طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

القصة الكاملة لـ «دولة المطلوبـين» في طرابلس سنة 1974 (5)

الصورة في الأعلى: أحمد القدور متوسطاً ألبير الحلو (الى اليمين) وفيصل الأطرش
… إنها طرابلس وعلاقتها الملتبسة بـ «الدولة»، منذ نشوء الجمهورية اللبنانية، عندما صار العصيان جزءاً من هويتها، وصارت المدينة بدورها صندوق بريد سياسياً أو أمنياً يستخدمه من يستغلون مشاعر الرفض والغضب الممزوجة بالقهر والحرمان، لتنبت كل بضع من السنوات في أسواقها الداخلية ومناطقها الشعبية «دولة مطلوبين» من هنا و«دولة مطلوبين» من هناك. وما أشبه ما حدث في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بما حدث في السنوات الثلاث الماضية في هذه المدينة.
في الاعداد الاربعة الماضية نشرت «التمدن»، اربع حلقات عن قصة «دولة المطلوبين» («دولة القدور»)، مستندةً الى ملف كامل نشرته «التمدن» في عدد خاص في شباط 1975، علماً أن «دولة المطلوبين» كان قد أطلقها أحمد القدور بعد اتهامه بقتل الطالب محمد خالد بحوش في 18/3/1974، الى أن قضت الدولة اللبنانية على هذه «الظاهرة» في 5/1/1975.
في الاعداد االسابقة نشرنا مشهدية دخول «الدولة» الى الأسواق، ومن هم «المطلوبون»، وما أبرز الأحداث التي حصلت خلال «حكم» «دولة القدور» الذي امتد لأكثر من تسعة أشهر، وماذا جرى في المدينة القديمة، وماذا كان على الدولة أن تفعل كي لا تتجدد «دولة المطلوبين»، ومسؤولية السلطة الحكومية بكافة إداراتها وأجهزة الأمن فيها، اضافة الى مسؤولية الشعب الطرابلسي، من جهة، والمطلوبين من جهة أخرى؟
في حلقة هذا الاسبوع ننشر تفاصيل زيارة رئيس الحكومة، وقتها، رشيد الصلح لطرابلس في 12/11/1974، بعد 12 يوماً من تشكيله لحكومته (31/10/1974) وقبل حوالي السبعة أسابيع من قيام الدولة بمهاجمة «دولة المطلوبين» (5/1/1975)، وننشر أيضاً تفاصيل ما جرى في الاجتماع الذي عُقد في دار بلدية طرابلس بحضور النائب، وقتها، عبدالمجيد الرافعي وممثلين عن الأحزاب التقدمية والهيئات الاقتصادية ورئيس البلدية، وقتها، محمد مسقاوي، وقد حصل هذا الاجتماع في 13/11/1974 بعد يوم واحد من زيارة الصلح وبطلب منه، وننشر أيضاً ما قاله النائب، وقتها، الدكتور عبدالمجيد الرافعي عن هذه الظاهرة، في شباط 1975 بعد حوالي الشهر من سقوط القدور ومجموعته.

الصلح: أعطاني الرئيس «كارت بلانش» لحل القضية

في 12 تشرين الثاني 1974، قبل حوالي السبعة أسابيع من قيام الدولة بمهاجمة «دولة المطلوبين» تمهيداً لإسقاطها، قام رئيس الحكومة وقتها رشيد الصلح بزيارة طرابلس، حيث عقد اجتماعات تناولت الوضع في المدينة، وكيفية حلّ قضية المطلوبين.
وفور وصوله في الثامنة والنصف صباحاً يرافقه نائب رئيس الأركان في الجيش العميد موسى كنعان، والمفتش في مديرية قوى الأمن الداخلي العقيد حنا أبو شقرا ومستشاره الخاص لشؤون الأمن الزعيم المتقاعد نور الدين الرفاعي وقائد الدرك بالوكالة العقيد سليم درويش، اعتلى الصلح كرسي محافظ الشمال ورفع سماعة الهاتف قائلاً: ألو انطوان (الريس المدير العام للطرق والمباني) أنا رشيد الصلح… هالطريق يلي فتحتوها على مستديرة الدورة فيها حفر وجور وعم يتعرقل السير هونيك. خلوهم يشتغلوا بالليل، عجل بشقها الله يرضى عليك.
