طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة (6)

ساحة التل – لوحة مائية بريشة الفنان فوزي طرابلسي – مجموعة أيمن معتاد (دمشق)
في العام 1988 أنجز الإعلامي الراحل طلال منجد دراسته «مجتمع النهر في طرابلس» التي خولته نيل شهادة الجدارة في العلوم الاجتماعية. وفي العام 1990 أنجز بحثاً بعنوان «ساحة التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة»، ما خوّله نيل شهادة دبلوم الدراسات المعمقة في العلوم الاجتماعية من الجامعة اللبنانية.
«التمدن»، التي كان الراحل أحد أفراد أسرتها، والتي سبق أن نشرت على حلقات دراسة «مجتمع النهر»، تنشر، وعلى حلقات أيضاً، دراسة «ساحة التل» القيّمة جداً، والتي تعتبر أهم دراسة اجتماعية وعمرانية وتاريخية، والى حد ما سياسية، تناولت وسط مدينة طرابلس. وفي هذا العدد ننشر الحلقة السادسة، وفيها: هيبة السلطة الانتدابية والسينما والمقهى، بعدما تناولت الحلقات الخمس السابقة ما يلي: رحاب المدينة، ولادة المجالس البلدية، تل الرمل: من استعراض الجند الى حروبهم، الطريق: ترامواي الخيل، نشأة الابنية والادارات الرسمية، الساعة والمصلى، ديموغرافية التل: السكان والعائلات الاولى، نشأة الابنية الخاصة ، المقهى ــ الحديقة، التل زمن سايكس ــ بيكو، منشية البلدية: خمسة أضلاع وبانوراما التل.
وفي المقدمة التي كتبها الراحل منجد لبحثه قال إن «هذا البحث يتناول سياق نشوء ساحة التل في مدينة طرابلس وتكويناتها العمرانية والاجتماعية، سواء كمحلة جديدة نشأت خارج بوابات الداخل المركزي في أواخر العهد العثماني أم كساحة مركزية ابتداء من العهد الانتدابي. والتقسيم التاريخي هنا – ما بين عهدين عثماني وانتدابي – يندرج تحت مفهوم دراسة الزمان والمكان الاجتماعيين، حيث شكلت نتائج الحرب العالمية الأولى حداً فاصلاً بينهما مثلما مهدت لانتقال سريع ما بين المستويين. وإذ يلتزم البحث بحدوده الاجتماعية والثقافية فإنه يستعين ضمناً – وفيما لزم – بالبعد السياسي الذي يوضح ويضيء ويكشف دينامية كل مستوى. ويتوقف البحث زمنياً عند مطلع الحرب العالمية الثانية بوصفها قد مهدت لما عرف بالاستقلال أو انسحاب الوجود الاجنبي المباشر».
مع نشر هذه الدراسة نتذكر طلال منجد، الذي كان غارقاً حتى النخاع في حب مدينته، والذي كرّس كل عمره وجهده وتعبه وقلقه وإبداعه وألمعيته في سبيل الإضاءة على هذه المدينة العريقة، في مواجهة كل الاساءات التي طالتها.
(الرجاء مراجعة الـ PDF على الصفحتين 4 و5)
استعراض عسكري فرنسي في شارع المصارف – التل (صفحة «طرابلس بالابيض والاسود»- الفايسبوك)

ساحة المبارزة بين هيبة السلطة الانتدابية وأهل المدينة

استقرّ الحاكم العسكري الفرنسي – وله صفة مندوب المفوض السامي – في مكتبه في السراي التي نزع عنها العلم العربي ثم شعار الطغراء العثمانية ثم صفة «الشام» التي كانت تلحق بطرابلس. وكان على الأوضاع ان تستقر وفق ترتيبات معينة تنسجم مع سياسة الانتداب… لم يبن الفرنسيون بناء خاصاً بهم بل ورثوا السراي العثمانية مضيفين إليها رتوشاً عسكرية غير مألوفة «.. هو ذا الاعتاد والمعدات حوالي سراي طرابلس وهوذا الاستحاكمات من أكياس رمل وحجارة صلبة قائمة على منافذها وهوذا المدفع الرشاش في قمة ساعة التل والعساكر تروح وتجيء»( جريدة «الصباح» في 18-6-1926).
