طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة (1)

منظر عام لمنطقة التل، المكتبة السورية، جوزيف زبليط (1920)
دراسة أعدّها الباحث والصحافي الراحل طلال منجد
في العام 1988 أنجز الإعلامي الراحل طلال منجد دراسته «مجتمع النهر في طرابلس» التي خولته نيل شهادة الجدارة في العلوم الاجتماعية. وفي العام 1990 أنجز بحثاً بعنوان «ساحة التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة»، ما خوّله نيل شهادة دبلوم الدراسات المعمقة في العلوم الاجتماعية من الجامعة اللبنانية.
«التمدن»، التي كان الراحل أحد أفراد أسرتها، والتي سبق أن نشرت على حلقات دراسة «مجتمع النهر»، تنشر إبتداءً من هذا العدد، وعلى حلقات أيضاً، دراسة «ساحة التل» القيّمة جداً، والتي تعتبر أهم دراسة اجتماعية وعمرانية وتاريخية، والى حد ما سياسية، تناولت وسط مدينة طرابلس.
وفي المقدمة التي كتبها الراحل منجد لبحثه قال إن «هذا البحث يتناول سياق نشوء ساحة التل في مدينة طرابلس وتكويناتها العمرانية والاجتماعية، سواء كمحلة جديدة نشأت خارج بوابات الداخل المركزي في أواخر العهد العثماني أم كساحة مركزية ابتداء من العهد الانتدابي. والتقسيم التاريخي هنا – ما بين عهدين عثماني وانتدابي – يندرج تحت مفهوم دراسة الزمان والمكان الاجتماعيين، حيث شكلت نتائج الحرب العالمية الأولى حداً فاصلاً بينهما مثلما مهدت لانتقال سريع ما بين المستويين. وإذ يلتزم البحث بحدوده الاجتماعية والثقافية فإنه يستعين ضمناً – وفيما لزم – بالبعد السياسي الذي يوضح ويضيء ويكشف دينامية كل مستوى. ويتوقف البحث زمنياً عند مطلع الحرب العالمية الثانية بوصفها قد مهدت لما عرف بالاستقلال أو انسحاب الوجود الاجنبي المباشر».
مع نشر هذه الدراسة نتذكر طلال منجد، الذي كان غارقاً حتى النخاع في حب مدينته، والذي كرّس كل عمره وجهده وتعبه وقلقه وإبداعه وألمعيته في سبيل الإضاءة على هذه المدينة العريقة، في مواجهة كل الاساءات التي طالتها.