ثم أخذ الصلح يستمع إلى أكثر من شخص ومسؤول وضابط. واستدار إلى محافظ الشمال وقال: شو قصة المياه في طرابلس؟ شو قصة المرفأ والمعرض والأوتوستراد والأمن؟ ومن شو عم يشكو الناس؟
المحافظ: عندنا مشكلة بقايا معاصر الزيتون، رواسبها تختلط بمياه الشفة وهيدي قصة دبرناها بأن ألزمنا اصحاب المعاصر بإنشاء حفر، واستأجرنا سيترن حتى يعوض النقص في المياه الناتج عن موسم الشح.
وسأل الصلح المحافظ العماد: هل توقفت سيمفونية الرصاص عندكم كل ليلة؟
فرد المحافظ بالإيجاب وقال: صرنا متعودين عالنغمة.. بس هلق خفت.
وحينما انتهى الصلح من كلامه، وصل المدير العام لقوى الأمن الداخلي هشام الشعار، ثم قائد موقع الشمال العسكري العقيد سيمون سعيد، والنائب العام الاستئنافي هاني المولى. وإذ ذاك التأم مجلس امن الشمال الاستثنائي الذي ترأسه الصلح لبحث موضوع الأمن في طرابلس وعكار، بحضور المحافظ العماد وأعضاء مجلس الأمن الفرعي.
واستمر الاجتماع ساعة تقريباً، أطلع الصلح خلالها على عوامل وأسباب اختلال حبل الأمن في المدينة وقضاء عكار، وتركز البحث بصورة خاصة في موضوع المطلوبين. وأشار رئيس الحكومة إلى ان قضية المطلوبين ليست كما فهمها من الزعماء الذين اتصلوا به أثناء الاشتباكات، وقال ان هؤلاء وعدوه بتسليم المطلوبين خلال اسبوع، بعدما أبدى تساهله بموضوع الحق العام، ولكن يبدو أن هذا الكلام لم يكن جدياً. ثم أعطى الصلح أوامره لقادة الأمن بضرورة التشدد في تطبيق القانون، ومعالجة الأوضاع بمزيج من الحكمة والتشدد.
وفي العاشرة حضر النواب هاشم الحسيني وموريس فاضل ومرشد الصمد. وبعد ربع ساعة وصل الدكتور عبدالمجيد الرافعي ثم الدكتور أمين الحافظ. ثم حضر رئيس غرفة التجارة والصناعة نجيب المنلا ورئيس جمعية التجار السيد جمال قرحاني، فممثلو الأحزاب والقوى التقدمية في الشمال: توفيق سلطان (الحزب التقدمي الاشتراكي)، عبدالله الشهال (منظمة حزب البعث)، أحمد المير الايوبي (الحزب الشيوعي) عبداللطيف القصير (حزب الشباب الوطني). وكذلك حضر: ممتاز وفواز وراشد المقدم والسيد علي عيد. وفي هذه الأثناء طُلب الرئيس الصلح إلى الهاتف وأصغى قليلاً ثم قال: أعطيت التعليمات لقائد الشرطة بتنفيذ الأوامر… باعت نورالدين ومدير قوى الأمن للإشراف على التنفيذ خلوا عيونكم مفتوحة. ثم أغلق الباب على الرئيس الصلح ونواب طرابلس وممثلي الأحزاب والهيئات السياسية والاقتصادية.
استغرق الاجتماع قرابة الساعتين، وفهم انه حفل بالمواضيع التي أثارتها الهيئات الطرابلسية حول وضع الأمن والأوضاع الاقتصادية السيئة وحرمان طرابلس ومشاريعها المتوقفة، وقالوا ان الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدهور هو المسؤول عن وضع الأمن.
فرد الصلح بأن الأمر يهمه جداً وان الوصول إلى حل معقول لوضع الأمن في طرابلس مسألة في منتهى الأهمية بالنسبة إليه وإلى حكومته. وأبدى استعداداً للتجاوب مع كل مطلب وحل معقول. وطلب من الموجودين الاجتماع في اليوم التالي في دار البلدية للبحث عن مخرج عملي لأزمة الأمن، وتأليف لجنة منهم مهمتها جمع التبرعات لتعويض ذوي الضحايا وتسوية اوضاع المطلوبين عن طريق الحصول على إسقاطات حقوق من المدعين. ونوقشت أمور أخرى منها الغلاء وسعر السكر والرز وموضوع السير في طرابلس، والمرفأ والمعرض والاوتوستراد. 