وكان على السلطات ان تقوم بين حين وآخر بحملات نزع السلاح تسمى «التجريدة»، وحصة التل دائماً الأقل بين محلات طرابلس وتتراوح الأسلحة المصادرة بين البارودة والمسدس والخنجر والمدية. وهيبة الانتداب تستعرض نفسها في المناسبات مثلما تهتز أحياناً في بعض المناسبات.. ففي ذكرى 14 تموز (الثورة الفرنسية) استعراض للجيش، وفي أول أيلول (إنشاء لبنان الكبير) تزدان السراي بالأعلام ومنذ الصباح تقرع الطبول وتطلق المدافع من القلعة. وفي المساء أسهم نارية وحفلة استقبال في المنشية ومأدبة تقليدية تقيمها البلدية «.. تدار فيها كؤوس الشمبانيا والبيرة وبعض أنواع الحلوى على المدعوين» («الصباح» في 20-7-1932). في نفس الوقت يطوف الجند الفرنسي بالمشاعل.. هذه الهيبة السلطوية قلبت معها الأدوار والمراتب الاجتماعية فأعادت ترتيبها، والسياسة قوة مرتبة، فعندما يزور المفوض السامي طرابلس يكون في انتظاره عند المدخل «.. سماحة الشيخ محمد الجسر والنائب نقولا غصن وسيادة مطران الروم وقناصل الدول ونقيب الأشراف الخ…. وعندما يصعد إلى الصالون يقبل سيادة مطران الكاثوليك ثم سيادة مطران الموارنة للسلام عليه…»
ومثلما أنزل القومندان «دي لاروشن» العلم العربي عازلاً ضمناً عبدالحميد كرامي عن منصب حاكمية طرابلس الموالية للملكية العربية في دمشق، تحول الحاكم المعزول إلى المعارض العنيد للانتداب الفرنسي. وكان كلما زار طرابلس مفوض سامٍ أو رئيس موال للفرنسيين، أظهر كرامي جذور حاكميته الشعبية فكان يصل محمولاً على الأكتاف وبتظاهرة إلى السراي تهتف له وللوحدة السورية وقد ترفع العلم العربي إلى ان ينتهي كرامي من مقابلة المسؤول فيعاد المشهد الذي قد ينتهي بإعتقال كرامي أو بمواجهة ساخنة وعندها تتحول ساحة السراي إلى مكان للتظاهرات الموالية أو المعارضة مع ما يستتبع ذلك من اجراءات أو انفجارات.
«… وأستقبل فخامة المفوض بونسو عبدالحميد كرامي عند نزوله من السراي بسحابة تصفيق حاد دامت نحو نصف ساعة سمعها بأذنيه ورآها بعينيه رجال المفوض أنفسهم» («الصباح» في 19-11-1926). ومن جريدة «الأوريان»: «عندما زار الجنرال سراي طرابلس، هتف له الطرابلسيون وللمسيو كيلا، وقد جرى حادث أبلغ في معناه هو ان الناس تظاهروا بحماس للسيد عبدالحميد كرامي الذي كان مبعداً وجاء للسلام على سراي. وقد تصرمت أنفاس خمسة عشر ظهراً فإذا بمنطقة طرابلس في حالة راعبة وإذا السيد كرامي يعتقل ثانية» («الصباح» عن «الاوريان» في 9-1-1926).