رحاب المدينة


عرفت المدن الاسلامية المبكرة كالبصرة والكوفة والفسطاط مساحات خالية من البناء كان يطلق عليها «الرحاب» واستخدمت في أغراض مختلفة كمرابط الخيل أو قبور الموتى.
وعندما تطور نظام تحصين المدن الاسلامية وجرى تسويرها أو إنشاء بوابات لها، اعتبرت هذه الرحاب خارج أبواب أو سور المدينة وتوسعت وظيفتها «فاشتملت على ميادين لاستعراض الجند والألعاب المختلفة من سباقات وغيرها أو المصلى الذي يجتمع فيه المصلون لصلاة العيد». وينبغي التمييز ما بين هذه الرحاب التي اعتبرت في «ظاهر» المدينة أو خارجها وما بين الباحات التي أنشئت في «باطن» المدينة أو داخلها.
فالباحة الداخلية هي نقطة إلتقاء مجموعة من الشوارع أو الأزقة أو الدروب فكانت تيسِّر المرور لاتساع مقاييسها قليلاً عن بقية الشوارع، ومن أمثلة ذلك في طرابلس باحة بركة الملاحة التي توسطت مفترق خمس طرق وباتجاهات مختلفة: البازركان، الشهداء، سوق حراج، التربيعة والسوسية.
ان مقياس هذه الباحة الداخلية مرتبط نسبياً بمقاييس الدروب المحيطة بها وليس بمقياس المدينة ككل، إذ لم تعرف المدينة الإسلامية في العصر الوسيط – ومنها مدينة طرابلس – ميداناً عاماً في وسط المدينة كالميدان الذي يوجد بمواجهة الكنيسة في المدن الأوروبية في تلك الحقبة، بل كان المسجد الجامع هو الذي يتوسط المدينة وطرقاتها وشوارعها.
أما مدينة طرابلس التي أعيد أنشاؤها عام 1289م فقد عرفت الرحاب الواقعة خارج بوابات المدينة ومنها مقبرة باب الرمل الحالية وإلى الغرب منها وبجوارها جامع طينال الذي اعتُبر في ظاهر المدينة.
وتشير المصادر التاريخية إلى انه قد اتبع في مدينة طرابلس التقليد المملوكي بدعوة الأمراء ونائب السلطنة «.. للعب الكرة في ميدان طرابلس المحروسة على جاري العادة».
وبيان ذلك، ما جاء في مكاتبة السلطان المملوكي الناصر حسن الى نائب طرابلس «اننا لم نزل بحمد الله نتبع سنن سلفنا الشريف ونجري الأمور على عوائد جميلهم المنيف، ونرى تمرين الأولياء على ممارسة الحروب، ونؤثر إبقاء آثار الجهاد فيهم على أحسن أسلوب..».
هذا التقليد المملوكي الاستعراضي في لعب الكرة والتمرين وركوب الخيل ظل يمارس بشكل واضح حتى الربع الأول من القرن العشرين في ساحة التل بطرابلس، وعرف التقليد باسم لعبة قذف الجريد وكان يشترك فيها جمع غفير من الفرسان على ظهور الخيل ويتوجه لمشاهدتها جمهور المدينة، مما يعني ان فسحة التل قد عرفت منذ زمن بعيد كميدان المدينة المخصص لهذه اللعبة المملوكية الأصل.

تل الرمل: من استعراض الجند إلى حروبهم

 

