طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: كتاب حسين ضناوي الجديد «قصة تُروى -محطات في حياتي»: ذاكرة سياسية وثقافية واجتماعية لطرابلس

ليس حسين ضناوي مجرد محامٍ أو عضوٍ سابق في مجلس نقابة المحامين أو مرشح سابق لمنصب النقيب، وهو ليس أيضاً مجرد مثقف ورئيس سابق للرابطة الثقافية ومبتدع لفكرة جائزة طرابلس الادبية وصاحب فضل كبير في ولادة مكتبة الرابطة، كذلك، هو ليس مجرد ناشط سياسي وثقافي وحزبي (في مرحلة معينة)، كما انه ليس مجرد كاتب او عامل في الصحافة لردح من الزمن (ولو على سبيل الهواية الهادفة والخادمة للقضية)، وليس حسين ضناوي مجرد «طرابلسي عتيق» ولبناني حرّ وعروبي مؤمن بالوطن الأكبر… حسين ضناوي هو كل هذه الامور مجتمعة في رجل واحد، لكنه قبل كل شيء هو «الرجل المستقيم»، وقد جاءت مضامين كتابه الجديد «قصة تروى – محطات في حياتي» لتثبت فعلاً ان هذا الانسان، منذ كان طفلاً حتى اليوم، قد جُبل جبلاً بالاستقامة، حتى صارت عنده معياراً يساعده في اتخاذ اي موقف أو قرار في اي مجال، بل صارت الاستقامة بالنسبة اليه محور كل القضايا وهدفها الاساس، والذي إن لم نحققه لم نحقق شيئاً. وهذا الكتاب هو بمثابة ذاكرة سياسية وثقافية واجتماعية لطرابلس خلال ستين عاماً وأكثر.

انه «الرجل المستقيم» المحامي حسين ضناوي، تُقام ندوة حول كتابه الجديد الخميس المقبل في 15 آذار 2018، في الرابطة الثقافية في طرابلس، عند الخامسة والنصف مساءً، يُقدَّم بعدها الكتاب للحاضرين.

وبهذه المناسبة تنشر «التمدن» مقاطع من كتاب المحامي ضناوي على الصفحتين 14 و15 من هذا العدد:

مقدمة

كل إنسان في هذا الوجود، وبمجرد وجوده، يشكل حكاية يمكن أن تُروى، وإن تعمقنا قليلاً لوجدنا في هذه الحكاية الكثير مما يستحق أن يذكر وأن يُروى.. وأمتع ما يعيشه الإنسان، تلك الساعات التي يروي فيها حكاياته، سعيدها وتعيسها، غناها وفقرها، عواطفه ودموعه وضحكاته وعلاقته بمن حوله.. ولم ألتقِ يوماً بأحد لا يتمتع بذكر أيامه الخوالي.. يسهب، وإذا كان موهوباً بالرواية وقادراً على التصوير بالكلمات، سواء أكان متعلماً أو غير متعلّم، كانت رغبة السامعين أن يطيل أحاديثه.. ليزدادوا تمتعاً ومعرفة وتسلية.

فأنا بهذه الأوراق التي أسطرها، لا أبتدع سنة ولا أصطنع وسيلة للحديث عن نفسي. فكلنا تكلمنا وأسهبنا، وما أفعله، هو أن أجعل الشفهي مكتوباً والتاريخ تسجيلاً، والقول التزاماً ومسؤولية.

ولا أسجل، في هذه الأوراق كل مسار حياتي في مراحلها المتقدمة والمتنوعة والطويلة، ولا أسعى لكتابة مذكرات أو اعترافات، فكل ذلك يتطلب سياقاً آخر في الكتابة، ومدى أوسع جداً في ذكر الأحداث والعلاقات الإنسانية والاجتماعية.

غاية ما أسجل هو قبسات من حياتي التي عشتها، فلم أتطرق إلى معالم طفولتي العائلية التي عشت في كنفها وترعرعت بين أب وأم وإخوة وشقيقات وكلهم أحباب لي وأعزاء طوال هذا العمر الطويل إلاّ في حدود ضيقة، وكذلك لم أقترب مطلقاً من الإشارة لمراحل تكوين عائلتي الخاصة التي فيها الزوجة والأبناء الثلاثة وهم وعائلاتهم يملأون وجودي ويسعدون أيامي.