«… وقد أظهر سكان المدينة من وجوه وشباب رغبة في الاشتراك بهذا الاستقبال (استقبال رئيس الجمهورية أميل أده في سراي الحكومة بطرابلس) على ان يتاح لهم الإعراب عن مطالب طرابلس وأمانيها. وإذ لم يرق للحكومة المحلية هذا الطلب فإن الطرابلسيين أرادوا ان يعربوا عن هذه المطالب والأماني بطريقة سلمية لدى دخول فخامته إلى طرابلس فأخذوا يهتفون للوحدة السورية وينادون بحياة سورية ونشروا الأعلام السورية ورفعوا لوحات مكتوب عليها بعض العبارات الوطنية السورية..» (جريدة«الرائد» في 19-9-1936).
وبموازاة الاحتفالات الرسمية بعيدي أول أيلول و14 تموز، تطورت احتفالات ذات جذور دينية إلى احتجاجات سياسية أو رفضية، ومنها عيد المولد النبوي الشريف التي كرست اتجاهاً لاشعورياً لكل ما هو خط سير التظاهرات الدينية أو السياسية: ان مكان اللقاء هو الجامع المنصوري الكبير ومنه إما مباشرة إلى شارع الراهبات فالتل أو مروراً في الأحياء الداخلية فالتل كمحطة دائمة لا مفر منها حيث قد تنفجر المواجهة أو تمضي الأمور بسلام. وغالباً ما تكون المواجهة أيضاً حتمية لا شعورية، ضد الانتداب الفرنسي في تلك الأيام أو ضد القوى المهيمنة ورموزها (مخفر، إرسالية، صورة، زعيم، مقر نفوذ).
من يبدأ المواجهة؟ ليس هذا هو السؤال فهو حتماً أحد الطرفين أو كلاهما معاً بعد ان تبلغ التعبئة مداها.
السراي هو مكان السلطة وللسطلة هيبتها وللاحتجاج هدفه وموضوعه، وإظهار القوة هو دافع الطرفين معاً… ولذلك فإن فسحة السراي قد تصبح منطقة محرمة إذا أرادت السلطة إظهار قوتها أو كانت قوية فعلاً، والفسحة ذاتها قد تعج بالمتظاهرين وأعلامهم ويافطاتهم وهتافاتهم إذا ارادات السلطة الانكفاء أو كانت ضعيفة فعلاً.
والمواجهة ليس من الضروري ان تكون ساخنة فقد تصبح رمزية فيجري التناوب عليها. وعندما دخلت الكهرباء طرابلس، أصبحت الساحة تضاء بمناسبة الأعياد الرسمية والدينية: الساعة والحديقة العامة بمناسبة المولد النبوي لأن المشرف عليهما هي البلدية المحلية التي تزين أيضاً نفس المكانين وتزين السلطة مكانها أيضاً اي السراي في مناسبتي لبنان الكبير والثورة الفرنسية. وأول ترميز للكهرباء أو أول نيون مضاء كان على حائط وواجهة السراي التي زينت بخمسين لمبة رتبت بشكل شعار «يحيا لبنان».
والإضراب – أو تعطيل الحياة العامة – هو أحد وجوه السيطرة على الساحة من قبل المعارضة، ويقابله منع التجول من طرف السلطة، وعرف التل كلا الأمرين لأسباب ودوافع مختلفة. ولأن الشارع لزوم السيارات وعندما تكاثرت أعدادها ومن أجل تحقيق مطالب خاصة بالسائقين، فقد أضرب هؤلاء عن العمل «… وإذا الفيحاء المتحركة ساكنة ساكتة فلا ترى غير الشرطة والدرك يتجولون محافظة على الراحة والأمن» («الصباح» في 22-3-1933). والإضراب قد يكون طوعياً وقد يكون بالقوة «عرفنا بوجود عدة أشخاص في دائرة البوليس يحققون معهم بتهمة التحريض على الإضراب وتسكير البلد وبوجود آخرين من السواقين بتهمة التعدي لحريات بعض السائقين غير المضربين وضربهم بالعصي وتعطيلهم عن العمل» («الصباح» في 22-3-1933).