خلال الاجتماع قال رئيس الحكومة السابق الدكتور أمين الحافظ ان مشكلة طرابلس تتلخص في سياسة التسويف والمماطلة والتردد التي تتبعها الدولة تجاه قضايا المدينة. فكانت النتيجة ان تراكمت المشاكل كلها. لكن هناك نوعين من الحلول يمكن البدء بها: حلول عامة تشمل كل لبنان بما فيه طرابلس وهي تقتضي تطبيق الأحكام التي تصدر عن المحاكم خصوصاً تنفيذ أحكام الإعدام ومنع التدخلات السياسية من أي جهة أتت في القضاء والإدارة، أما الناحية التي تهم طرابلس بالذات، فيقتضي ان تقوم السلطة ببعض الإجراءات ذات المفعول النفساني الذي يحقق الانفراج. وكان بعض الحاضرين قد ذكر موضوع مواقف السيارات في ساحة التل، كذلك المضي في مشاريع طرابلس وفتح مدارس في الأحياء التي لا توجد فيها مدارس رسمية مثل حي التبانة الشعبي الكبير ومباشرة تطوير مرفا طرابلس لأنه أساس كل نشاط اقتصادي.
ثم تحدث الدكتور عبدالمجيد الرافعي فقال ان زيارة الرئيس الصلح لطرابلس هي أول خطوة على طريق تفهم الوضع في المدينة للانتقال إلى الحلول العملية. وقد أكدنا للرئيس الصلح ان طرابلس تشكو من التفاوت الطبقي الاقتاصدي الاجتماعي ومن الواقع الصحي والثقافي والتعليمي وتفشي البطالة وعدم الاهتمام بمشاريعها الحيوية. وفي صدد المطلوبين اتفق الرأي على تفهم وضعهم النفسي وحل قضيتهم في الاجتماع الذي سيعقد غداً في دار البلدية لتسوية وضعهم.
وآمل ألا تكون الزيارة للاستهلاك الاعلامي فقط، وان تتبعها خطوات عملية لاتخاذ اجراءات عاجلة ومباشرة تنفيذ الحلول فوراً،.
وبعد ذلك تحدث أركان الأحزاب التقدمية الثلاثة، فلخصوا أسباب المشاكل الطرابلسية بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية. وطالبوا بضرورة إجراء عملية فرز للمطلوبين، فهناك المطلوبون الوطنيون الذين حملوا السلاح دفاعا عن المقاومة ومقاومة الاتجاه الانعزالي في حوادث نيسان وتشرين وكانون. كما ان هناك مطلوبين بقضايا شخصية.
وقال ممثلو الأحزاب ان كل كلام السلطة هو غير موثوق. لقد سبق لرئيس الحكومة السابق السيد تقي الدين الصلح ان وعد بالافراج عن رفاق حركة 24 تشرين الديمقراطية الاشتراكية بعد اعتقالهم من كانون الماضي. ولكن لم ينفذ الوعد.
واقترح ممثلو الأحزاب بإطلاق سراح رفاق فاروق المقدم والعفو عن كل المطلوبين الوطنيين لأن التهم الموجهة إليهم سياسية.
أما بصدد قضية المطلوبين المعتصمين في الأسواق فقد اقترح سلطان والشهال والمير تشكيل لجنة أهلية تتولى درس قضاياهم قانونياً، وتؤمن الأعباء المالية اللازمة لدفع بدلات اسقاطات الحقوق الشخصية.
وقد رد رئيس الحكومة مثنياً على الاقتراح، وقال انه بحث وضع المطلوبين مع الرئيس فرنجية فأعطاه «كارت بلانش» لايجاد الوسيلة اللازمة.
أما ممتاز وفواز وراشد المقدم فقد تجاوبوا مع الاقتراح وركزوا على ضرورة معالجة وضع الأمن بروح المساواة والعدل وتعزيز الثقة المفقودة بين الدولة والمواطن، وناشدوا الرئيس الصلح الالتفاف إلى الوضع الاقتصادي والحرمان اللاحق بالمدينة وإنهاء الأعمال في المعرض وتطوير المرفأ.
