طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

القصة الكاملة لـ «دولة المطلوبـين» في طرابلس سنة 1974 (9)

مانشيت جريدة «النهار» صباح اليوم الثالث للهجوم على «دولة المطلوبين» (الثلاثاء 7/1/1974)
… إنها طرابلس وعلاقتها الملتبسة بـ «الدولة»، منذ نشوء الجمهورية اللبنانية، عندما صار العصيان جزءاً من هويتها، وصارت المدينة بدورها صندوق بريد سياسياً أو أمنياً يستخدمه من يستغلون مشاعر الرفض والغضب الممزوجة بالقهر والحرمان، لتنبت كل بضع من السنوات في أسواقها الداخلية ومناطقها الشعبية «دولة مطلوبين» من هنا و«دولة مطلوبين» من هناك. وما أشبه ما حدث في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بما حدث في السنوات الثلاث الماضية في هذه المدينة.
في الاعداد الثمانية الماضية نشرت «التمدن»، ثماني حلقات عن قصة «دولة المطلوبين» («دولة القدور»)، مستندةً الى ملف كامل نشرته «التمدن» في عدد خاص في شباط 1975، علماً أن «دولة المطلوبين» كان قد أطلقها أحمد القدور بعد اتهامه بقتل الطالب محمد خالد بحوش في 18/3/1974، الى أن قضت الدولة اللبنانية على هذه «الظاهرة» في 5/1/1975.
في الاعداد السابقة نشرنا مشهدية دخول «الدولة» الى الأسواق، ومن هم «المطلوبون»، وما أبرز الأحداث التي حصلت خلال «حكم» «دولة القدور» الذي امتد لأكثر من تسعة أشهر، وماذا جرى في المدينة القديمة، وماذا كان على الدولة أن تفعل كي لا تتجدد «دولة المطلوبين»، ومسؤولية السلطة الحكومية بكافة إداراتها وأجهزة الأمن فيها، اضافة الى مسؤولية الشعب الطرابلسي، من جهة، والمطلوبين من جهة أخرى؟
كذلك نشرنا تفاصيل زيارة رئيس الحكومة، وقتها، رشيد الصلح لطرابلس في 12/11/1974، بعد 12 يوماً من تشكيله لحكومته (31/10/1974) وقبل حوالي السبعة أسابيع من قيام الدولة بمهاجمة «دولة المطلوبين» (5/1/1975)، ونشرنا أيضاً تفاصيل ما جرى في الاجتماع الذي عُقد في دار بلدية طرابلس بحضور النائب، وقتها، عبدالمجيد الرافعي وممثلين عن الأحزاب التقدمية والهيئات الاقتصادية ورئيس البلدية، وقتها، محمد مسقاوي، وقد حصل هذا الاجتماع في 13/11/1974 بعد يوم واحد من زيارة الصلح وبطلب منه، ونشرنا أيضاً ما قاله النائب، وقتها، الدكتور عبدالمجيد الرافعي عن هذه الظاهرة، في شباط 1975 بعد حوالي الشهر من سقوط القدور ومجموعته.
ونشرنا تحقيقاً أجراه الزميل الراحل نجيب اسكندر بعد زيارة قام بها لـ «دولة المطلوبين» وإجرائه مقابلة مع أحمد القدور، كذلك نشرنا تقاصيل معركة جرت بين الدولة و«دولة المطلوبين» ليل 7/11/1974، ومجريات ليلة رعب أخرى حدثت ليل 31 تشرين الأول ــ فجر 1 تشرين الثاني 1974.