والإضراب السياسي الطويل هو الذي اشتهرت به طرابلس في منتصف الثلاثينات تأييداً للوحدة السورية ودام أربعين يوماً. وقد كانت ساحة التل – بسبب تعدديتها – محكاً له ومعياراً لنجاح الإضراب أو فشله.. وهنا ترافق الإضراب بالتظاهرة وبأعمال العنف التي تطال المناوئين أو غير المضربين ومؤيدي السلطة فتغلق المحلات تضامناً أو تحسباً أو تخوفاً «أفاقت المدينة وهي مضربة ونحو الساعة التاسعة صباحاً، قامت المظاهرات في جميع أنحاء طرابلس تتقدمها الأعلام السورية، منها مظاهرة عنيفة مشت من شارع الصاغة إلى شارع الرفاعية وهاجمت دار السيد عبدالفتاح الحداد نائب رئيس بلدية طرابلس وكسرت زجاج نوافذها وواجهاتها. ومن هناك، تقدموا إلى دار رئيس مشيخة المولوية فحطموا واجهاتها ورجعوا إلى المسجد ينشدون الأناشيد الحماسية ويهتفون للوحدة السورية. وأقوى مظاهرة قامت في ذلك النهار، هي المظاهرة التي بدأت من شارع البلدية تتقدمها سيدة تحمل العلم السوري (…) وأصدر حضرة مفوض الشرطة السيد سليم سلمان أوامره بتفريق المتظاهرين بأية طريقة كانت، فهاجم عندئذ رجال الشرطة الأهلين بهراواتهم وطاردوهم إلى شارع البلدية حيث وقع اصطدام عنيف أطلق رجال الشرطة النار على الأهلين فوقع منهم جرحى عديدون وبينهم بعض رجال الشرطة وفتاة» («الرائد» في 19-9-1963).
ان منع التجول أي تعطيل الحياة العامة وإخلاء الشوارع هو الحالاة المضادة التي تلجأ السلطة للسيطرة على الأمور، وهو الذي كان يصيب التل بشكل رئيسي دون الأسواق الداخلية التي كانت تعصى على الالتزام به. والتل التجاري كان عرضة لدفع ثمن السيطرة عليه وإظهار القوة من خلاله في الحالتين: الإضراب ومنع التجول.
الزعيم عبدالحميد كرامي بين انصاره في احدى مناسبات التحدي للفرنسيين («طرابلس بالابيض والاسود»

معالم التحولات

السينما
نشأت السينما في طرابلس الداخلية في إطار الحي الشعبي في مطلع القرن العشرين وكانت صامتة وتعرض أفلاماً عن الحيوانات والكوارث الطبيعية ومدن وحضارات العالم وأحدث الاختراعات. وتدار بآلة عرض يدوية والطاقة من الفحم الحجري.
لم تحتل السينما حيزاً خاصاً ومستقلاً بل تأسست في أماكن الجمع واللقاء السائدة: المقهى الشعبي والحمام. وكان مستثمر السينما (أو من ينوب عنه) يقوم قبل إطفاء الأنوار بالطواف على المتفرجين الذين يرمون بإجرة المشاهدة على صينية يحملها.. ولأنها سينما صامتة فقد كان يحلو التعليق والكلام بصوت عالٍ على ما يُشاهد.
وكلما كان ضوء البث السينمائي يخفت وتشحب الصورة، يتكفل أحد المشاهدين بالصراخ: «حط فحمة». ولم يكن يباح للنساء حضور الأفلام فقد بدأت السينما ذكورية وجنباً إلى جانب الحكواتي ومسرح خيال الظل. والجلوس كان على مقاعد القش المألوفة في المقهى الشعبي.