وقال علي عيد انه عرض للرئيس الصلح المطالب التي سبق أن عرضها حول حرمان الطائفة العلوية من حقوق التوظيف، فطلب منه الصلح أخذ موعد للبحث في هذه الأمور واعداً بالاتصال بالرئيس الأسعد لدرس المشروع المقدم إلى المجلس النيابي في شأن تنظيم الأحوال الشخصية للطائفة العلوية.
وكان رئيس بلدية طرابلس السيد محمد مسقاوي والسيد عشير الداية قد حضرا الاجتماع بمنتصفه.
وانتهى الاجتماع في الثانية عشرة والنصف، وأدلى الرئيس الصلح على أثره بتصريح جاء فيه: «أحمد الله ان حالة التوتر في مدينة طرابلس قد زالت وان الأمور عادت إلى سابق عهدها والأعمال التجارية تسير كالمعتاد وان المسلحين لم يعودوا في الشوارع وقد أزيلت المتاريس. ومن جهة أخرى اجتمعت بنواب طرابلس وممثلي الأحزاب والسياسيين ورئيس غرفة التجارة وجمعية التجار وتذاكرت معهم طويلاً في الأسباب القريبة والبعيدة للأحداث التي مرت وقد تكونت في ذهني صورة واضحة للمشكلات وللحلول الكفيلة بمعالجتها. وقد اتصلت بوزير الاقتصاد ودعوته إلى اجتماع عاجل بالفعاليات الاقتصادية في طرابلس والشمال لسماع المطالب والشكاوى والعمل على إزالتها ما أمكن، كذلك اتصلت بوزير الموارد الذي كان يعقد اجتماعاً للبحث في تطوير مرفأي بيروت وطرابلس كي يوافيني يوم الجمعة المقبل إلى منزلي لدرس الموضوع وتقديم المقترحات في شأن تطوير مرفا طرابلس.». 
وفي الأولى والنصف غادر الصلح طرابلس عائداً إلى بيروت من دون ان يتابع جولته المقررة لزيارة المرفأ والمعرض. 

الرافعي: قصتي مع القدور

ننشر في ما يلي ما قاله النائب، وقتها، الدكتور عبدالمجيد الرافعي في شباط 1975، عن ظاهرة «دولة المطلوبين»، بعد حوالي الشهر من سقوط القدور ومجموعته. قال الرافعي:
«في هذه القضية، أنا في موقع الهجوم لا الدفاع، لأنني أعتبر نفسي من أكثر الأشخاص الذين تابعوا راحة المواطن في هذه المدينة. وقد كان منطلقي طرابلس وامنها والحرص على التحرك الشعبي والوطني فيها، وهي التي عُرفت بمواقفها الوطنية والقومية. فكنت أراجع المسؤولين، منذ بروز هذه الظاهرة. وكانوا يقولون سوف نحلها. ولم أكن أعرف لا قطب المطلوبين أحمد القدور ولا أياً من المطلوبين، حتى بالوجه.
وبقيت كذلك عدة شهور منذ بروز هذه الظاهرة. ولكن المواطنين من مختلف المستويات، وخاصة التجار في الأحياء الداخلية وسكان هذه الأحياء، أخذوا يلحون علي كممثل لهذه المدينة، لايجاد حل. ففي كل مناسبة اجتماعية أو سياسية كان يطلب مني بإلحاح هذه المطلب الحيوي.
ولقد رأيت تقاعس الحكومة من جهة، ومن جهة أخرى سمعت، بأن فخامة رئيس الجمهورية، قال لوفد نقابة المحامين الذي زاره وبحث معه قضية المطلوبين: «لا أستطيع كرئيس للجمهورية ولا أريد، أن يُسجَّل في ايامي كرئيس جمهورية، أنني دخلت طرابلس عنوة، وذهب أبرياء من أهاليها في أيامي»، بالإضافة إلى ان المطلوبين كانوا قد تغلغلوا بين السكان وتعايشوا معهم، وأصبح بينهم الكثيرون ممن يحملون السلاح وهم من غير المطلوبين واحتلوا أحد المساجد وعاشوا فيه. فتشاورت مع ذوي الرأي، حول ما يجب فعله وابتدأ التفكير الجدي في هذه القضية.
