكانوا: محمود الحنش، علي الزعبي، عبدالرحمن غنوم، محمد ماجد الحصني، محمد خضر عبده، أحمد ناصر العيد، عبدالقادر البيروتي، أمير البيروتي، محمد رشيد كبارة، محمد ناصر التكريتي، غازي سعد القدور، عمر أحمد طالب، سالم دمعة والنسوة الثلاث.
أما المطلوبون الرئيسيون الذين كانوا ما زالوا احراراً فهم: أحمد القدور، عبدالغني كمون، البر الحلو، فيصل الطرش، مظهر الشامي وإبراهيم الصمدي.
وعزا مراقبون توقيت عملية الاقتحام المفاجىء إلى رغبة الدولة في وضع حد للانتقادات العنيفة التي كانت توجه إليها في شأن الفوضى في طرابلس، وإلى سبب رئيسي هو التمهيد لتصفية الأجواء الداخلية لمناسبة زيارة الرئيس حافظ الأسد للبنان والراحة من الشمال للالتفات إلى الجنوب.
«مطلوبون» لدولة المطلوبين
لكن أطرف ما وجدته القوى الامنية على حائط في منزل فيصل الأطرش لائحة «مطلوبين» تضمنت الاسماء التالية:
الرائد البر سماحة (ضابط مخابرات)، الرائد بدري غزال (رئيس المفرزة القضائية)، النقيب عصام عصام أبو زكي (قائد درك مدينة طرابلس)، الملازم أول سمير أبو جودة (آمر الفرقة 18).
Loading...