ان تعبير «التل» الذي يعني لغوياً ما هو مرتفع عن سطح الأرض لم يعرف كإحدى محلات طرابلس بل اعتبر من ظاهر المدينة. وهو يقع كحيز جغرافي في المنطقة الرملية التي تبعد غرباً حوالي مائتي متر عن بوابة الرمل وهي ظلت تعرف حتى القرن السابع عشر ببوابة «الغنشاه».
أما الرمل الذي كان يغطي تلك المنطقة فقد لاحظ امتداده واتساعه في ذلك القرن أكثر من رحالة، مثل العطيفي الذي قال في كتابه «رحلتان الى لبنان»: «ان خارج المدينة رمل أحمر مفروش مد البصر يقال انه كان بعيداً عن المدينة والآن قد صار قريباً. ويقولون انه يكون سبباً لخراب هذه المدينة والله أعلم». أما الرحالة الثاني فهو الانجليزي هنري موندريل، وكان قد زار طرابلس في نهاية القرن السابع عشر عام 1697، ولاحظ الرمل الذي كان يزحف على المدينة. والواقع انه في الجهة الجنوبية الغربية للمدينة منطقة تدعى اليوم بسقي الرمول محاذية لشاطىء البحر، وإلى اليوم ما تزال الرياح التي تهب من تلك الناحية ولفترات طويلة في السنة تأتي مشبعة بالغبار وذرات الرمل.
أما تل الرمل نفسه فيجزم مهندس معاصر (زهدي عبس) وكان قد بنى عدة إنشاءات فيه انه «تل اصطناعي، جرى تراكمه على أيدي الانسان منذ مئات السنين ولقد عثرنا لدى الحفر في تلك المنطقة على بقايا هياكل عظمية بشرية وحيوانية مما يوضح ان تل الرمل ليس طبيعياً بل أنشىء بشكل اصطناعي ولربما كان هذا بقصد الحراسة والمراقبة».
والأمر ذاته كان قد سبق لمؤرخ محلي وموظف حكومي في مطلع القرن العشرين (محمد امين الصوفي السكري في «سمير الليالي») ان أشار إليه لدى حفر أساسات السراي العثمانية في ساحة التل «ومن أغرب ما رأيته غضون وجودي مأموراً على مناظرة انشائها (أي السراي) انه خلال الحفر في أساسها ظهر بضع جماجم وعليها عبارات غير مفهومة».
عموماً فإن إنشاء التل بشكل اصطناعي يتطابق مع أسلوب انشاء «المناظر» أو «النواظير» أي نقاط الحراسة والاستطلاع، والذي عرفته المدينة الاسلامية كأحد أنظمة التحصين. والتل كمرتفع يقع في منتصف خط شبه مستقيم ما بين القلعة المحصنة شرقي المدينة وبرج السباع المشاد غربيها على ساحل البحر.
ويذكر أغناطيوس الخوري نقلاً عن المؤرخ حيدر شهاب (الغرر الحسان) تفاصيل موقعة عسكرية عام 1831 بين بربر آغا متسلم طرابلس والوالي العثماني عثمان باشا «.. الذي قدم إلى طرابلس وصحبته عسكر أربعة آلاف أرناؤوط وعمّروا المتاريس على «التل» تجاه البلد ووضعوا مدفعين صغار» وجرت معارك طاحنة وكر وفرّ لاحتلال التل ما بين الطرفين وسقط قتلى ونفقت حيوانات…
ومن وثيقة وقفية تعود لعام 1266هـ /1850م، يتبين وجود مصلى في التل ويجاوره بستان مزروع بأشجار مثمرة وارفة وكوخ وخيمة وقهوة ذات محتويات ومقتنيات تدل على ان المكان كان مقصوداً لتمضية الأوقات.
أما التل من الناحية الجغرافية فهو مستدير بيضاوياً ومرتفع بتدرج وتبلغ مساحته الاجمالية نحو 26,000 متر مربع وارتفاع أعلى نقطة فيه عن سطح البحر 28 متراً ولا يبتعد أكثر من مئتي متر عن محلة النوري لجهة الشمال الشرقي وبوابة الغنشاه لجهة الشرق وحوالي مئة متر عن بوابة السراي القديمة، اي انه رغم وقوعه في ظاهر المدينة فهو على تخوم بواباتها الغربية والشمالية بحيث امتدت تلال الرمل وانبساطاتها جنوباً وغرباً لمسافة طولها حوالي 800 متر تقريباً وعرضها 500 متر حيث يبدأ حيز البساتين الغربية والشمالية. وهنا تبدو منطقة تل الرمل بمثابة منطقة مؤدية إلى ظاهر المدينة المغروس من خلال ثلاث بوابات بشكل مباشر: الغنشاه، السراي القديمة، الحدادين.
ولقد أطلقت تسمية «تل الرمل» على التل نفسه أي هذا المرتفع عن الأرض وعلى مجمل المناطق المحيطة به، وذلك حتى العقد الثاني من القرن العشرين، حينما بدأت المنطقة تفقد سمتها الرملية المميزة فأصبحت التسمية «التل» معحذف «الرمل» . أما تسمية «الرمل» فقد لحقت ببوابة الرمل أي بوابة الغنشاه وبمقبرة باب الرمل ثم بالمحلة الممتدة بينهما كحيز عمراني واجتماعي.
ولم يعرف التل أواخر العهد العثماني كإحدى محلات طرابلس التسعة من الناحية الادارية رغم انه سمي «بالمحلة» أحياناً واشتهر غالباً باسم «موقع تل الرمل» وأحياناً «بالمركز» والساحة والجادة، مع إجماع جميع الأوصاف على تمييزه عن الداخل المحلي لأسباب ومعايير عدة: الطريق والمباني الخاصة والعامة و«الترتيب» و«التدرج في الرقي» والمنتزهات، فهو «الأحسن» و«الأجمل» و«الأرجح» من حيث العمران والنظام والبنيان «فهو أطرف وألطف» بقعة في طرابلس… ودائماً يستعمل في التمييز صيغة أفعل التفضيل التي تتناول في وصفها حصراً الطبيعة والأبنية والطرقات.


