طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة (7)

شارع التل في أربعينيات القرن العشرين، ويبدو في آخره مبنىً أُزيل لاحقاً لفتح الطريق نحو الزاهرية (من أرشيف الزميل قبلان أنطون)
في العام 1988 أنجز الإعلامي الراحل طلال منجد دراسته «مجتمع النهر في طرابلس» التي خولته نيل شهادة الجدارة في العلوم الاجتماعية. وفي العام 1990 أنجز بحثاً بعنوان «ساحة التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة»، ما خوّله نيل شهادة دبلوم الدراسات المعمقة في العلوم الاجتماعية .
«التمدن»، التي كان الراحل أحد أفراد أسرتها، والتي سبق أن نشرت على حلقات دراسة «مجتمع النهر»، تنشر، وعلى حلقات أيضاً، دراسة «ساحة التل» القيّمة جداً، والتي تعتبر أهم دراسة اجتماعية وعمرانية وتاريخية، والى حد ما سياسية، تناولت وسط مدينة طرابلس. وفي هذا العدد ننشر الحلقة السابعة، وفيها: الملهى والفندق وحفلات المدارس، بعدما تناولت الحلقات الست السابقة ما يلي: رحاب المدينة، ولادة المجالس البلدية، تل الرمل: من استعراض الجند الى حروبهم، الطريق: ترامواي الخيل، نشأة الابنية والادارات الرسمية، الساعة والمصلى، ديموغرافية التل: السكان والعائلات الاولى، نشأة الابنية الخاصة ، المقهى ــ الحديقة، التل زمن سايكس ــ بيكو، منشية البلدية: خمسة أضلاع، بانوراما التل، هيبة السلطة الانتدابية، السينما والمقهى.
وفي المقدمة التي كتبها الراحل منجد لبحثه قال إن «هذا البحث يتناول سياق نشوء ساحة التل في طرابلس وتكويناتها العمرانية والاجتماعية، سواء كمحلة جديدة نشأت خارج بوابات الداخل المركزي في أواخر العهد العثماني أم كساحة مركزية ابتداء من العهد الانتدابي. والتقسيم التاريخي هنا – ما بين عهدين عثماني وانتدابي – يندرج تحت مفهوم دراسة الزمان والمكان الاجتماعيين، حيث شكلت نتائج الحرب العالمية الأولى حداً فاصلاً بينهما مثلما مهدت لانتقال سريع ما بين المستويين. وإذ يلتزم البحث بحدوده الاجتماعية والثقافية فإنه يستعين ضمناً – وفيما لزم – بالبعد السياسي الذي يوضح ويضيء ويكشف دينامية كل مستوى. ويتوقف البحث زمنياً عند مطلع الحرب العالمية الثانية بوصفها قد مهدت لما عرف بالاستقلال أو انسحاب الوجود الاجنبي المباشر».
مع نشر هذه الدراسة نتذكر طلال منجد، الذي كان غارقاً حتى النخاع في حب مدينته، والذي كرّس كل عمره وجهده وتعبه وقلقه وإبداعه وألمعيته في سبيل الإضاءة على هذه المدينة العريقة، في مواجهة كل الاساءات التي طالتها.
(الرجاء مراجعة نسخة الـ PDF على الصفحتين 4 و5)

معالم التحولات

الفندق

ما من مكان اجتماعي يعكس تطور ونمو ونسيج العلاقات الاجتماعية في ساحة التل كالفنادق التي تزايدت أعدادها مع الانتداب واتسعت أحجامها وتنوعت وظائفها وأدوارها. والعوامل التي تحكمت بهذا الاتساع والتعدد والتنوع كثيرة ومتشابكة.
وعلى هذا يمكن ملاحظة ان نمو الفنادق أخذ مسارات عدة:
أولاً: الأوتيل الذي تقصده العائلات المتحدرة من المناطق المنفتحة حديثاً على طرابلس وهنا أخذ الأوتيل تسمية مباشرة: الأرز، قاديشا، الكورة، وحصرون وادارته عائلة تخصصت بخدمات الأصطياف من مطاعم وأوتيلات في مسقط رأسها (بركات، عيسى الخوري، كيروز، عواد) فالنزوح الاشتائي من الجبل إلى طرابلس ارتبط بحركة الاصطياف الطرابلسي هناك. والفندق لعب دور «البانسيون» أو مكان الإقامة الطويلة العائلية أو الفردية في الحالتين: الاصطياف والإشتاء.