غاية ما أسعى لأرويه، بعض محطات في حياتي العامة التي عشتها والأحداث التي كابدتها واضطربت في أمواجها والتي تشكل خلفية تاريخية لوجودي المادي والمعنوي، وإن كانت في معظمها ذات بُعد اجتماعي وسياسي، تشكل جذور ما هو على أرض الواقع الآن، وأوضح أنني أحاول أن أعالج هذه الأحداث، بمفهوم المرحلة التي حدثت فيها وبمنطقها، لأكون أكثر صدقاً وواقعية باعتبارها رؤيتي الخاصة لما حدث وفهمي للأمور من زاوية الزمان والمكان الذي كنت أعيش في أكنافه، ولا أزعم أن ما فعلت وما اعتقدت هو الصواب الأكيد، بل هو الواقع الأكيد.

ورواية هذه الوقائع يقينا ليست كافية لفهم تلك المراحل العامة التي مر بها المجتمع، وهذا طبيعي، فأنا لا أكتب تاريخاً بما توجبه كتابة التاريخ من الموضوعية والنقد والتحليل العلمي.

أكتب من خلال رؤيتي الذاتية وتجربتي الخاصة، وكتابتي قد تلامس بعض الشروط العلمية في ذكر الأحداث وقد لا تكون. ولكنها يقيناً تروي الكثير من المعلومات وترسم الكثير من الصور عن وقائع الماضي وأحداثه.

كل ما أستطيع أن أقر به جازماً، أنني لم أبتعد في روايتي عن الصدق في الحديث، وأظن أن مَن يقرأ هذه الأوراق وعاش الأحداث التي رويتها، يحس أنني أتكلم عنه وباسمه وأروي تجربته، فنحن عشنا حياة واحدة، مرهونة إلى حد بعيد بالإيمان الوطني والأحلام العريضة التي هيأت لنا وكأن الأحلام في طريقها للتجسد والتحقيق… فإذا بالعوالم التي بنيناها تنهار وأجنحتنا التي حلَّقنا بها تتكسر وآلام القهر تفيض على الروح والجسد.

ومع ذلك، ما زلنا، رغم معاناتنا القاسية والصعبة نقبض على الجمر ولا نخشى آلام الاحتراق… فنحن قوم نأبى أن نموت إلاّ ونحن واقفون.

حسين ضناوي

من خلال الجامع المنصوري الكبير

كانت تجربتي الحياتية، في منطقة باب الرمل، حيث المدرسة والملعب والزقاق الطويل والمقهى وطريق بيروت والمقبرة العامة، تمثل الفضاء العام في ذلك الزمان الموغل في القدم، كانت العلاقات الإنسانية المباشرة مع المجتمع، محدودة لا تتيح المجالات لتشكيل علاقات إنسانية مباشرة، خلافاً للإمكانيات الواسعة من تجارب الحياة في منطقة قبوة الطرطوسي حيث منزل أهلي والحارة التي كنا نلعب فيها في بعض الأحيان. إن التكوين الإنساني في الحي تختلف اختلافاً بيّناً، كثافة في عدد السكان، وتنوع واسع في المستويات الاجتماعية والاقتصادية، بحيث لا يمكن إلاّ أن ترسم خطوطاً عميقة في نفس ووجدان من يعيش في أكنافه.

لن أتكلم عن المنزل العائلي والحياة فيه، عن والدي ووالدتي وجدتي لأبي وإخوتي، وشبكة العلاقات التي تنسج خيوطها حولنا بما فيها من ذكريات وتجارب وأحداث، فذلك حديث طويل ومتشعب وصوره نافرة وقوية ما زالت تشكل وجداني في تلك المرحلة من حياتي. لا أتطرق إلى ذكر التفاصيل والإسهاب في الرواية. فأنا مجدداً أؤكد أنني لا أسعى في هذه الورقات التي أحبرها أن أكتب مذكرات أو ذكريات أو سيرة ذاتية. لأن هذا النوع من الكتابة، لا بد أن يكون مفصلاً وفيه إسهاب وإشباع لذكر الوقائع إذا أردت أن أكون صادقاً وصريحاً وكاشفاً لكل ما في وجداني عن تلك الأيام وما بعدها.. وقد أتطرق إلى بعضها من خلال ذكر بعض المحطات في حياتي فما أودّ أن أرويه هنا، ملامح حياتي وتجاربي، خارج المنزل سواء أمام المنزل، بين أهلي وعائلتي أو منزلي الشخصي وأسرتي التي بنيتها بعد ذلك.. وأجد أن هذا المنحى في الرواية، بعكس ما قد يهم الناس، في الحديث عن تجربة إنسان منهم.