ولادة المجالس البلدية

 

في إطار التنظيمات الخيرية التي شهدتها السلطنة العثمانية، صدرت قوانين المجالس البلدية المقتبسة عن الأنظمة الأوروبية وهي نصت على تشكيل مجلس بلدي من رئيس واحد ومعاون واحد وستة أعضاء (أو أكثر) ويلتحق بهم جهاز من الموظفين: طبيب المدينة ومهندسها أو معمارها الأول وباشكاتب المجلس وعدد من الجلاوزة.
والاختصاصات تتلخص «بالإشراف على كافة الانشاءات والطرق والأبنية في البلدة وعلى الأمور والمصالح المتعلقة بالمياه والعمل على إزالة خطر الأبنية الخربة وهدمها وتنوير الطرق والإشراف على المحلات العامة والقهاوي والتياتروات والملاعب والمنتزهات والأسواق ونظافتها ونظافة الآداب العامة وفلائك الأسكلة وحيوانات الاجرة وضبط الموازين ومال القبان والمكاييل والخبز والأفران والذبح والقصابة والتفتيش على الصيدليات والمآكل، وبعض الواجبات الاجتماعية مثل تربية العميان وترتيب بيوت الصحة للفقراء والمحتاجين وخانات الغرباء ومنع المتسولين وتشغيلهم الخ ..».
والأمور الإجرائية لتأسيس المجالس البلدية نصت على تشكيل جمعية عمومية ناخبة تسمى «جمعية المنتخبين» وينال حق الانتخاب من هو فوق 21 عاماً والذي تقدر إيراداته السنوية من الأملاك بـ 2500 غرش عثماني.
أما الرئيس وأعضاء المجلس فهم من الملاّك الذين تُقدر إيراداتهم السنوية بخمسة آلاف قرش.
وبحكم الاختصاصات المناطة به، فإن المجلس البلدي يمتلك فعلياً السلطة الأهلية المحلية ويرث بعض أدوار جهاز الحكم ما قبل التنظيمات. أما شروط عضويته (كهيئة ناخبة ومنتخبة) فتعكس تدرجاً اجتماعياً جديداً على المجتمع، فالأعضاء شرطاً هم من ملاّك الأرض ذوي الايرادات المالية المرتفعة. ويأتي انبثاق هذه الوحدة الاجتماعية الجديدة بدافع من السلطة المركزية كترجمة اجتماعية لخط الاصلاحات.. هذا الخط الذي كان يعني في بعض جوانبه ومضامينه الاستجابة لضغوط التحديث الأوروبي أو نتيجة للمؤثرات الأوروبية فإنه على المستوى الاجتماعي سعى لصياغة قوى محلية تتفاعل معه ولايجاد صيغ تنظيمية تستوعبه وتحثّ عليه. والمجلس البلدي – كقوانين وأنظمة وصلاحيات – يعني للوهلة الأولى تهيئة وفرز قوى اجتماعية جديدة وبمواصفات معينة للإمساك بقبضة الأمور المحلية من خلال إيجاد تدرج اجتماعي يرتبط بالأعلى (السلطة المركزية) ويشرف على الأمور والشؤون اليومية المعيوشة التي تتعلق بالمجتمع ككل.


الطريق: ترامواي الخيل

 