في أواخر تشرين الأول 1974 على ما أذكر أجريت اتصالاً بأحد المتعاطفين معهم في الأسواق الداخلية. وقلت له: أنت ابن هذه المدينة والحالة لا تطاق، ومدينتنا المنكوبة دائماً من قبل الحكومات اليوم نكبت من غير الحكومات، يجب ان نعمل شيئاً ما. ثم وعدني بالتشاور وعرّفني على القدور وتعرفت على أكثر من واحد من تلك المجموعة التي بدأت ترسل لي في بعض الأحيان بعض الجرحى، إلى هنا من هذه المنطقة التي لم تكن تصلها السلطة، ومن بين هؤلاء فيصل البيروتي الذي جيء به حوالي الساعة 5 صباحاً وكان مقوصاً ومجروحاً».
أضاف الرافعي: « مساء يوم 5 تشرين الذي قُتل فيه المرحومان خضورة زبيدي ومعن برغشون، أتاني الوسيط وقال: كما قلت يا حكيم.. القضية لا تطاق والناس تتذمر واليوم قتل اثنان من هذا البلد وجرح آخران وأحدهما في حالة الخطر، وأنا معك، يجب ان نجد علاجاً. سألته: هل من الممكن أن يسلم المطلوبون أنفسهم ونجد حلاً سلمياً؟ أجاب: الأكثرية من الممكن أن تسلم.. أما المطلوبون الكبار وعددهم 4 إلى 9 فلا يمكن ان يسلموا في الأوضاع الراهنة. فسألت: ماذا نفعل.. هل يمكن إخراجهم من هذا الجو ريثما يتأكدون ان الدولة لا تريد بهم شراً أو حالة قصوى من الانتقام…لنراجع المسؤولين الكبار. ووعدته أن اذهب إلى رئيس الوزراء.
الصغار يستسلمون … والكبار يرحلون إلى الخارج
بالفعل، ذهبت في 7 تشرين ثاني 1974 إلى بيروت، وعندما وصلت اتصلت هاتفياً بطرابلس، فأخبرني عامر بارودي ان الحالة «ولعانة» في المدينة وان المطلوبين مشتبكون مع السلطة… فاتصلت برئيس الوزراء وقلت له: اريد أن أراك لأمر هام. وحاول الاعتذار لضيق الوقت ولوجود زوار عنده. فقلت له: يجب ان أراك، فاستقبلني وبقي معي ثلاثة أرباع الساعة مع أحد رفاقي في قيادة حزب البعث.ثم حللنا وضع المطلوبين سوياً.
قال رئيس الوزراء: ماذا ترى؟ قلت له: الحل العنيف أراه معقداً.. فاقترحت حلاً يقضي بتسليم المطلوبين الصغار على ان تُسقط الحقوق الشخصية عنهم بواسطة أموال تجمع من التجار. أما الكبار فيتم ترحيلهم إلى خارج طرابلس أو خارج البلاد بمعرفة السلطة، وطرحت مكانين الهرمل وخارج لبنان. فقال رئيس الوزراء ان هذا حلاً معقولاً والأمور محتدمة اليوم وتستطيع ان تعتبر أني أوافق مبدئياً على هذا الحل وسأتصل بك. وبالفعل اتصل في اليوم التالي في 8 ت2 الساعة 30:9 وقال لي: ما تكلمنا به بالأمس امضِ به وتوكل على الله.
الى العراق 
وبعد ذلك بأيام، ذهبت إلى العراق وعرضت على رفاقنا هذه القضية وشرحت لهم الخطورة التي تتعرض لها طرابلس واقتصادها والقضية الوطنية التي تمثلها. وبعد نقاش وبعض التحفظات، تم الاتفاق على أن هذه القضية يجب حلها: فإذا كنتم تريدون إرسالهم إلى تركيا أو اسبانيا أو البرازيل فمرحبا.. ، وإذا تعذر ذلك فإلى العراق.