منزلنا في حي الطرطوسي، كان وكأنه في نقطة المركز فهو يطل في كافة الاتجاهات، إلى مجموعة من الأزقة والبيوت المتشابكة والمتعانقة والمتداخلة، بحيث تحس وكأنك أمام قفير من النحل يعيش في خروم، ليست من الشمع، بل من الحجر. الحركة فيه دائمة وسريعة وصاخبة.

يبعد منزلنا عن الجامع المنصوري الكبير، مركز المدينة وفيه الحراك العام الدائم والمتنوع، خمسين متراً لا أكثر كانت شبابيك المنزل تطل على الطريق العام الذي يربط الجامع الكبير بجنوب المدينة وفي نهايته مقبرة المدينة الكبرى مروراً بجامع أرغون شاه. وكانت جميع الجنازات التي تخرج من الجامع المنصوري الكبير تمر تحت شرفات منزلنا، ليذهب الموكب إلى المقبرة، وكان من مصادفة الأمور، أن يكون ملعب طفولتي في باب الرمل يطل على المقبرة وطريق الموتى يمر حيث أعيش.. ليوجد ذلك فيّ وعياً عميقاً وإدراكاً للموت مميزاً، وإحساساً بأن الموت شأن عادي وطبيعي وحتمي.

وكان جامع أرغون شاه يبعد عن المنزل حوالي المئة متر، وفي الطريق إليه توجد مدرسة دينية (وهي جامع صغير) على الجهة اليمنى وأخرى على الجهة اليسرى وفيما كانت الأولى تقام فيها الصلاة كانت الأخرى مأوىً لبعض المتصوفة والدراويش.

وكانت الطريق تفصل بين منزلنا ومنزل عائلة من الأغنياء تتعاطى السياسة بالتبعية لأن رجلاً سياسياً تزوج إحدى بنات العائلة.. وكان الشباب منهم موظفين في إدارات المدينة، والفاصل بين شبابيك منزلنا ومنزلهم لا يزيد عن عشرة أمتار. أما الجهة الأخرى من المنزل وكانت تطل على طريق ضيقة وطويلة وكانت غرف سكن البيوت المتلاصقة تقطنها مجموعة من المهاجرين الذين هربوا من كريت، بعد حرب أهلية وقعت هناك، كانت كل نافذة، تعني أنها منزل لعائلة كاملة تعيش فيه مهما كبر عددها، الأب والأم والأولاد في مساحة ضيقة خانقة. تحت هذه المنازل المتلاصقة، إسطبل كبير وعميق للخيل، وكانت أزقة فرعية تطل على الطريق وتتفرع منه، وكل زقاق يحوي عدة منازل في كثافة سكانية شديدة.

مواعيد مع الموت

هل القول، إن عاماً من أعوام الزمن، قد تتجمع فيه أحداث جسام عاتية خطيرة تغير مسار الحياة واحتمالاتها وتحدث انقلاباً لا رجعة عنه؟

لا أدري الجواب، ولكنه الواقع، كان كذلك عام  1958. في هذا العام ضرب الموت معي موعداً يريد أن يقضي علي ويصطادني في شباكه، جثة هامدة تدفن في التراب البارد، لا لسبب، فما كنت أتساءل عن معنى الإسراع في القضاء عليَّ من بداية حياتي.. ولكنه لحسن الحظ، أخلف الميعاد، رغم إنذاره العنيف الذي بلغني به في أحداث ضخمة مرعبة.

كنت إذن على موعد مع الموت مرتين، وفي المرتين خرجت من الأحداث الصعبة والخطيرة، حياً وسليماً في الظاهر، وحزيناً بعمق، لم يصل بي إلى حد التشاؤم، وترسخ الخوف  في نفسيتي ولكن لا شك أنه ترك بصماته السوداء على نفسي، فإذا بي أشعر بالحزن الذي امتد في حياتي إلى سنوات بعيدة.