تأسس المجلس البلدي في طرابلس عام 1877، وقد كان رئيس المجلس في تلك الاونة عبدالقادر باشا المنلا مستوفياً شروط الانتخاب (ملاّك وتاجر)، والأكثر قرباً من والي الشام حينذاك مدحت باشا، والأكثر اقتراباً من خطواته الاصلاحية. ومدحت باشا في إطار زياراته التفقدية لإنشاء ولاية سورية، خصّ مدينة طرابلس بزيارة عام 1879. وهكذا فإن شق الطرقات الجديدة، الذي حثت عليه التنظيمات الجديدة التي شهدتها السلطنة العثمانية وقوانين الطرق والأبنية الجديدة، سيجري بلورته (شق الطرق) مبكراً من قبل المجلس البلدي المحلي الوليد في طرابلس وسيكتب مؤرخ معاصر لتلك الآونة (جرجي يني) ما يلي:
«..وكان مطمح أنظار الطرابلسيين مد الطريق الحديدية بين بلدتهم وبين بلاد الهند، ذلك ما تقوّلت به صحف البلاد الانكليزية حتى صار من الأماني التي يرغبون في نوالها: ولا جرم ان ميناء طرابلس وسهولة طرقها ووفرة حاصلاتها وكثرة القادرين على الشغل في جوارها قد حملت كثير من المهندسين على استحسانها وتفضيلها عما سواها لتكون النقطة الأولى للطريق الحديدية المؤدية إلى الهند، وتقدمت في ذلك خطب ونشرت كتابات كثيرة تفصح عن ذلك وحيث ان طرابلس تبعد عن مينائها مسافة ميلين أو أكثر وكانت طريقها غير ذات سهولة نظراً للوحول والغبار مما لا يسمح به تقدم العصر، فقد بذل العناية بتسهيل الطريق وتمهيدها بحيث تصلح لسير المركبات عليها. فسُرَّ القوم بذلك ولبثت هذه الطريق على سيرها حتى ولاية مدحت باشا في أوائل 1879م ورأى الطريق فاستحسن نضارة جانبيها بعد ان علم ما وراء تحسين الطرق من إحياء التجارة والإثراء فدعا بكثيرين من أغنياء البلد وحرّضهم على إنشاء طريق حديدية تسير عليها المركبات بجرّ الخيول وتُعرف بالافرنجية ترامواي، فلباه كثيرون من الناس وتألفت بحضوره لجنة وطنية لإدارة العمل وتعين رأس مال الشراكة عشرة آلاف ليرة منقسمة إلى ألفين من السهام. وقد تألفت الشركة وتم العمل وأخذت المركبات بالنجاح حتى أدركت الشراكة فوق ما أملت من التقدم والفلاح».
إذن كان ثمة طريق محلية جاهزة من حدود طرابلس الداخلية إلى الميناء بانتظار قدوم التقنية المهيمنة على ذلك العصر «قطار سكة الحديد الموصل إلى الهند» حلم تجار ذلك الزمان مثلما هو حلم فرديناند دي ليسبس بالضبط ولو على مستوى مختلف.
وما قام به مدحت باشا، الإصلاحي المستنير، هو ترجمة الأحلام بالأفعال «بحثّ الطامحين» لتشكيل أول شركة مساهمة محلية مستصدراً فرماناً بشأنها. وصار طلب الأدوات والحافلات والخطوط الحديدية واستحضار العربات من معامل انكلترا، حيث تعاقد مدحت باشا باسم الشركة معها.
وقد وصلت خمس عربات وكانت اثنتان بطابق علوي واثنتان بدون طابق وواحدة مكشوفة، تشبه مقاعدها مقاعد المدرسة لذلك أطلق عليها اسم «المدرسة» وتجرها الخيل على خط حديدي. وللترامواي خطان: الأول من تل الرمل إلى الميناء وبالعكس. والخط الثاني للترامواي من التل إلى التبانة عبر الزاهرية. وكان الترامواي على هذا الخط يجر خلفه حافلة ثانية مخصصة لنقل البضائع وسميّت «بالطرزينا». والتبانة في تلك الاونة كانت السوق الرئيسية للغلال والحاصلات الزراعية ومال القبان أي مركز الثقل الرئيسي للتجار والحركة التجارية في طرابلس.
أما مركز الترامواي فأقيم في التل الشمالي بالتماس مع الداخل المركزي ووجهته من الشمال باتجاه التل وهو عبارة عن قبو من العقود وله مدخل ومخرج مشترك لجهة الزاهرية والتبانة ومخرج واحد باتجاه التل.
وبالترامواي، عرفت طريق التل – الميناء استعمالاً مزدوجاً: حيز لخط الترامواي وآخر لعربات الخيل. ويبلغ طول الطريق الاجمالي 4,5 كلم أما عرضه فيتفاوت ما بين حيز التل (35 متراً) وحيز التل – الميناء (25 متراً). والطريق تأخذ شكلاً مستقيماً من الكاراج لمسافة كلم ثم تنحرف بانحناءة غير حادة أو بزاوية منفرجة نحو بوابة الميناء حيث محطة الوصول.
أما خط الترامواي فجعل له على الطريق استراحة عند منتزه المرج حيث تنتظر الحافلة القادمة مثيلتها ويجري تبادل للمرور، وفي المرج مقهى ومصلى وحوض ماء متسع ومستشفى فيما بعد للبلدية.
وزرع بين قسمي عربات الخيل وخط الحديد وعلى جانبي الطريق «أشجار الأزدرخت اللطيفة الباسقة» التي شملت عملياً نصف التل الجنوبي وكامل طريق الميناء.
وحسبما يذكر مؤلفا «ولاية بيروت»، التميمي وبهجت، اللذان زارا طرابلس عام 1917 «فإنه تقرر تحويل ترام الخيل إلى ترام كهرباء ومنحت الشركة امتيازاً بذلك وجرى شراء الآلات وشحنها ثم نشبت الحرب فتحولت الحافلات إلى الإسكندرية،. وبديهي ان الكهرباء كانت ستدخل طرابلس فيما لو تم ذلك وهو انجاز سيتأخر حوالي ربع قرن.