كذلك، قبل عددين نشرنا تفاصيل واقعة مأسوية حصلت امام المسجد المنصوري الكبير، وراح ضحيتها اثنان من «القبضايات»، خضورة زبيدي ومعن برغشون، وجُرح في الحادثة 13 مواطنا. وفي ذلك اليوم نفسه، حصل اشكال مسلح في كرم القلة في طرابلس، بين نور مدلج والمواطن الزغرتاوي أديب الخوري، مرافق سليم كرم، وقد تدخل كرم ومعن كرامي لتطويق «الحادث الفردي»، خاصة ان الخوري اصيب بجروح، وكذلك أُطلقت في زغرتا النيران على مواطن طرابلسي كردة فعل. ونشرنا ايضاً ما حصل يوم سلّم مطلوبون بأحداث سياسية انفسهم، بناءً لتسوية قضت بالافراج عنهم بعد التسليم مباشرة. ونشرنا تفاصيل تفجير عمود ارسال سراي طرابلس والبنك البريطاني، إضافة الى رمي قنبلة على مخفر باب الرمل.
وفي العدد الماضي، نشرنا تفاصيل ما حدث عند الساعة الثالثة من فجر يوم الاحد في الخامس من كانون الثاني 1975، عندما «اخترقت الدولة حدود دولة المطلوبين»، ثم صدر البلاغ الاول عند العاشرة من صباح ذلك اليوم ليعلن أن الدولة مشتبكة مع دولة المطلوبين، ثم بعدما سقط قتلى وجرحى واعتُقل معظم المطلوبين أُعلن عند الثامنة من مساء اليوم نفسه، 5/1/1975، سقوط دولة المطلوبين وسيطرة الدولة على الاسواق الداخلية لطرابلس… غير ان سبعة من المطلوبين الرئيسيين كانوا ما زالوا احرارا، وهم: احمد القدور، عبد الغني كمون، فيصل الاطرش، البر حلو، مظهر الشامي، ابراهيم الصمدي ومحمد علي جمعة المسلماني . ونشرنا، في العدد الماضي ايضا، صُوَرَ مانشيتات بعض الصحف الللبنانية والعربية، الصادرة في 6/1/1975، لإظهار كيفية تعاطي هذه الصحف مع «الحدث الطرابلسي» وقتها.
في هذا العدد ننشر تفاصيل المداهمات والملاحقات التي جرت في الايام االاربعة الاولى، التي تلت يوم انطلاق عملية القضاء على «دولة المطلوبين»، وننشر اسماء المطلوبين الذين تم اعتقالهم في اليوم الاول للحملة، ولائحة تتضمن نوعيات وأعداد الاسلحة التي تمت مصادرتها من داخل الاسواق، وبعضاً من المواقف النيابية تعليقاً على حوادث طرابلس، ومعلومات حول التحقيقات القضائية التي كانت جارية مع الموقوفين، وما توفر من معطيات، عن كيفية فرار المطلوبين الرئيسيين السبعة، والاحتمالات حول الامكنة التي لجأوا اليها او التي قد يكونون ما زالوا (حتى ذلك الوقت) مختبئين فيها ، في دهاليز المدينة القديمة وأسواقها، أو في البساتين المحيطة بها وصولاً الى المنية، أو في الجرود الشمالية… من الضنية الى عكار. وفي هذا العدد، ننشر ايضاً خبر اعتقال فيصل الاطرش (الرجل الثاني في «دولة المطلوبين») في خامس ايام الحملة، وقد كان مختبئاً في احد المستودعات. 