.. وانتقل هذا النظام السينمائي إلى محلة التل وبالذات إلى مقاهيها. فشغلت السينما حيزاً من مقهى سلطان (حيث سينما الحمراء اليوم) ومقهى طبيعات الصيفي (سينما دنيا اليوم) وكانت طرابلس محطة من تيار توزيعي للأفلام يبدأ من بيروت ويشمل أهم المدن اللبنانية والسورية: صيدا، طرابلس، حمص، دمشق، حلب…
اما النقلة الهامة في عالم السينما بطرابلس فبدأت مع دخول التيار الكهربائي إليها عام 1932 فقد أحدثت الكهرباء تغييرات عميقة في أنظمة العرض والدخول والصالات والمشاهدين.
فعلى صعيد نظام العرض، عُرفت السينما الناطقة واستقدمت الأجهزة الحديثة وبنيت صالات جديدة وتأسس نظام للتوزيع السينمائي يرتبط مباشرة بالعاصمة بيروت التي ترتبط بدورها بالعاصمة الفرنسية باريس وعبرها بعواصم السينما العالمية.
وأول دار عرض حديثة شيدت في مطلع الثلاثينات على يد انطوان حبيب شاهين (ملاك زمقرض مال من بيت ملات عكار) حينما تعاقد مع أصحاب Circuit Empire في بيروت (نقولا قطان وجورج حداد) على ان يبني لهم «داراً للسينما بصالة وبلكون وضمن البلكون ألواح خاصة ويقوم بكامل تجهيزاتها من محرك وكراسي وإضاءة وكلها إيطالية المصدر وذلك في شارع الساعة بطرابلس التل لقاء إيجار سنوي قدره 550 ليرة عثمانية…» .وانضم إلى المستثمرين البروتيين الفرد حكيم من طرابلس.
وبناء سينما أمبير دفع سريعاً إلى قيام Circuit Roxi المنافسة لتحويل مقهى طبيعات المجاور لسينما أمبير إلى دار حديثة للسينما حملت اسم «حلوان روكسي» في البداية وكان أصحابها ومستثمروها محليين: الحاج عبد طبيعات، د. كمال ذودة وجرجي عبود والاسم تغير إلى Triomphe أي النصر عام 1939 مع بداية الحرب الثانية. ولدى افتتاح سينما دنيا الشهيرة في بيروت، استبدلت هذه الصالة اسمها بسينما دنيا.
أما أشهر منشطي ومستثمري الصالات السينمائية فهم:
– ألفرد حكيم وهو نفسه مؤسس أوتيل حكيم وأول مسبح حديث في البحصاص والمعروف باسمه.
– ميشال تويني، صاحب مقهى بيكاديلي الشتوي ومقهى الروضة الصيفي ومن اصحاب كازينو طرابلس في قصر نوفل ومؤسس عدة ملاهٍ ليلية، كما قام بتحويل مسرح زهرة الفيحاء (الانجا) مع قيام الحرب الثانية إلى سينما دائمة أطلق عليها اسم Perroquet أو الباروكة بالتعبير العامي كما أسس أول مطعم حديث في ساحة التل: المطعم الوطني عام 1925.
– سامي كركجي الشهير بقصر القامة والطربوش العماني وقد استثمر سينما النحاس أو سينما ركس في محلة السراي القديمة في حيز التل الشمالي.
– عزمي رحيم الذي حول قسماً من مقهى سلطان إلى سينما ايديال عام 1934 (اليوم تعرف بالحمراء) كما حوّل سطح بناء في ساحة النجمة (الحيز الشرقي للتل) إلى سينما شعبية من الدرجة الثانية سماها Magistique من سينما شهيرة بهذا الاسم في بيروت.
ومن الأفلام الاجنبية الأولى التي عرضت:
– أفلام عن الشمس وحياة الكائنات والمناظر الطبعية.
– دانتون، وجرى التعريف عن الفيلم في إعلان صحافي محلي:
«أروع وأجمل فيلم عن الثورات الفرنسية، الدماء تجري كالسيول، الصراخ يملأ الفضاء، خطب حماسية شعبية، دروس في الوطنية.. يجب ان يحضره الجميع في سينما حلوان روكسي».
