طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أزمة الايديولوجيا الجامدة

قبل ان أصِلَ الى النتائج، أُريد أن اتوقف عند مثلين فقط، من أمثلة عديدة عرفها القرن العشرون، مع الايدولوجيا الجامدة، او الصلبة، كما يحبّ البعض ان يسمّيها.

التجربة الاولى، هي مع الحزب الشيوعي السوفيتي، في محاولته لبناء الاشتراكية والشيوعية وفق اسس ماركسية – لينينية، حسب زعمه، في دول الاتحاد السوفيتي السابق، وكما نعلم جميعاً فقد انتهت هذه التجربة بشكل كامل، وتركت آثاراً مدمِّرة ولفترة طويلة على سكان هذه الدول والدول المحيطة والعالم، والسبب يعود بشكل رئيسي الى عدم قدرة هذه الايديولوجيا على التأقلم مع حاجات الناس، وعلى التطور مع الطبيعة البشرية الاساسية ومع المتغيرات العالمية ومع التقدم البشري والفكري والتقني والاجتماعي.

أما التجربة الثانية، فهي تجربة الحزب النازي في المانيا، والتي تقوم ايديولجيته على نسخة مشوّهة من الاشتراكية الديمقراطية الوطنية، التي تمجد العرق، وتدعي تفوق احد الاعراق على غيره، ولقد أوصلت العالم الى كوارث حقيقية، في فترة الحروب التي خاضتها من اجل إثبات هذه النظرية، إذ حاولت مع حلفائها السيطرة على العالم بكليتيه، ومن ثم في الفترة التي تلت الحرب، بعد هزيمة مدوية على ايدي من تزعم ان قدراتهم أقل  في الترتيب العرقي.

نذكر هنا هذين المثلين لنشير إلى ان العقائد الصلبة او الجامدة تنتهي نهاية مأساوية، بسبب علّة في داخلها قبل أي شيء آخر، فهذه الايديولوجيات تعمل وفق قوانين معروفة في علم السياسة، وكذلك في العلوم الطبيعية الاخرى:

أول هذه القوانين، هو قانون كل شيء او لاشيء، وهو شبيه بعملية انتقال التيار الكهربائي في الخلايا العصبية، حيث ان العصب الاول يرسل مواد توصل الرسالة الكهروكيمائية الى العصب المتلقي، الذي بدوره يجهز بوابات الاستقبال، فاذا وقع طارىء مرضي ولم ترسل كل المواد او لم تفتح كل الابواب لا يمضي التيار من العصب الاول الى الثاني، حتى لو أرسل العصب الاول 90 بالمئة من المواد، او فتح العصب الثاني 95 بالمئة من الابواب، فإن هذا لا يكفي (كل شيء أو لا شيء).

القانون الثاني، هو ما يسمى بنظرية «الدومينو»، وهي تعني ان كل شيء ينهار دفعة واحدة ما إن ينهار حجر واحد في السلسلة المترابطة بين احجار الدومينو، يكفي ان يتلقى الحجر الاول دفعة صغيرة على ظهره حتى يقع ويقع معه كل ما تلاه من احجار الدومينو.

اما القانون الثالث، فهو ضرورة وجود قائد خالد أبدي سرمدي واحد، ونحن لا نتكلم هنا عن بعض الزعامات الكاريكاتورية التي انتشرت في دول العالم الثالث، ولا نعني هنا بان هذه العقائد لا تنتج قادة متتابعين ولكن بهيبة اقل وقدرات أوهن، ولكن على صورتهم ان تترافق مع صورة القائد الخالد دائما. بل نتكلم عن قادة بوزن ستالين او هتلر: أدى غياب اولهما بسبب المرض الى بدء انهيار النموذج وإن بشكل تدريجي، وأدى انتحار ثانيهما الى اندثار المشروع بالكامل، مع بقاء المعجبين الذين يطلون برؤوسهم بين الفينة والاخرى.

هذه القواعد تنطبق في كل الحالات التي عرفتها البشرية، وإذا أراد أحد ان يستثني الصين مثلا، نقول إن تجربتها ما زالت يافعة، والوقت ما زال مبكراً  لاصدار الاستنتاجات والاحكام، ومن المفيد التنبه الى أن الصينيين تعلّموا من تجربة الاتحاد السوفيتي، فأجروا تعديلات قاسية على البنى الاقتصادية من اجل تجنب الانهيار الكامل، ولكن يبقى السؤال هل يمكن لادارة سياسية مبنية على عقائد جامدة ان تدير اقتصاد سائل ولمن ستكون الغلبة في النهاية.

ولقد احببت ان اتكلم على هذا الموضوع في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، تاريخ تملأه المجازر والمذابح، وتعصف به الاسلحة من كل نوع وشكل، وتتدخل فيه الدول من كل حدب وصوب، لأُدلّل على المآسي التي تنتج عن تلك الانظمة ذات العقائد الجامدة- كإيران مثلاً- وهي تحاول ان تبني مجداً يقوم على أرض مليئة بالاساطير والاكاذيب التاريخية والدينية، من أجل الهروب من مأزق يزداد في داخلها، يوماً بعد يوم، ولنفس الاسباب التي ذكرناها سابقاً، في الامثلة التي أوردناها: العقيدة صلبة جامدة ويزيد من جمودها وتزمتها كونها دينية. وعلى الرغم من قدرة الايرانيين المذهلة في الديبلوماسية المكوكية (مكوك حبال السجاد) الا انك تراهم يسعون الى الهروب من مأزق قادم لا محالة، لأن الشعوب وان تقبلت الظلم بفعل شعارات براقة، الا انها لا تستطيع ان تعيش دون حرية ودون بحبوحة وانتعاش اقتصادي، وهي اساس كل فطرة بشرية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.