الموقوفون في اليوم الأول

في ما يلي أسماء الموقوفين في اليوم الأول:
المطلوب محمود خالد الحنش (38 عاماً) متهم بجريمة قتل محمود أبو لقمة وسميح ورور قبل اسبوعين من الحملة في الأسواق الداخلية لخلافات بين المطلوبين. وقد أوقف محمود في منزل زعيم المطلوبين أحمد القدور، وكان مصاباً بالرصاص في رجليه، المطلوب عبدالرحمن غنوم (70 عاماً) المتهم بمحاولة قتل زوجته ومقاومة الدرك، أحمد محمد اللهب (19 عاماً)، سالم أحمد دقمه، محمد بكري قانت، محمد رمضان عبود (42 عاماً)، محمد دياب النجار (84 عاماً)، خالد محمد المنعم (69 عاماً)، أحمد ناصر العبد (18 عاماً)، عبدالله يوسف الشحنة (49 عاماً)، بهيج توفيق المصري (38 عاماً)، سعيد جميل السنكري (45 عاماً)، عصام سعيد السنكري (16 عاماً)، محمد ناظم التكريتي (17 عاماً)، محمد هاشم الكيفاني (27 عاماً)، أحمد كامل بيضون (28 عاماً)، محمد مروان عارف الصيادي (35 عاماً)، عبدالرحمن كامل بيضون (19 عاماً)، أحمد رشاد البحر (31 عاماً)، وليد هاني زموي (25 عاماً)، مصطفى محمد عكاري (23 عاماً)، أحمد علي العكاوي (21 عاماً)، إبراهيم فايز العلام (24 عاماً)، عبدالقادر شفيق الهندي (32 عاماً)، خضر محمد شيخ النجارين، محمد خضر عبدو (35 عاماً)، غازي سعيد القدور (23 عاماً)، جميعهم من طرابلس. محمد يوسف علوش (18 عاماً)، مصطفى يوسف علوش (23 عاماً)، جمال يوسف علوش (16 عاماً)، يوسف مصطفى علوش (16 عاماً)، جميعهم من حمص. علي مرعي شندب (47 عاماً)، من بقرصونا. بسام مصطفى نبهان (18 عاماً)، حسين مصطفى نبهان (24 عاماً)، مصطفى حسن نبهان (50 عاماً)، جميعهم من حماه. علي مهيب الزعبي (24 عاماً)، من ببنين – عكار، سناء الياس موسى (24 عاماً)، وفاء الياس موسى (15 عاماً)، وهما سوريتان. خضرة أحمد نوري سليمان (16 عاماً)، من بيروت.
ثاني ايام حملة مداهمة «دولة المطلوبين»، الاثنين في 6/1/1974، كان أول يوم منذ أشهر تنام فيه طرابلس من دون سماع إطلاق الرصاص والمتفجرات. وقد تابعت الحملة العسكرية التفتيش بإحكام عن المطلوبين الرئيسيين، وهم سبعة تمكنوا من مغادرة البناية التي حوصروا فيها والتواري في السراديب المتشعبة والدهاليز المتشابكة. وفجر السادس من كانون الثاني قرر المسؤولون تمشيط أحياء الرفاعية والحدادين والعطارين والدفتردار والدبابسة وباب الحديد والأسواق المتفرعة منها.
دركي وجد مقتولاً
وفيما هم يباشرون حملتهم عثروا على الدركي محمد الشيخ الرفاعي من الفرقة 18 قتيلاً في أحد الزواريب الضيقة وقد مزقته قنبلة. وتبين انه قتل خلال الاشتباك الذي وقع مساء الأحد قرب المكان الذي قتل فيه رفيقه الدركي علي نصرالدين، فأثار ذلك ثائرة المغاوير وراحوا يفتشون المنازل واستمرت عملية التمشيط حتى المساء، وقد أُفرغت المنازل من الرجال والشبان والفتيان وأبقي فيها النساء والأطفال.