في أوائل شباط، من ذلك العام، كنا أنا ووالدتي وشقيقتي في زيارة إلى مستشفى المنلا على طريق الميناء، نعود مريضة قريبة لنا، وفي طريق العودة، لم نركب سيارة نقل لتقلنا إلى المنزل وقررنا السير على الأقدام فالجو كان جميلاً.

في طريق عودتنا إلى المنزل كنا نسير على رصيف اليسار في ذات جهة مبنى المستشفى، وما إن وصلنا إلى شارع المصارف إذا بوالدتي تطلب منا الانتقال إلى الرصيف المقابل. لا يوجد لذلك أي سبب، ومن الطبيعي أن ننفذ رغبتها.. وكنت على الرصيف الآخر أسير أنا بجانب الطريق ومن ثم شقيقتي وبعدها والدتي، ولكنها فجأة، قالت لي إمشِ في الداخل وأنا سأسير مكانك، وما أن نفذنا التبادل في الأمكنة، حتى جاءت سيارة مسرعة بصورة مجنونة اجتاحت الرصيف وأولى الضحايا كانت والدتي وولدان قادمان أمامنا. دفعت الصدمة جثمان والدتي أمتاراً عالية وخبطت بها على أرض الرصيف، وحين حملناها إلى المستشفى ما لبثت أن توفيت دون أن تعي ما حدث.

ماذا حدث، هل هي وقائع مرسومة لا أدري المهم هكذا جرت الأمور.. وكانت والدتي البديل عني في طريق الموت الأكيد.

كان الجرح عميق الغور في حياتي ومشكلتي أنني من الناس لا تندمل جروحه بسرعة، لأنني لا أظهر ما في أعماقي من ألم وحتى لا أشكو من أي مشكلة أمر بها، حتى المرض، فأنا مريض أعاني وحيداً ولا أطلب معونة أحد..

شعرت في تلك الأيام، كم أن حياة الإنسان تافهة، وهشة، وأحياناً القول بأن لا أهمية لها بحد ذاتها، وإنما نحن البشر، نصطنع الأفكار والمبادئ والقيم، وأحلام الدنيا والآخرة، فقط من أجل أن نبرر لنفسنا، بل من أجل أن نخدع أنفسنا، لنستطيع الحياة في اللامعنى واللانتيجة والآخرة..

لم أستطع بسهولة أن أسكت عواطفي، بمنطق عقلي، فكانت أقوى وأكثر حدة، ولكنها باردة الظهور، بحيث لا يعرف بها أحد. أول خطوة أخذتها في تلك المرحلة، أنني قررت أن أتحول من دراسة البكالوريا العلمية إلى البكالوريا الأدبية، وهذا الموقف نتيجة شعوري بعدم الرغبة بالدرس، واتكالاً على تفوقي في الأدب العربي، رغم أنه ذو خصوصية غير مضمونة. فصحيح أنني كنت أفضل من كتب موضوع الأدب الذي يكلفنا به الأستاذ وكان المرحوم نشأت مراد، هو أستاذنا والذي كنا نعزه جداً.. كان في أغلب الأحيان، يقرأ الموضوع الذي أكتبه على تلاميذ الصف، لأنني أتميز بطرح أفكار وفهم للنصوص تختلف عن بقية التلاميذ، ولكنه كان يقول لي ولنا في الصف، أن علامته جيدة.. ولكن هذه الطريقة في الكتابة ليست مضمونة في الامتحانات الرسمية، ذلك أن عدداً كبيراً من المعلمين يتمسكون بما جاء في الكتاب من معلومات وتوجيهات وهي في الغالب بعيدة عما أكتب. ولهذا ليس من المضمون حصولي على علامة مرتفعة في الامتحانات الرسمية، وكان على حق وصواب وكنت عاجزاً أن أكون إلا ما أنا عليه، ومما ساعدني على أن أخرج من عزلتي النفسية، هي أنه بوفاة والدتي لم أعد أقيم في الليل عند جدتي وتكفل بها آخرون، وعدت إلى الأجواء العائلية، وإن كانت منقوصة بغياب مَن كانت تملأ البيت بوجودها وعطائها.

ثم كان قيام الوحدة السورية-المصرية وإعلان الجمهورية العربية المتحدة، ثم كان ذلك من مظاهرات تأييد ومعارضة شرسة للرئيس كميل شمعون وخاصة أنه باشر تنفيذ مشروعه السياسي بالتجديد لنفسه خلافاً لأحكام الدستور مدعوماً من قوى أجنبية وعربية. كجزء من الحراك السياسي ضد جمال عبدالناصر والوحدة الجديدة.