الصلح يماطل
ثم عدت إلى بيروت وأبلغت رئيس الحكومة بذلك. وكانت تدور آنذاك جلسات مناقشة البيان الوزراي. فقال لي : اتركها كم يوم حتى الثقة. وأثناء جلسة الثقة قال: اتركني لبعد الثقة.. وبعد الثقة، اتركني إلى جلسة مجلس الوزراء حتى أعطى الصلاحيات. ثم قال: إلى ما بعد العيد.
والحقيقة ان الضغط الشعبي كان يزداد علي، وكان المطلوبون قد ارتكبوا بعض الأعمال التي سببت تشنجاً بينهم وبين الحكومة. وقابلت رئيس الحكومة بعد الأعياد فقال لي: مرّ علي في الساعة التاسعة من صباح الغد. وذهبت إليه فقال: الحل الذي ارتأيناه لا أستيطع التأكد أن المطلوبين سينفذونه وأرى ان تترك هذه القضية.
فلم أراجعه بعد ذلك، وجرى ما جرى في 5/1/1975 وتعرفون البقية».
فجرت عليهم كأنهم أطفال
تابع الرافعي: « البعض يقول انني تساهلت مع المطلوبين، وانا أقول، عندما هاجموا مدرسة الغزالي، أظن ان الذين سمعوني عاتبوني.. فلقد «فجرت» عليهم وكأني امام اطفال عملوا شيئاً لا يعمل.
ولقد جاءني المطلوبون يوم 7 ت2، بعدما أتيت من بيروت بعد مقابلة رئيس الوزراء. و كان قد قيل لي عندما عدت إلى طرابلس ان المطلوبين هيئتهم عينهم «محمرة».. فقلت أهلاً وسهلاً.. ولكن اجمعوا الشباب كاحتياط.
وبعد قليل جاءت طليعة من حاملي السلاح وقالوا لي: يا حكيم الحالة لا تطاق ساعدنا. قلت: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد خرطوشاً وإذا أمكن سلاحاً. قلت: لماذا تريدون الخرطوش. قالوا: لأن المدينة بحالة خطر. قلت لهم: لا، بعض المطلوبين بخطر، وأرجو ان تهدأوا. كما قلت لهم أنني منذ قليل كنت مع رئيس الوزراء لبحث قضيتهم وطلبت حلاً عادلاً.
ولما لم يلبَّ طلبهم انصرفوا مستائين و«منرفزين».. فكثفت عدد الشباب وتهيأوا في البيت.
وبعد قليل، رأيت الشباب يتهامسون: «اجا القدور.. اجا القدور»، ومعه 17 شخصاً بسلاحهم. فصعدت إلى الطبقة الثانية من المنزل، وطلبت ان يصعد معي ثلاثة أو أربعة أشخاص، ودخل المنزل وكل قسمة من قسمات وجهه تنضح بالغضب.
دخل هو وثلاثة أو اربعة وأعاد نفس الطلب. فرفضت مجدداً وقلت: إذا كان مفهومكم للمساعدة فقط الخرطوش. فإنني أرفض. وإذا كنتم تريدون المساعدة الفعلية أي الحل. فقد كنت اليوم مع رئيس الوزراء واتفقنا على حل. فقال القدور: «هيئتك مش رح تساعدنا وما بدك تعطينا.. نحن حنطلب من غيرك».

الأحزاب والهيئات الاقتصادية توافق على مقترحات الرافعي

عقد في 13/11/1974 في دار بلدية طرابلس اجتماع لمتابعة البحث في أوضاع الأمن المتردية، وقضايا المطلوبين، وذلك بناء على الاتفاق السابق الذي تم بين النواب والأحزاب التقدمية والهيئات الاقتصادية في الشمال وبين رئيس مجلس الوزراء أثناء زيارته لطرابلس في اليم السابق،، وكان الرئيس رشيد الصلح قد أعرب عن رغبته في وضع حد لما يسمى «قضية المطلوبين».
وحضر الاجتماع: نائب طرابلس الدكتور عبدالمجيد الرافعي، وممثلون عن الأحزاب التقدمية، ورئيس بلدية طرابلس محمد مسقاوي، ورئيس جمعية التجار جمال قرحاني وراشد المقدم، وعدد من مراسلي ومندوبي الصحف اللبنانية. وتغيب عن الاجتماع النواب أمين الحافظ وهاشم الحسيني وموريس فاضل.