وجرى التحقيق مع الرجال حول معرفتهم بالأمكنة التي يلجأ إليها المطلوبون، وكان قائد الدرك في طرابلس يعيد كبار السن إلى منازلهم فوراً. وأوقف 74 شخصاً وأكثر هؤلاء مطلوبون بمذكرات عدلية والآخرون مشتبه بتعاونهم مع المطلوبين.
وكان عُقد اجتماع لمجلس الأمن الفرعي في مكتب المحافظ لعرض حصيلة الحملة والتدابير المتخذة وردود الافعال. وتقرر دفع مبلغ 10 آلاف ليرة لكل شخص يرشد إلى أحد المطلوبين الرئيسيين السبعة. وتقرر استمرار تفتيش المنازل وقطع الهاتف وعزل الأحياء الداخلية حتى القبض على المطلوبين.
حصيلة اليوم الثاني
أما حصيلة اليوم الثاني فكانت حتى السابعة مساء توقيف 16 شخصاً بينهم 3 من كبار المطلوبين هم فيصل رعد المتهم بإطلاق قذائف «آر. بي. جي» على مصفحة لرجال الأمن خلال عملية الاقتحام الأولى في مطلع تشرين الثاني 1975، ورشيد موسى (سوري) وعلي المصري، والآخرون هم: محمد عمر الحصني وجمال مصطفى المصري ومحمود خالد عبده وخالد مصطفى عبده وأحمد خالد مصطفى عبده ومصطفى حسن طالب وعبدالله عباس حمزة ومصطفى خالد المبيض (سوري) ومحمد أحمد حمزة ويحيى عبدالله وعبدالرحمن احمد العتر وشفيق المبيض ومحمود العبشي. ونقل الجميع إلى الثكنة العسكرية حيث يجري التحقيق مع الموقوفين. وصادر رجال الأمن رشاشين من البناء الذي أطلق منه الرصاص وألقيت منه القنبلة على الدركيين القتيلين.
أين المطلوبون الرئيسيون؟
وبقي السؤال: أين أصبح المطلوبون الرئيسيون؟ كل المعلومات المتوافرة وقتها، وإفادات الموقوفين الجدد والأخبار التي يتلقاها رجال الأمن، أصرّت على ان المطلوبين كانوا ما يزالون في المنطقة المحاصرة. وأفاد رشيد موسى، الذي وُجد مصاباً برصاصة في فخذه ومختبئاً على سطح أحد الأبنية في حي الدبابسة، انه نام مساء الأحد مع المطلوبين في أحد المنازل المهجورة القريبة، وان أحمد القدور ورفاقه طلبوا منه ان يبقى معهم فرفض وهرب واختبأ على السطح. وافادت معلومات أخرى انهم ناموا حتى الرابعة فجراً ثم توغلوا في الدهاليز.
واعتبر رجال الحملة انه يستحيل عليهم الهرب، وبالتالي لا بد ان يكونوا مختبئين في أحد السراديب. وفي طريقهم تابع رجال الحملة مصادرة الممنوعات كالدخان المهرب والأسلحة من منازل المطلوبين والمشتبه بهم. 
وعلق المدير العام لقوى الأمن الداخلي هشام الشعار على خطورة التحرك في الدهاليز والزواريب والسراديب المتشابكة، فوصفها بأنها «بؤرة يجب إزالتها بالجرافات وبناء شوارع جديدة مكانها»!!!!! 
وتبيَّن لرجال الحملة ان أحمد القدور كان يشغل منزلاً ثانياً فدهموه وصادروا منه بعض الممنوعات وقاذفة «آر. بي. جي» وبعض الذخائر وقطعاً من سيارة لرجال الأمن العام كانوا أصيبوا برصاص المطلوبين و…. مجموعة من الصحف التي كتبت عن القدور ورفاقه.
استمرار منع التجول
واستمر منع التجول في الأحياء الداخلية وتعذر على السكان التزود بالخبز والمواد الغذائية، ولكن سمح لهم بعد الظهر بشراء بعض الحاجات الضرورية، واحضر رجال الأمن بعض البقالين إلى محلاتهم ففتحوها واشترى السكان بعض حاجاتهم الضرورية.