ثانياً: أدى التخصص في افتتاح الفنادق ورواج هذه المؤسسات في مدن شمالي سوريا وبيروت وطرابلس إلى نوع من التبادل في هذا المجال. فكان الطرابلسي يقصد هذه المدن ويفتتح فندقاً هناك يدعوه غالباً باسم منطقته الأصل لاستقطاب إقامة أبناء بلدته أثناء سفرهم. وفي المقابل يقصد طرابلس أفراد مماثلون ويفتتحون زهرة حمص أو حماه أو سوريا الخ..
ثالثاً: أدى الوجود الأوروبي وأجواء النخبة المحلية وتطور الحياة الاجتماعية إلى افتتاح أوتيلات حديثة كان أهمها في البداية أوتيل بلازا، وفي جريدة «الصباح» في 18/5/1962 جاء: «.. بعد ظهر الأحد، اجتمع في أوتيل بلازا نخبة من سيدات الفيحاء وسادتها تلبية للدعوة وقد دهشوا للعناية المبذولة التي جعلت هذا الفندق من أفضل الفنادق في البلاد موقعاً ومعدات. وبعد ان انتظم عقد المدعوين.. قام الجمهور إلى مائدة حوت أفخر أنواع الشمبانيا والحلويات. وقرب الغروب، أنفض المدعوون يثنون على صاحب الدعوة أنيس نوفل وقد أنفق أكثر من ألفي ليرة عثمانية ذهباً ثمناً للمفروشات..».
ومن صحيفة المكان العقارية: «الطابق الأول ومعروف بأوتيل بلازا ويحتوى على 18 قطعة للسكن ومطبخين وايوانين مسقوفين فسيحين وثلاثة مداخل مسقوفة وحمام وكنيفين يعلوهما متخت ومغسلين وقطعة للحطب ومشرفين على الطريق العام وفسحة سماوية..».
لقد تعدت وظيفة الأوتيل مجرد تأمين المنامة فهو مطعم تكريمي من الطراز الرفيع «أقامت بلدية طرابلس مأدبة شائقة لحاشية فخامة المفوض السامي وحضرة وزير الداخلية في نزل بلازا الشهير» («الصباح» 19/11/1926).. «وفد الثغر من بيروت نخبة من سيدات الفضل لزيارة الفيحاء والتعرف بالجمعيات النسائية فاستقبلهن رهط من سيدات الفيحاء وأقيمت مأدبة عامرة في أوتيل بلازا» («الصباح» 24/1/1933) «.. وفي المساء، أدّبت لجنة اليوبيل (تكريم بلبل سوريا عبدالحميد بك الرافعي في 7 نيسان 1929) مأدبة أنيقة في نزل بلازا جلس إليها ما ينيف على الخمسين مدعواً من رجال السلطة والأعيان والصحافيين والوفود وقد تبودلت عليها أطايب الحديث وبرز النزل بحلة زاهية كأنما هو يريد ان يشارك القوم في تكريمهم رجل العبقرية والنبوغ».
والأوتيل مكان لحفلات الشباب الراقصة وأجوائهم وكرنفالهم.. «قامت دعاية جميلة إلى دعوة «رقص غربي» يحكم فيها بجوائز للفائزين والفائزات في قصر الأرز الفندق الجديد لصاحبه الأستاذ يوسف أفندي رحمة، كانت الحفلة الجميلة رقص غربي بثياب غريبة.. وأقبلت السيدات يزملن بالثياب القديمة.. وفازت الأولى السيدة ماري رحمة خائطة من بيروت، الثاني صاحب الفندق نفسه» («الصباح» في 22/9/1933).
وبسبب قيام السلطات الفرنسية في دمشق باعتقال بعض رجال الحركة الوطنية السورية ونفيهم لمدد طويلة إلى بلدتي أميون ودوما في شمالي لبنان فإن عائلات المعتقلين وأصدقاءهم وأصحاب الوساطات والصحافيين اتخذوا من طرابلس أمكنة دائمة أو مؤقتة لهم وبالذات في فنادقها التي كان قسم كبير منها أقرب إلى النمط الدمشقي في أثاثه. وكذلك فإن التواصل بين طرابلس ومدن شمال سوريا كان قوياً على مستويات عدة: سياسية واقتصادية وعائلية واجتماعية وهو ما كان ينعكس في التل: مقاه ومطاعم وفنادق.
وعرف التل مكاناً للإقامة والزيارات الدائمة للجيل الشاعري في تلك الأيام: الجواهري، النجفي، بدوي الجبل.