– «أربعة من المشاة». ومن إعلان صحفي عن الفيلم: دراما حربية من 8 فصول، مشاهد مؤثرة عن أهوال الحرب بين فرنسا وألمانيا وكيف يفتك الإنسان بأخيه الإنسان.. في سينما ايديال.
ومن الأفلام بالفرنسية أيضاً: البؤساء، بائعة الخبز..
وإذا كانت الأفلام ذات مصدر وإنتاج وتمثيل فرنسي فإنها كانت موجهة للجمهور المتقن للفرنسية من أجانب ومحليين. أما الأميون فكانوا يلتفون حول من يعرف الأجنبية فيتولى الترجمة بصوت عالٍ..
وأدى نشوء السينما المصرية إلى الحث على نزول النساء إلى دور العرض الحديثة.. ومن الأفلام المصرية الأولى: «الوردة البيضاء» لمحمد عبدالوهاب. و«نادرة» أول فيلم مصري ناطق.
وإقبال النساء على السينما استوجب صياغة نظام دخول خاص هو نفسه نظام الدخول إلى الحمام. فجرى تقسيم الحفلات في البداية إلى:
– ماتينيه للنساء.
– سواريه للرجال.
وإذا كانت إحدى وظائف الحمام ذات دلالة استعراضية فإن دخول السينما من قبل النساء اتسم بقيامهن بالتبرج ورفع المنديل الأسود عن الوجوه أثناء العرض والاستراحات، فالسينما شكلت مكاناً للقاء وجمع النساء كالحمام والسيران «والاستقبال المنزلي».
وكان يسمح فقط لصبي يحمل صينية سوداء مستطيلة بدخول صالة السينما أثناء الاستراحات لبيع المرطبات والكاتو وجوز الهند وقاموع الترمس والبذورات.
ونظام الدخول إلى السينما لم يبق جامداً بل جرى تعديله باستمرار وعلى مراحل، فقد جرى تخصيص البلكون للنساء والصالون للرجال في الحفلة الواحدة. ومن العادات التي تولد عن ذلك قيام الشباب بجولة التفافية حول واجهة الصالة الأمامية بحجة التفتيش عن مكان شاغر مما كان يتيح لهم استراق النظر إلى فوق أي إلى البلكون. وفي هذه المرحلة، جعل مخرجان للسينما، فرعي للرجال ورئيسي للنساء مع ان الدخول هو من المدخل الرئيسي وللجنسين. وفيما بعد جرى تخصيص أجنحة عائلية وأخرى ذكورية، في الصالة والبلكون معاً.
ومن جديد السينما «اللوج» أو المكان الخاص في البلكون ويحجز بإسم الوجهاء (في سينما أمبير وفي سينما الباروكة). وانعكس هذا التوزيع في أمكنة الجلوس في اللغة الاجتماعية فكان يقال «فوق وتحت» للدلالة على الموقع الاجتماعي أو «قاطع بلكون أو لوج» للدلالة على سمو المقام والجاه أو الغنى. ورغم ان صالات طرابلس لم تعرف نظام الدرجات الذي عرفته صالات بيروت، فقد اعتبر الجلوس في الواجهة الأمامية من البلكون بمثابة «البريمو» والمقاعد الأمامية من الصالة بمثابة «التارسو» وهو تقسيم ثلاثي استعمل كثيراً في الدلالة الاجتماعية لوصف الأمور والمواقع والحالات والفشل والنجاح.
واشتملت السينما أيضاً على «التواليت» أو المراحيض وكانت ذات تقسيم ثنائي مزدوج: للبلكون والصالة والرجال والنساء. واختص تعبير «تواليت» بمراحيض دور السينما والمطاعم دون البيوت.