تخفيف قيود منع التجول عن طرابلس الداخلية

رؤوس المطلوبين ما زلاوا في الدهاليز؟

اليوم الثالث من الحملة: مزيد من المعتقلين والموقوفين

كانت المدينة، طوال يوم الثلاثاء في، 7/1/1975 (ثالث ايام الحملة) هادئة حتى الضجر، والذين اعتادوا سماع الرصاص ليل نهار باتوا يترقبون بين ساعة وأخرى دهم الأماكن التي لجأ إليها المطلوبون الأساسيون، وعلى رأسهم أحمد القدور، والمحاصرون داخل مجموعة من المنازل القديمة المتصلة النوافذ والأبوباب والسطوح والتي لا تتعدى مساحتها الاجمالية الـ 1500 متر مربع التي تتخللها سراديب ودهاليز وسلالم حجرية قديمة تبعد نحو 100 متر عن المنطقة الغربية الجنوبية لساحة الدفتردار، معقل المطلوبين. والحصار حول المطلوبين كان محكماً. وقال مسؤول في حملة الأمن هناك «ان هرة صغيرة لا يمكنها الخروج أو الدخول من دون ان نلقي القبض عليها». وكانت ما زالت قوى الحملة متمركزة في الأسواق الداخلية بكامل عدتها، ومنعت دخول هذه الأسواق والخروج منها على غير أبناء المحلة وبعد التاكد من هوياتهم وتفتيشهم بدقة. وعلى رغم تخفيف قيود منع التجول والسماح للأهالي بشراء حاجياتهم الضرورية كانت محلات السمانة والأفران التي فتحت أبوابها داخل الأسواق لا تتعدى أصابع اليد وكان خروج الناس من منازلهم يتم بتحفظ.
انتظار «شيء ما»
سكان الأسواق الداخلية، والذين تجمعوا من أهالي المدينة حول الطوق الذي أقامته حملة الأمن كانوا ينتظرون «شيئاً ما». وسرت شائعات متعددة ومتناقضة منها ما يقول «ان المطلوبين تمكنوا من الفرار بعدما تسربوا في الدهاليز والمجارير إلى خارج المدينة» و«ان المطلوبين ما زالوا مطوقين ولن يبادروا إلى إطلاق النار ولن يقاوموا وهم في انتظار وساطة مع المسؤولين». و«ان الأوامر صدرت إلى الحملة بعدم قتل المطلوبين والعمل قدر المستطاع على القبض عليهم أحياء» و«أن القدور مصاب برصاصة في ساقه». وبدا ان المواطنين مرتاحون لتدابير السلطة خصوصاً ان الحملة لم تصادر أي سلاح من غير المطلوبين، على رغم انها صادفت سلاحاً وفيراً في عدد كبير من المنازل.
تمشيط بعض الأحياء
خارج الأسواق القديمة كانت أبواب معظم المحلات والمتاجر والمقاهي مفتوحة لكن الإقبال عليها كان فاتراً جداً. وقال عدد من مواطني المدينة ان السلطة أسرعت في تدابيرها لأن المطلوبين نشطوا في المدة الأخيرة في كل الحقول فكانوا يقتادون الناس ويعذبونهم ويسجنونهم ويفرضون عليهم الخوة وأبلغوا قبل الأعياد جميع أصحاب الحانات والمقاهي وجوب دفع خوة للسماح لهم بإقامة حفلات في أمسيات الأعياد. وقد أعيد تمشيط أحياء الدبابسة والعوينات وسوق العطارين وساحة الدفتردار وطلعة الرفاعية. وأعيدت الكهرباء إلى أحياء عدة في المدينة، بما فيها عدد من الأحياء الداخلية. ويتوقع ان تخفف القيود على التجول في الأسواق الداخلية، خصوصاً ان أكثر سكان هذه الأحياء يعيشون من دخل عملهم اليومي وليست لديهم أي مدخرات تمكنهم من البقاء في منازلهم حتى انتهاء الحملة.
التحقيق القضائي