وعندما افتتح ألفرد حكيم فندقه المعروف باسمه في الطابق الأول من بناية عزالدين، أعتبر هذا المكان المفضل للمقيمين الأجانب وخصوصاً العسكريين منهم وكبار الزوار الرسميين. وإلى هذا الأوتيل تنسب الروايات الشعبية إطلاق الرصاص على موكب فوزي القاوقجي في نهاية الأربعينات وما نتج عنه من مجزرة واسعة.
وهنا أيضاً اختلفت مستويات الأوتيلات في الذهنية العامة بالنسبة «للأخلاقيات الحساسة» فجرى تصنيفها ما بين أوتيل «حسن» وأوتيل تجري فيه «الموبقات» التي أضيف إليها معيار سياسي كمكان لإقامة «الأجنبي» أو «الوطني».
تجاورت معظم الفنادق في التل مع المقهى والحديقة العامة. ودعي فندق بإسم «المنظر الجميل» وأوتيل بلازا كان يطل على المنشية ويحاذيه مقهى الروضة. وبجانبه أوتيل نيو رويال، وأوتيل حكيم كان فوق مقهى فهيم مباشرة وأوتيل رويال بجانب مسرح زهرة الفيحاء. وأدى الفندق بالتالي إلى تكثيف التجاور ما بين: الملهى، السينما، المسرح، المقهى، الأوتيل، الكاراج، مخزن التبضع، الحديقة العامة، النصب التذكاري المميز، أي المكونات الأساسية للساحة المركزية في المدينة الحديثة.

الملاهي

عرف التل الملهى في أواخر العهد العثماني من خلال حفلات قليلة أقيمت في مسرح زهرة الفيحاء وفي قهوة الرمانة وفي الأحياء الداخلية. وحفلاته أقتصرت على فرق تمثيلية وراقصة فتداخل المقهى – المسرح – الملهى هنا. لكن الملهى الانتدابي أخذ شكله المحدد ووظيفته الواضحة من خلال ما سمي بالبار والكاباريه. والبار هو المكان الذي تقدم فيه المشروبات الروحية الأجنبية (مع أو بدون مضيفات) والكاباريه هو المكان الذي تقدم فيه نفس المشروبات مع بروغرام فني عبارة عن لوحات راقصة لفنانات محترفات. وكل إمرأة عملت في هذين المكانين سواء كانت مضيفة (بارميد) أو راقصة فنانة دعيت باسم شائع هو ارتيست.
والملهى بهذا المعنى نشأ في إطار حاجات الترفيه عن جنود الحلفاء بعد دخولهم البلاد. والبار مكان ضيق متطاول على امتداده بار خشبي وخلفه زجاجات المشروب الأجنبية غالباً وأضواء خافتة ملونة وموسيقى فونوغراف ثم صندوق الموسيقى فيما بعد.
أما الكاباريه فمكان متسع له مسرح وطاولات جلوس ونفس الأضواء والموسيقى وقد تكون له حديقة صيفية (كاباريه بالاليكا وكازينو طرابلس). وثمة أمكنة مشروب وطعام شعبية سميت بـ «الخمارة» وقدمت العرق البلدي وكانت منزوية عن الطريق العام ومستوى أرضيتها قد يكون منخفضاً ونوعية زبائنها من المحليين أو الريفيين المدقعين. بينما البار أو الكاباريه له واجهة جذابة وقد يكون على الطريق الرئيسي مع مدخل فرعي أو في ثنايا بعض الأبنية.
زبائن الملاهي تعدوا إطار الجنود فقد اصبحوا من المحليين أو الزائرين أو السائحين أو رجال الأساطيل. والعاملات تنوعت جنسياتهن الأجنبية، الأوروبية والأرمنية، من شبكة تتصل بملاهي بيروت وحلب. ونسجت قصص حب ووله كثيرة بهن كما ساد بذخ غير مألوف في بيئة أشتهرت بتقشفها وحرصها.
وإذا كان شارع يزبك يمكن اعتباره شارع «الأريستقراطية أو النخبة المحلية والفرنسية» فإن ملاهي هذا الشارع قد حافظت على مستوى معين (Raffine) بالمقارنة مع ملاهي التل وعز الدين.