وما أن بدأت الأحداث تتطور، حتى أصبحت المدينة في وضع أمني سيئ.. فغالباً ما تتوقف الأعمال الجارية وتكون الإضرابات الطلابية والعمالية وإغلاق المحلات، وبدأت مناوشات ضد السلطة.. ما لبث أن تحولت المدينة إلى شطرين: المدينة القديمة وأبي سمراء كانت بيد المعارضة وفرض الجيش إرادته على المدينة الجديدة.

(…) كانت القوى العسكرية الرسمية قاسية في التعامل مع مناطق المعارضة، فهي لا تتردد في استعمال المدافع والرشاشات الثقيلة، بما لا يتوازى مطلقاً مع سلاح المعارضة وبدون المبرر السياسي لهذه الدرجة من القمع.. خاصة حين يقدم قناصة الجيش، على صيد البشر.

كنت أحد »العصافير« الذي نجح الصياد في إصابته.. وهدد حياته بالموت ولا بد أن الصياد قد فرح في انتصاره، وقد يكون قد ربح الرهان بينه وبين زميله، كان ذلك في عصر أحد الأيام، وأظنه يوم جمعة، وكنت قبل أن أعود إلى منزلي، رغبت أن أمر لأرى زميلي خالد عبده، وكان المكان عند الدرج الذي ينزل من منطقة أبي سمراء إلى منطقة قبر الزيني، ووقفت أشير إلى صديقي من بعيد وكان المكان مكشوفاً بين بناءين لآل المولوي… والأمن والهدوء يسودان المدينة فقد كان اتفاق على وقف إطلاق النار قد جرى بين السلطة ورشيد كرامي. فجأة أطلقت رصاصات من بناية في شارع العجم المتفرع من منطقة ساحة الكورة وكانت البناية التي تقيم فيها جدتي وكان منزلي فيها الليلي لسنوات، وأصبت. الإصابة في الفخذ وأحسست أن الدماء تنزف.. لم أقع على الأرض، بل تماسكت وركضت ولو كنت قد وقعت على الأرض، لما استطاع أحد أن ينقذني ولنزفت حتى الموت، كما جرى بعد أسبوع مع عصام المولوي رئيس دائرة الأوقاف الإسلامية حين كان ينزل إلى بيته، فإذا بالصياد يجرب حظه مجدداً، وكان حظه وفيراً ، فإذا بالمولوي يصاب ويقع على الأرض ولم يتجرأ أحد على إنقاذه خوفاً من الرصاص الذي استمر يتحكم بذلك المكان.. كانت إصابتي بعيدة حوالي خمسة سنتمترات عن الحوض.. خمسة سنتمترات كانت بيني وبين الموت.

صحافة طرابلسية رائدة

كان النشاط الصحفي الجزئي الذي مارسته في آخر الستينات من القرن الماضي، بعد التجربة القصيرة والغنية في آن التي كانت عبر صفحات جريدة الإنشاء في طرابلس، أكسبتني طاقة على الأداء الإعلامي، بالإضافة إلى ممارسة مهنة المحاماة والنشاط السياسي الداعم للمقاومة الفلسطينية، فقد كتبت في الصحف البيروتية ومجلات العاصمة منها في جريدة اليوم ومجلة دراسات عربية ومجلة المستقبل العربي والمقاصد وبيروت.. وهذا ما أكسبني حضوراً جيداً في تلك المجلات. وامتداداً لهذا النشاط الصحفي، كانت المرحلة متقدمة في هذا المجال في طرابلس.

ففي أحد الأيام، سألني الصديق المرحوم فؤاد حكمت أدهمي إذا كنت على استعداد لمساعدة الأستاذ فايز سنكري، في مشروع يراوده بإلحاح وهو إصدار جريدة غير سياسية في طرابلس، تكون صوت المثقفين المستقلين من أبناء المدينة والذين عاشوا تجربة عريقة في العمل في الحقل العام، بحيث نتحول من مراقبين في المجتمع إلى مساهمين في تطوير مجتمعنا وأن يكون لنا صوت فاعل يلاحق قضايا المدينة ويعبر عن همومها..