على صعيد التحقيق القضائي، وصل إلى قيادة المنطقة العسكرية في التل المدعي العام العسكري الشيخ أسعد جرمانوس يرافقه المحقق العسكري السيد الياس عساف فاجتمعا لمدة ربع ساعة بقائد منطقة الشمال العسكرية العميد الركن سيمون سعيد. وحضر الاجتماع المدعي العام في الشمال السيد هاني المولى. ثم استمع جرمانوس والمولى وعساف إلى نحو 60 معتقلاً وأصدروا مذكرات توقيف وجاهية في حق 10 منهم وتركوا عدداً من الذين تبين ان ليست لهم علاقة بالقضية. وعلم ان عدد الموقوفين بلغ حتى مساء السابع من كانون الثاني نحو 60 موقوفاً طلب المدعي العام العسكري إرسالهم إلى المحكمة العسكرية في بيروت لاستكمال التحقيق معهم.
جولة في الأسواق
وقد تجول الشيخ أسعد جرمانوس والمدعي العام في الشمال وقاضي التحقيق العسكري، يرافقهم قائد منطقة الشمال العسكرية وكبار الضباط، في الأسواق الداخلية التي كانت مسرحاً للمطلوبين وسجلوا على أوراق مشاهداتهم واستمعوا إلى عدد من جيران القدور وأبناء المحلة. ودخلوا منزل القدور الذي كان يستعمل مركزاً قيادياً «لحكومة المطلوبين» وسجناً ومكتباً للتحقيق. وصادروا أوراقاً وصوراً ودفتراً خاصاً بالقدور. ثم توجهوا إلى منطقة الدفتردار التي كانت تعد أخطر «منطقة عمليات» لأن المطلوبين كانوا لم يزلوا فيها، ووقفوا عن كثب على الحصار المضروب حول مكان المطلوبين، بعدها عادوا إلى مركز القيادة العسكرية في التل لمتابعة التحقيق وسير العمليات.
وقد وصل عدد الجرحى من قوى أمن وجيش ومدنيين إلى نحو 70 شخصاً موزعين على مستشفيات طرابلس والمستشفى العسكري في بيروت.
وحاول السكان النزوح إلى اقاربهم في المناطق الأخرى. واستمر قطع الخطوط الهاتفية عن طرابلس وبرر المسؤولون هذا التدبير بضرورات أمنية وبقطع الطريق على الشائعات والمراجعات والتدخلات. غير ان عملية حظر التجول في الشوارع التجارية البعيدة عن الأحياء المطوقة، كساحات التل والكورة والبلدية القديمة والشوارع المتفرعة، إضافة إلى قطع الهاتف ، شلت 75 في المئة من الحركة التجارية في طرابلس وحصرت الأعمال المصرفية في نطاق ضيق واغلقت المحلات التجارية حتى في بعض الشوارع الجديدة. وطغى حديث الحملة على كل شيء في طرابلس وبدأ الناس يشعرون بشيء من الضيق والقلق خوفاً من استمرار شلل الحركة العامة.
المعلومات الرسمية
وصرح ناطق عسكري بالآتي:
«منذ الساعة السابعة والنصف من صباح اليوم (6/1/1975) تتابع القوات المشتركة من جيش وقوى أمن داخلي دهم منازل المسلحين والمتعاطفين معهم في الأسواق القديمة في طرابلس، ويتوقع اعتقال المعتصمين الأربعة المحاصرين في إحدى المقسمات المكتظة بالمواطنين. وقد أسفرت عملية الدهم حتى التاسعة صباحاً عن استشهاد الدركي محمد الشيخ محمود الرفاعي والقبض على عدد كبير من المسلحين ومؤازريهم والمشتركين بإطلاق النيران على افراد القوة. وللمناسبة ينبه جميع المقيمين على الاراضي اللبنانية إلى انه يحظر نقل السلاح أو أي شيء ممنوع وان حواجز التفتيش المركزة في المناطق اللبنانية مكلفة تطبيق هذه التدابير».
وفي المساء صرح الناطق العسكري بالآتي: «تابعت القوات المشتركة من جيش وقوى أمن داخلي، حتى السابعة من مساء اليوم، دهم المنازل المشبوهة في الأسواق القديمة، وقد صادرت أسلحة وذخائر مختلفة وقبضت على 13 مطلوباً بمذكرات مختلفة تراوح بين إلقاء المتفجرات والسرقات وإطلاق النيران على قوات الأمن. ومازال التحقيق جارياً مع ثلاثين موقوفاً آخرين لفرز المتهمين بينهم بمقاومة رجال القوى. أما الباقون من المطلوبين، فقد أحكم الطوق حولهم في أحد الأماكن في المدينة القديمة، وينتظر استسلامهم أو اقتحام مكانهم قريباً».