القطار البخاري: من «التل» بدأ الحلم واليه خيبة الأمل

 

إذا كان الإشراف على الطرقات هو من صلب وظائف المجلس البلدي -يوم كان التل رملا- وإذا كانت «الطريق إلى الهند تمر من هنا» حسبما وصف جرجي يني أحلام وطموحات تجار ذلك الزمان، فإن «طريق التل – الميناء.. نحو الهند» هي ثمرة إنجاز محلي أهلي جماعي حيث ان قوانين الطرق والمعابر العثمانية الجديدة اعتبرت ان شق الطرق وتسويتها مسؤولية محلية جماعية فعلى جميع من أصبحوا في سن الأعمال حسب الدستور العثماني «.. ان يجتهدوا أياماً محدودة في الطرق الكبرى والصغرى، هم ذواتهم أو يعطوا بدلاً شخصياً منهم أو ان يشغلوا حيواناتهم والعمليات تجري في أيام محدودة بوجه المقطوع. والمدن والقصبات الكبرى جميعها مكلفة برمتها بحسب مقدار النفوس الموجودة يعني ان النفوس الذكور التي تكون فوق سن 16 وتحت سن الستين في كل مدينة وقصبة وقرية وحيوانات الحمل والمركبات التي بها أن تعمل عشرين يوماً في كل خمس سنين. والعمل يومياً لا أقل من تسوية خمسة أذرع تراب مع الخنادق أو إخراج حجارة وتكسيرها وفرشها بقدر يكفي طريق مركبة سطحها 2,5 ذراع، أما شغل الحيوان الواحد يومياً فهو ان ينقل حجارة لجانب من طريق المركبات يتعين له».
وينبغي ان نقدر هنا ان التل الرملي – يوم كان تلالاً وانبساطاً من الرمل – قد تعرف عليه معظم سكان المدينة الذكور: شقاً للطريق وحملاً للحجارة أو ببدل إعفائي.
وشق الطريق لا يجري اعتباطاً إذ يشرف على الأعمال مهندس من النافعة ويعين له محافظ للطريق يسكن مع عائلته في مظلة تعمل له خصيصاً ويحق له زراعة الأرض البوار حوله.
وللطريق مواصفات معمارية دقيقة وخاصة إذا كانت لسير مركبات الشوسة (للركاب)، فسمكها في هذه الحالة 20 سم تفرش دائماً تحت طرق المركبات وتكون محدبة عرضاً من جانبيها إلى حد وسطها يعني ان الطريق تعمل كسطح جسم السمكة مائلاً من وسطها إلى جانبيها، وهي قاعدة معمارية ما زالت متبعة منعاً لتجمع مياه الأمطار في الطرق.
ووفقاً للمقاييس الدقيقة والتصنيفات العامة لطرق السلطنة فإن طريق التل – الميناء هي من طرق الصنف الثالث التي لا يقل عرضها عن 5،5م ولكنها عملياً من طرق الجادات الكبرى (أكثر من 9 م).
لكن يلاحظ انه حيث أمتد البناء في التل الشمالي من الداخل باتجاه كراج الترامواي فإن عرض الطريق لم يتجاوز ستة أمتار وهو عرض سمح للترامواي المحلي ان يمر (عرض سكة الترامواي كان 3,5م) والباقي أرصفة على الجانبين، كما يلاحظ من صورة فوتوغرافية، هذا الضيق في الامتداد يتوقف فجأة عند مخرج الترامواي نحو التل، وكأن الكاراج هو حد فاصل بين نوعين من الطرق: عريض وضيق، الأول يؤدي إلى العالم الخارجي (التل – الميناء – الهند) والثاني يؤدي من والى الداخل المركزي.