وفي هذا السياق، جرى تحويل الطبقة الأولى من قصر نوفل إلى «كازينو طرابلس» وزبائنه من النخبة الأجنبية والمحلية. والكازينو أشتمل على «بروغرام فني راقص» وحلبة رقص وأوركسترا أجنبية وله حديقة صيفية مشهورة. ثم توسع ليضم صالتي سينما وبليارد خاصتين باعتبار ان رواد الكازينو اعتبروا شبه أعضاء في نادٍ شبه خاص خصوصاً وان من بينهم كبار الضباط العسكريين الفرنسيين والمحليين. وفي وقت لاحق، تحول الكازينو إلى ناد مغلق لكبار موظفي شركة نفط العراق وعائلاتهم الذين كانوا بأكثريتهم الساحقة من البريطانيين وأصبح الكازينو بذلك أكثر خصوصية وانغلاقاً. وهو نهاراً لأولاد العائلات حيث أقيمت فيه صالات تزلج (سكي على الرخام) وملاعب تنس.
وفي هذا المكان أقيمت اول حفلة انتخاب ملكة جمال من طرابلس اقتداء بانتخاب مماثل جرى في بيت مري وفي التفاصيل من جريدة «الصباح» في 7/9/1932: «أقامت إدارة نزل بيت مري الكبرى حفلة راقصة منحت في نهايتها لقب آنسة لبنان إلى حضرة مواطنتنا الآنسة ايفا كريمة المرحوم قيصر بك نوفل. ولما اتصل هذا الخبر بكازينو طرابلس، باشرت طائفة من السيدات والشبان انتخاب ملكة لتمثيل الجمال الطرابلسي من بين الموجودات ففازت بأكثرية الأصوات حضرة الآنسة أنجيل كريمة السيد إبراهيم كويك وجاءت في الدرجة الثانية الآنستان ميدزا كريمة السيد انطوان عقدة وصونيا كريمة السيد ميتوبويوف».
وأيفا نوفل سيقيض لها أن تصبح – هي وقصرها – محط حديث الناس إعجاباً أو استهجاناً ووقعت في قصرها جريمة قتل غامضة بملابساتها إذ دخل مقنع واغتال شخصاً هناك فنمت أدبيات متعددة حول هذا المكان وما يدور فيه لا سيما وان له مدخلاً جانبياً شبه سري… وكان للصحافة المحلية هنا دورها في تناول الموضوع بأسلوب فضائحي مشوق فرض اتجاهه فيما بعد صحافياً باعتباره مادة مشوقة ومرغوباً بها مما أعطى لعالم التل معنى خاصاً وكأنه أسلوب حياة: سهر وخمر وقمار ونساء.. وارتبط كل ذلك بتفصيل لا علاقة مباشرة له بعالم الملاهي وهو جملة إفلاسات وتفليسات سببها صدور قانون يفيد بأن «المديونين لا يحبسون» فأسرع حملة السندات الدائنة بإلقاء الحجز على أملاك مدينيهم وبيعها بالمزاد العلني. وأرجع الحديث الشعبي سبب ذلك إلى البذخ على نساء الملاهي.
لقد بدأ التل يكسب صيته السيئ على مستوى «الأخلاقيات الحساسة» وإذا كان نفس المكان قد أبعد البغاء الرسمي قبل ربع قرن فلقد أصبح مألوفاً انتشار القصص النسائية والاجتماعية والصحافية عن هذه المواضيع «اشتباك مع جنود سنغاليين يرافقون مومسات في شارع عزمي»، «يلاحظ ان رواد الملاهي كلهم من أولئك الأبطال الذين لا يتعبون في استحصال هذه الأموال بالحرام» «وأما القمار في منتديات القمار والملاهي فهذا مما لا يرى» «فهل للحكومة ان تمنع بيوت البغاء القائمة في أحياء البيوتات الكريمة» الخ.. («الصباح في 27/3 و21/9 و22/10 من العام 1962).
ولقد ارتبط بعالم الملاهي الليلية الأوتيل الخاص. فهذا الفندق خاص بمنامة الفنانات وحافظ – مبدئياً – على صرامة وأعراف تقضي بمنع الرجال والنزلاء والضيوف الذكور من الدخول إليه بينما الفنانات فيه. وإذا كان البغاء الرسمي ظل معمولاً به حصراً فوق الريح في الميناء فإنه استوجب الحصول على ترخيص من مدير الشرطة بالنسبة للعاملات فيه. وبالنسبة للتل، فإن خروقات هذا القانون تقع تحت طائلة العقوبات وما عرف شعبياً بـ «الكبسات» أي دوريات الشرطة المفاجئة وحملات المداهمة.
وارتبط أيضاً بالملهى المطعم الليلي الذي يقدم وجبات خاصة للفنانات بعد الانتهاء من العمل. ومن أصناف المأكولات الليلية: المشاوي والمقالي (بيض غنم، سودا، كباب) والحمص بالطحينة وفتة الحمص..