إعتقال فيصل الأطرش

حملة مطاردة المطلوبين شهدت في يومها الخامس، أي بعد 108 ساعات على انطلاقها، تطوراً مثيراً. فقد لجأت قوات الأمن إلى استخدام الكلاب البوليسية في تعقب المطلوبين الكبار الذين كانوا لجأوا الى الدهاليز وقيل انهم افلتوا من الحصار، وتمكنت من اعتقال أحدهم، فيصل الأطرش، الذي وُجد مختبئاً في أحد المستودعات، كما اعتقلت سبعة آخرين بينهم مساعد الأطرش. وتوقعت مصادر الأمن، وقتها، ان يتم إعتقال أحمد القدور ورفاقه بين ساعة وأخرى.
وكانت السلطات سمحت، في اليوم الخامس للحملة، بالتجول لمدة 9 ساعات يومياً على ان يستمر منع التجمع. وقامت حركة في صفوف الهيئات والمؤسسات لجمع التبرعات وتوزيع المواد الغذائية على الأهلين في الأحياء الداخلية.

الصلح: طرابلس أصبحت في يد الدولة

قال رئيس الحكومة رشيد الصلح تعليقاً على الوضع في طرابلس: «إن طرابلس أصبحت كلها في يد الدولة، والمدارس فتحت أبوابها وخففنا القيود التي كانت مفروضة واعتقلنا جميع مساعدي القدور».

كرامي يبدي لسلام قلقه من الوضع

إتصل الرئيس صائب سلام بالرئيس رشيد كرامي في طرابلس وتحدثا في وضع المدينة وما يجري فيها. وعلم أن كرامي أبلغ سلام قلقه من الوضع وقال انه غير مطمئن الى أن القضية انتهت كما يقول رئيس الحكومة رشيد الصلح.

الأسلحة والذخيرة المصادرة

بندقية فال، بندقية 6 ملم، لغم ضد الآليات، قنينة غاز صغيرة عدد 4، قذيفة هاون 81 ملم، قنبلة يدوية مختلفة عدد 11، كبسولة كهربائية عدد 52، كبسولة عادية عدد 17، فتيل بطيء طوله 15 متراً، أمشاط رشيش مختلف عدد 33، ديناميت وزن كيلو، 15 رزمة متفجرات ت.ن.ت. ورزمتان من البلاستيك المتفجر، 4 رزم حشيشة وزنها 3 كيلو، مولعات الغام عدد 5، منظار لتقدير المسافات، 40 خرطوشة كلاشنكوف، 39 خرطوشة عيار 7،7 ، 5 قذائف عيار 6،5 قذائف كلاشينكوف فارغة، 9 بطاريات قوتها 4 فولت، لوحتا سيارة رقم 26613، 5 صناديق ذخيرة حديدية، بزتا قتال، قشاطا قماش، قبعة قتال، «بيت» مسدس، حقيبة قماش للماشط، ساعة غاز، ختمان الأول عليه عبارة «مدفوع» والثاني عبارة «مقيد على الحساب»، قذيفتا آر. بي. جي مع «الحشوة»، جهاز لقذف الآر. بي، جي، حقيبة قماش للآر. بي. جي، حقيبة قماش للآر. بي. جي، قاعدة رشاش حديدية، 111 قذيفة ورشاش عيار 7،29 ملم، علبة حديد للأمشاط، قنبلتان، رشاش عيار 7،29 ملم.