وبدون تردد، أبديت استعدادي للمشاركة في هذه الخطوة في حال توافرت النية الجدية لتنفيذها وكانت العوامل التي سهلت لي هذا القرار معرفتي الطويلة بالأستاذ فايز سنكري كصديق وكمصرفي يشغل مركز مدير بنك بيبلوس في المدينة، وكنت أحد زبائن المصرف وكثير التردد عليه وباتصالي المباشر بالأستاذ فايز باشرنا بالاجتماعات لتشكيل تصور متكامل ووضع الخطوات التنفيذية للمشروع وقد انضم إلينا الأستاذ فؤاد دعبول، وكان في ذلك الوقت مراسلاً صحفياً لعدة صحف ومجلات في العاصمة، وكان على معرفة بالأستاذ فايز سنكري من خلال المصرف، وبي من خلال تجربة الكتابة في جريدة الإنشاء.

وكانت  الاجتماعات لتحقيق هذه الفكرة تجري في مكتبي.

وهكذا ولدت جريدة صوت البلاد وصدر العدد الأول منها في تموز 1971 وكتبت افتتاحية العدد تحت عنوان »صوتنا« سعيت فيه التعريف بغايات الجريدة ومهمتها في العمل والأفكار والقيم التي تقودنا في عملنا الصحفي. وكذلك كتب الأستاذ فؤاد دعبول مقالاً نشر في الصفحة الأولى، تأكيداً على رؤيتنا وأفكارنا، بل وأحلامنا ونحن نصدر الجريدة في طرابلس، لتكون صوتاً مميزاً وذا رسالة اجتماعية متقدمة.

سريعاً ما تحولت الجريدة بفضل المستوى الجيد الذي كانت عليه أعدادها الأولى، واكتسبت حضوراً بفعل الموضوعات الجريئة والشجاعة التي كنا نطرحها، وتنوع موضوعاتها وبعد حوالي أربعين سنة من إصدارها، أعدت تقليب صفحات أعدادها الأولى فأحسست بأنها ما زالت تحمل من أفكار وهموم وكأنها مطبوعة من سنوات قليلة ليس أكثر.

كانت رخصة الجريدة، كما ذكرت، غير سياسية، وليس من حقها أن تتدخل بالشؤون السياسية، ولما كانت الجريدة في إطارها القانوني، ضيقة على ما تريده من دور وفعل ما لبثنا أن خرجنا عن الحدود المفروضة، بعد أن أعدنا تفسير معنى السياسة والحدود السياسية، ووجدنا أن كل قضايا المجتمع هي اجتماعية وسياسية في ذات الوقت، وأن ما يزعج رجال السياسة وهم الذين لهم المصلحة في تحريك السلطة ضد ما نكتب هو أن لا نذكرهم بسوء أو ننتقدهم ويا حبذا لو نذكرهم بالمديح، فذلك  لا يشكل عندئذ سياسة.

وانطلاقاً من هذا الفهم، حاولنا إلى حد بعيد، تجنب ذكر أسماء السياسيين لا في المديح أو بالذم، بل كنا نركز عملنا على القضايا العامة والمشاكل المطروحة، والضرورات الاجتماعية لمنع الفساد وتفعيل المؤسسات الخ.

سارت الأمور على ما نريد، إلى أن وقعنا في المحظور، حين خضنا معركة الموظفين المصروفين من شركة نفط العراق (الآي بي سي) فقد وجدنا أن ثمة فضيحة ارتكبت في صرف العمال والموظفين في الشركة ذلك أن قرار الصرف لعدد كبير من العمال والموظفين ويُعدّ بالآلاف، يشكل صرفاً تعسفياً وغير مبرر، وكان فيه إجحاف بحقوقهم ويسبب ضرراً اقتصادياً بالغ الخطورة على اقتصاد البلد ومستوى حياتها الاجتماعية لأن هؤلاء العمال والموظفين وبينهم موظفون أجانب عرب وإنجليز بالإضافة إلى العمال والموظفين اللبنانيين الذين ينتمون إلى كافة المناطق اللبنانية، وهم بهذا المستوى يشكلون طاقة استهلاكية وحراك اجتماعي ضروري جداً للمدينة، التي تعاني من التهميش الاقتصادي، والاجتماعي، بداية من القطيعة الاقتصادية مع سوريا، وتهميش مرفأ طرابلس، وأخيراً في الدولة الدائمة لعزل المدينة وتهميش دورها اللبناني سياسياً واقتصادياً.