في مستهل الاجتماع أكد النائب الرافعي على «ضرورة الخروج من الوضع المتازم الذي تعيشه طرابلس على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، وقال ان أساس المشكلة يكمن في التفاوت الطبقي والاقتصادي والنفسي. ولا يمكن النظر إلى المشكلة الحالية القائمة إلاّ من خلال علاقتها بالوضع السياسي العام للنظام السائد في لبنان وبوضع مدينة طرابلس وعلى عدة مستويات».
وطلب الرافعي من المجتمعين «وضع جدول عمل بأولوية المشاكل المراد بحثها سواء العاجل منها الذي يمكن حله بصورة مباشرة، أو ما يستتبع دراسة وتخطيطاً واعتمادات، واضعين بعين الاعتبار بحث كيفية حل قضية المطلوبين وتشكيل لجنة لتأمين سحب الدعاوى والحقوق الشخصية بحق المطلوبين، وامكانية جمع المال اللازم لانهاء الاشكالات الشخصية ودفع تعويضات للذين تضرروا بالأرواح أو بالممتلكات…
… وانتقل المجتمعون إلى استعراض كافة الموضوعات المتعلقة بوضع المدينة المتدهور وقضايا المطلوبين التي هي على نوعين:
– المطلوبون بقضايا سياسية متعلقة بأحداث نيسان وتشرين 69 وكانون الأول 1973.
– المطلوبون للعدالة بقضايا شخصية.
واستقر الرأي على ضرورة حل كافة هذه القضايا وعدم تجزئتها.
مقترحات الرافعي
وبعد مناقشة كافة الآراء المطروحة، تقدم الرافعي بالاقتراحات التالية التي وافق عليها المجتمعون بعد مناقشتها:
يقر المجتمعون في دار بلدية طرابلس، بحضور رئيس البلدية بتاريخ 13/11/1974 ما يلي:
1- الطلب من السلطة ممثلة برئيس الوزراء حل القضايا السياسية، خاصة المتعلقة منها بأحداث نيسان وتشرين 69 وكانون أول 1973 وما نتج عنها وذلك بإصدار عفو عام عن المشتركين بها، محكومين كانوا أو موقوفين أو مطاردين لأنها مرتبطة بقضايا سياسية واجتماعية وقومية تعاني منها طرابلس.
2- الطلب من السلطة، معالجة قضية المطلوبين للعدالة بقضايا شخصية بروح متفهمة للوضع النفسي والاقتصادي والاجتماعي، نظراً لانعكاسها على الوضع الأمني في المدينة.
3- تشكيل لجنة مالية تأخذ على عاتقها تأمين التنسيق مع الدولة، لدفع التعويضات على المتضررين الأبرياء، حتى تاريخ الجمعة 8/11/1974 مساء.
عند الرئيس الصلح
وفي نهاية الاجتماع كُلِّف رئيس بلدية طرابلس الاتصال برئيس الحكومة ووزير الداخلية رشيد الصلح وتقديم المقترحات له ومطالبته بالعمل على تنفيذها وتم تحديد اليوم التالي الساعة التاسعة صباحاً موعداً للقاء به في منزله ببيروت.

أبرز المطلوبين

– وليد محمد محيي الدين
– ألبير خوري الملقب بالحلو 
– يوسف خليل مرعي
– فاروق علي عبده
– محمد علي الدريعي
– زياد محمد رعد
– عدنان زكي عثمان
– أحمد خالد المحمد (القدور) 
– فؤاد حسني رحال
– وفاء محمد العتر
– سالم عثمان حمزه
– عثمان محمد عمر نصر
– عبدالغني خضر كمون
– رشاد عبود عبود
– عبدالحميد أحمد العمر
– محمود محمد أحمد المرعي
– جوزف بطرس نكد
– ناجح خضر الحلاب
– محمد أحمد نصرالدين
– أحمد علي قلمون
– مظهر حمود الشامي
– عبداللطيف الحصني
– محمد محمد دهون
– عبدالهادي فراس شرف الدين
– فيصل حمدي الأطرش
– جمال عبدالكريم مرعي
– ابراهيم عبدو البس
– علي الطرشا.
Loading...