تأييد نيابي للحملة

الارتياح الذي لقيته حملة السلطة على المطلوبين للعدالة في طرابلس، اقترن بمطالبة الدولة بجعل تدابير الأمن تشمل كل المناطق اللبنانية التي تعاني أوضاعاً مشابهة لأوضاع عاصمة الشمال بحيث تفرض هيبتها وتوطد سلطان القانون.
الشيخ بيارالجميل: الأمن ثروتنا
قال الشيخ بيار الجميل: «رأيي هو معروف. ان غيرنا ثروته البترول، أما نحن فثروتنا الأمن والمبادرة الفردية ورؤوس الأموال العربية والتجارة والمصارف والسياحة…. كل هذه الأمور التي لا يمكن ان تسير على ما يرام إلاّ في ظل الأمن، وأكبر خدمة يمكن ان تؤدى للبنان هي أن تكون الدولة وقواها الأمنية فارضة هيبتها وسلطتها. وهذا الارتياح لدى الشعب اللبناني لاسترداد هيبة الدولة في طرابلس يدل كم كان الشعب متعطشاً لأن تكون الدولة فارضة هيبتها وهي السلطة الأقوى على الأراضي اللبنانية. وعلى اللبنانيين وسائر المقيمين في لبنان، ان يساعدوا الدولة للسيطرة على الأمن لمصلحة لبنان ومصلحة الجميع».
النائب فريد سرحال
وقال النائب فريد سرحال: «سلطة الدولة يجب ان تكون موجودة على كل الأراضي اللبنانية من دون استثناء. ونحن نرحب بالتدابير والحملة التي جردتها الحكومة للقضاء على «دولة المطلوبين» بعدما انذرتهم مراراً وأصبح الخطر يهدد المواطنين وحرياتهم. وأتمنى على الحكومة ان تشمل التدابير كل الأراضي اللبنانية.
حسن الرفاعي
وقال النائب حسن الرفاعي: «انني أهنىء رئيس الحكومة على حزمه، ولكن نذكره بأن الوضع الموجود في طرابلس موجود في أي رقعة في لبنان، وإذا كان يريد متابعة فرض هيبة الدولة فما عليه إلاّ ان يتابع الحملة في مختلف المناطق. وإذا كان سيكتفي بقضية طرابلس فإن ذلك مؤسف لأنه يؤدي أقله إلى إتهام السلطة بأنها فعلت ذلك في طرابلس لهدف ما».
موريس زوين
وقال النائب موريس زوين: «اننا نؤيد الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة بالقضاء على «دولة المطلوبين» في طرابلس ونطالبها بشن حملات واسعة على المطلوبين في مختلف المناطق وهم كثر حتى يعود الاستقرار إلى لبنان بعدما فقده منذ سنوات».
أمين الجميل
وقال النائب أمين الجميل: «تعودنا نحن اللبنانيين ألا نرى إلاّ الشوائب والقبائح والتقصير، إنما عندما تنجح الدولة في تنظيم فترة الأعياد من دون حوادث تذكر وتنظيم السير بصورة طبيعية في أثناء الأعياد وتنظيم حياة طبيعية في طرابلس بالحزم والشدة والقبض على من كان سبب تعكير الأجواء، إلى ما هنالك من المواقف التي تحققها الحكومة للمصلحة العامة، كل ذلك لا نراه ولا يذكر في الصحف. والواقع ان الحكومة الآن على رغم التقصير في كل المجالات والتبعة في ذلك على الوضع السياسي في لبنان أكثر منها على المسؤولين، لا بد من تسجيل هذا الموقف لها».
Loading...