وعرفت السينما عصرها الذهبي مع الحرب الثانية وتعاقب الجيوش الأجنبية إذ كان أفرادها يشكلون نسبة 99٪ من الرواد في حين غاب المشاهد المحلي. وعندما عرض فيلم «ذهب مع الريح» في تلك الآونة جرى مضاعفة أسعار الدخول لأول مرة.
وكان يجري إعادة برمجة الأفلام لدى تغير الطوابير العسكرية المتنقلة من حين لآخر. ولسينما الأعياد والآحاد إيقاع خاص فقبل الظهر هي مقصد الأولاد وبعد الظهر للعائلات الشعبية والقروية. وغالباً ما تنشأ مشاجرات مألوفة في تلك المناسبات بسبب «التلطيش» على الحريم أو لاستعراض فتوة الشباب. وعندما أبيح الدخول المختلط، كان يحرص على «تسييج» المرأة بين رجلين من اقربائها أو بتخصيص المقاعد الطرفية الأولى لهن وما تلاها للرجال الأقرباء، واتبعت هذه العادات بصرامة.
والكراسي لم تكن مرقمة فالجلوس حر، لكن في الحفلات والعروض الخاصة التي تنظمها الأندية والمحافل، جرى ترقيم الكراسي بل وحتى إباحة الاختلاط. ويذكر هنا ان العرض السينمائي في هذه الحفلات كان يشكل فقرة ضمن إطار برنامج متنوع: خطابة، تمثيل، سينما، موسيقى….
على العموم، فإن السينما إذا كانت قد نشأت في إطار المقهى والحي والحمام الشعبي، فإن حفلات الأندية المدرسية التي كانت تقام سواء في مسارح المدارس أو في مسرح زهرة الفيحاء قد شهدت تأسيساً موازياً للسينما الشعبية، بحيث يمكن القول ان ثمة مستويين هنا انعكسا في صالات التل بعدما أصبح التل مركزاً استقطابياً لصالات السينما:
– المستوى الأول: سينما انطلقت من إطار المقهى الشعبي وحمام الحي، الجلوس حر، التعليق والكلام مباح أثناء العرض، غير مختلطة، جلوس متحرك، تعكس جو المقهى والحمام، ويستمد الجمهور تعاطيه مع الشاشة البيضاء من تعاطيه مع مسرح الحكواتي وخيال الظل حيث لا محرمات تفصل بين الجمهور والشاشة أو المسرح فالتفاعل قوي مع الراوي – الحكواتي – السينما، والانفعال سيد المواقف والمشاهد السينمائية العاطفية والبطولية: تصفيقاً للترحيب والتمجيد وتصفيراً للاستهجان… ويتماهى جو هذه الصالة السينمائية مع أجواء المقهى والحمام وخاصة أثناء دورة السينما الصيفية في الحديقة حيث الهواء الطلق وتقديمات النارجيلة والمرطبات. وشكلت هنا الاستراحات المتعددة بين كل نصف ساعة وأخرى، بدلاً من العرض المتواصل، فرصاً لتبادل الحديث وتغيير المقاعد واستعراض وجوه الحضور بالإضافة إلى تناول التقديمات.
– المستوى الثاني: سينما نشأت في إطار حفلات الأندية المدرسية والنوادي الاجتماعية: كراسي مرقمة، جلوس مختلط، والمشاهدة خاضعة لمعيار الصمت أثناء العرض، وجمهورها الأجنبي والمحلي يستلهم تقاليد وثقافات سينما البلاد الغربية.

المقهى

التل ساحة لقاء على مستويات وأمكنة مختلفة ومتفاوتة ومتقاطعة ومتفارقة وبعضها يتضمن البعض وفرع يستقل عن الأصل. ومن هذه الأمكنة: المقهى والمسرح والسينما والملهى والكازينو وأيضاً الفندق والمطعم.