وعندما تقرر بعد طول وقت، جعل طرابلس محطة للقطارات البخارية ووصلها بخط سكة حديد حمص ثم بالداخل السوري، اختيرت بقعة أرض في الميناء (قرب برج السباع) لتكون محطة القطارات وسكة الحديد المنشودة بعد إلحاح استمر عقدين من الزمن.
لكن الطريق المحلية المفترض ان تؤدي إليها (التل – بوابة الميناء) كان ينقصها شق عدة مئات من الأمتار، في حين ان الجالس في حديقة التل العليا المطلة من جهتها الغربية على البحر سيجد ان المحطة الجاري العمل فيها هي على مرمى نظره المستقيم المباشر في حين ان الطريق إليها – عدا عن عدم اكتمالها – تقطع مسافات متطاولة فهي على شكل خطين شبه متعامدين يضاف اليهما ضلع ثالث هو الطريق التي لم تكتمل بينما ان الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين (التل – المحطة)..
هل هذا ما كان يفكر به متصرف طرابلس السابق ووالي بيروت عزمي بك في زيارة تفقدية للمدينة عندما استدعى معمار البلدية جرجي الخرياطي إلى الجهة الغربية من موقع التل وأمره ان يبدأ بشق طريق مستقيمة من منتهى تل الرمل الغربي إلى محطة سكة الحديد الناشئة وهكذا كان وفي أيام معدودة كانت الطريق قد شقت بطول كيلومتر ونصف وبعرض 25 م. وفي السابق الطريق كانت معروفة كزقاق بين البساتين وتعرف بطريق الوزان.
وثمة تأكيدات متطابقة ان عزمي بك كان ينوي إكمال الطريق وبخط مستقيم أيضاً من تل الرمل باتجاه القلعة شرقي المدينة مما يعني اختراق عمق المنغلق المركزي الداخلي، وهو أمر لم يتم لكنه بقي في ذاكرة القدامى والمعاصرين لتلك الحقبة الذين صدمتهم الفكرة فظلوا يتناقلونها. والوصول إلى هضبة أبي سمراء لم يكن له طريق واسعة إلاّ عبر أزقة الأحياء الداخلية في حين ان عزمي بك قد بنى في تلك المنطقة أول مستشفى حكومي حديث في طرابلس. ويشار هنا إلى ان الإدارة العثمانية بعد سنة 1889 قد تمكنت من توسيع الطرق في ولاية سوريا على أثر صدور قانون يخصص 10٪ من واردات البنك الزراعي لتعمير الطرق. وبعد نيل هذه القوانين، أقبلت الدول الأوروبية على نيل امتيازات مد الخطوط الحديدية، علماً بأن مد خط سكة حديد طرابلس – حمص قام به عمال فرنسيون مما يعني ان شق الطرق بإلزام الأهالي المحليين على ذلك لم يعد معمولاً به… ان «الطريق إلى الهند» لم تعد حلماً وإنجازاً محلياً والشركة الطرابلسية اخفقت في نيل امتيازه رغم ان رأسماله الأولي قد بلغ 9000 ليرة عثمانية أي أقل بقليل من رأسمال الشركة المحلية الذي رصدته قبل عشرين سنة لترام الخيل… ان الأهالي والتجار والمحليين لهم فقط ترامواي الدواب، أما القطار البخاري فاستثماره هو لسادة ذلك العصر: الاستثمارات الأجنبية. من «التل» بدأ الحلم واليه خيبة الأمل.

Loading...