وكان لا بد، ونحن في هذه المعركة، أن نشير بصورة غير مباشرة إلى أن تواطؤاً جرى بين بعض الزعماء والسلطة والشركة لتسهيل تمرير هذا العمل الخطير بحق المدينة والعمال والموظفين المسرحين من العمل. ولأننا تابعنا هذه القضية لعدة أسابيع أبلغنا صاحب المطبعة التي كنا نطبع الجريدة لديه، أنه لم يعد يستطيع أن يطبع لنا الجريدة منذ ذلك الوقت، لأنه لا يريد أن يصطدم بأصحاب النفوذ.

وهكذا وجدنا أن لا أعداد يمكن أن تصدر ما لم تتأمن مطبعة تقبل طباعة الجريدة، في ظل الظروف التي تولدت من معركة الموظفين.

وقد كان من المصادفة السعيدة، أن صاحب مطبعة متواضعة ذات إمكانيات محدودة، ومركزها في ساحة الكورة، في وضع صحي متأخر، ويرغب في بيعها بسعر معقول فأقدم فايز سنكري على مغامرة شراء المطبعة وكنت مَن كَتَب العقد بين الفريقين وأشرفت على تنفيذه.

وهكذا صدر عدد الجريدة، دون أن يتأخر كثيراً عن موعد صدوره. كان لمحاولة قمع الجريدة، بصورة غير مباشرة، وإن كان يشير إلى ما قد يحدث لاحقاً، خاصة وأن موقفنا القانوني ضعيف ويمكن ملاحقتنا بسهولة، إذا كانت إرادة الملاحقة متوافرة، خاصة وأن الانتخابات النيابية عام 72، أصبحت في الأفق القريب، والحديث فيها وخاصة من موقع غير الحيادي، إن لم أقل تأييد المعارضة، أمر لا يمكن السكوت عنه.

في هذا الظرف بالذات، علم الأستاذ فايز سنكري، أن جريدة التمدن، ورخصتها جريدة سياسة وتصدر في طرابلس لصاحبها الصحافي سليم المجذوب يريد بيع امتيازها، وبادر للتفاوض مع البائع، وكنت مشاركاً في هذا التفاوض بل أنا من وقع عقد الشراء بالوكالة عن الأستاذ فايز في وزارة الإعلام في بيروت، وتم شراء الجريدة، وهكذا أصبحنا أحراراً في القول والعمل.

خاضت التمدن، والتي أكتب بانتظام المقال الافتتاحي فيها، المعركة الانتخابية، منذ اللحظات الأولى لبدئها بعد أن حددت السلطة الرسمية مواعيد إجرائها..

كانت المعركة حتماً ستكون بين الفريقين، الفريق الأول بقيادة الرئيس رشيد كرامي والفريق الثاني بقيادة الدكتور عبدالمجيد الطيب الرافعي، الذي خاض المعارك الانتخابية سابقاً وقد فاز بنتيجة المعركة عام 1960، ولكن السلطة وبعد أن تأخرت في إصدار النتائج عدة أيام، رغم انتهاء فرز أوراق الصناديق الانتخابية. والتي أصبحت معروفة للجميع بأن الدكتور الرافعي هو الفائز، غير أن السلطة الحكومية أعلنت النتائج بأن الدكتور أمين الحافظ، المرشح على قائمة الرئيس كرامي هو الفائز وعلى أصوات قليلة ضد عبدالمجيد الطيب الرافعي.

هذه الواقعة الماثلة في الأذهان والمعروفة من أهل طرابلس جميعاً، جعلت المعركة الانتخابية الجديدة، حامية ومنذ اللحظات الأولى.

وكان لا بد للجريدة أن تحدد موقفاً واضحاً من المعركة وقد اختارت أن تكون عادلة في عرض المواقف كافة، وأن تنحاز إلى الدكتور الرافعي، فالمعركة ليست معركة حزبية، وإن كان المرشح مسؤولاً عن حزب البعث في طرابلس بل كانت معركة بين التقدميين وبين المحافظين أهل السلطة والهيمنة على المدينة. ولقد سعت أن تتألف قائمة إنتخابية من اليسار في طرابلس.

طُبع كتاب «قصة تروى – محطات في حياتي»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»

والتصميم قامت به شركة Impress

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.