والمقهى يبدو القاسم المشترك الأكبر فيما بين هذه الأمكنة. ولو ميزنا بين المقهى الشعبي الداخلي ومقهى التل لوجدنا الأول يكاد يقتصر على التقديمات والقهوة والنارجيلة والحكواتي بينما الثاني يرتبط بالحديقة سواء كانت بجانبه (فهيم وسلطان) أو تشغل حيزاً منه أو يشغل حيزاً منها (كمقاهي طبيعات والتل العليا وصيران) أو المقهى المتخصص ظاهراً لتمضية الأوقات (بيكاديلي، ماريات باشا) ثم يتسع المقهى ليضم المطعم (التل العليا والروضة) والسينما وجناح للبلياردو (سلطان) وتتعدد وظائفه فهو لألعاب التسلية المتضمنة رهانات خفية أو ظاهرة (ماريات باشا) وقد يحافظ على قديمه فيستقطب اجتماعات عامة (جمعية المزارعين ولجنة المستأجرين في مقهى التل العليا) وقد يستحوذ على السياسي فيمسي مكان لقائه المفضل فيسوّد سجل المقهى إذا كان السياسي معارضاً وعندها قد يصبح عرضة لهجوم السلطة المباشر «… وعاد رجال الشرطة فهاجموا قهوة فهيم آغا التي احتمى بها بعض الناس خوفاً من التعرض لرجال الشرطة أو رصاصهم ففرقوا المجتمعين بالقوة وبعثروا الكراسي والطاولات وتحطم كثير منها» («الرائد» في 19-9-1936).
وينقسم المقهى ما بين ذكوري وعائلي أو يجمع الحيزين معاً ولكنه ليس مكان المراهقين والمراهقات فهؤلاء أوجدوا مكاناً خاصاً بهم (مقهى الأوتيل) والمقهى ليس مكاناً للسهر الطويل الذي يلزمه مكاناً آخر هو الملهى. وعندما استقلت فروعه (المطعم والسينما والملهى) أخذ هويته النهائية التي قلما تجدها في غير مقاهي التل (مقهى فهيم). وللمقهى هنا لغته الاجتماعية الخاصة فالمعاصر للعهد العثماني حافظ على تقاليده وأعرافه ومنها تسمية التقديمات بالتركي (التل العليا) ويقف النادل وسط المقهى ويعدد المطلوبات بصوت عال فيستجيب جهاز المطبخ بآلية سريعة لتجهيزها. وللمناداة على النادل يكفي التصفيق. وللنارجيلة تقاليدها حيث ممنوع تناول النبريش من فم لآخر دون تلويح مبسمه بالنار. ويمنع إطلاقاً إشعال السيجارة من جمرة النارجيلة فهذا التصرف قد يصل معناه إلى مستوى الإهانة وفي هذه الحال يركلها صاحبها ويلف نبريشه وينصرف.
والمقهى الذي اتخذ اتجاهاً مغايراً هو الذي يقصده أبناء المتصرفية وشمالي سوريا فهو قد يصبح عائلياً ونسوياً ومكان لقاء يسبق أو يلي تجهيز المؤن تمهيداً للسفر.
وهنا يعني المقهى الانتظار ويرتبط بالكاراج ويتجاور معه (مقهى ماريات باشا وبجانبه موقف زغرتا، وكاراج غازي المتخصص بالسفر إلى بيروت والمدن السورية) وكذلك فإن هكذا مقهى يشهد عادة قيام مخزن تجاري للتبضع بجانبه.
ولما انتشر سباق الخيل في العاصمة، أفرز ذلك لعبة «البارولي» ذات الشبكة البشرية الممتدة التي حولت بعض مقاهي التل إلى أمكنة لإستقبال ودفع قيمة الرهانات طوال يومي السبت والأحد. وعرف المتعاطون بهذا الرهان «بالسبقجية» وتمركزوا في مقاهي التل الرئيسي وفي خلفيته الشرقية (شارع عزالدين ومقهى فاروق ومكتب الاتصال المركزي مع ميدان سباق بيروت).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.