وعرف التل أيضاً «الجيغولو» أو حامي الفنانة الذي يتعاطى أيضاً أعمالاً هامشية: القمار، سباق الخيل، تأدية الخدمات الخاصة وللسلطة عموماً (الحماية مقابل الخدمات) و«الجيغولو» أو «الغوريلا» هو بمعنى حامي الفنانة.. وليس بالمعنى الذي تطور فيما بعد في الغرب: غاوي السائحة أو الثرية الهرمة. وهنا ينبغي التمييز بين «القبضاي والجيغولو». فالقبضاي في الحي الداخلي هو غير الجيغولو في التل.. وقد يكون الاثنان متحدرين من حي شعبي وقد ينشأ الجيغولو عن حالة قبضاي. وكان التل يجمع بين الاثنين.. إلاّ أن اللغة الاجتماعية الشعبية، أنكرت القيمة الاجتماعية للأول ووصفته بعاميتها «بأقذع الأوصاف» فيما أبقت الثاني وسط هالة مغايرة من التقدير رغم انه قد يتعاطى أعمالاً متعارضة مع القانون والعرف العام: التهريب والخوات..
ان كلا الاثنين لعبا أدواراً حسية وفعالة على مستوى التل.. في البداية، تقوقع القبضاي في الحي الداخلي ونسج نفسه في شبكة معارضة ذات مضمون سياسي وحافظ على موقعه ودلالاته وسط جماعته المحلية.. في حين أنسلخ «الجيغولو» شيئاً فشيئاً عن بيئته الشعبية وعمل في إطار السلطة النافذة.. ان كلا «الممثلين» التقيا مراراً (حول الزعيم السياسي وقد يكون واحداً ويحتاج إلى كليهما في آن) لكن الأدوار كانت في جوهرها مغايرة وتفترق حول الموقف من السلطة والعلاقة بها أحياناً وحول الموقف من النساء إجمالاً: حماية الأرتيست في التل ليس كحماية الأسرة المستضعفة وستر أحوالها في الحي الشعبي. ومستوى المواجهة بينهما ليس مسطحاً، فالقبضاي في افتراقه عن الجيغولو «أرفع مستوى منه بل وأكثر شجاعة ورجولة» في اذهانهما معاً وفي الذهنية العامة كذلك..

حفلات المدارس والإرساليات

مع نمو التل، تطورت مدارس الإرساليات والبعثات الأجنبية والمدارس الوطنية الناشئة وهي كانت تنتمي جغرافياً إلى حدود التل.. فراهبات الإحسان بين النوري والتل. والكرملية ما وراء كاراج الترامواي وتحاذيها إرسالية الفرير. ومدرستا، الأميركان الإنجيلية للإناث، والأرثوذكسية الوطنية للإناث تتجاوران في الزاهرية على بعد خمسين متراً من التل الشمالي. ودار التربية والتعليم الإسلامية هي على نهاية امتداد الشارع المستقيم المواجه للساعة شرقاً. هذا التوزع الجغرافي للمدارس يقع في مروحة التل العمرانية والاجتماعية.. وفي حين ان المدرسة الرسمية كانت محدودة العدد والاستيعاب فإن الإرساليات والمدارس الخاصة شدت إليها بنات وأبناء القوى الفاعلة والمتحركة والقاطنة في ساحة التل.
لم يقتصر دور هذه المدارس على الإعداد التربوي والتعليمي والبحث ففي كل مدرسة، تشكّل إطار يهدف إلى توليد وتوجيه النشاطات اللاصفّية والتي كانت تتجلى على الأقل في مناسبتي الربيع وبداية الصيف حيث عطلة نهاية العام الدراسي.. وفي كل مدرسة، نشأت قاعة مسرح عرضت من خلالها هذه النشاطات المتنوعة والتي كانت تعكس بمجموعها لغة وخطاباً اجتماعياً واقعياً وسائداً وحيث كل مدرسة تنسج على منوالها:
فالإنجيلية: البيانو والآرغن والخطيب الواعظ المتماثل مع القس والتطرق إلى المواضيع الحساسة وإذكاء روح المنافسة بين الطلاب.
والكرملية الإيطالية: النشيد الوطني الإيطالي وتراتيل دينية واستحضار الخلاف الشعوبي في العهد العباسي وتمثيله.
والفرير: النشيد الوطني الفرنسي وحرص شديد على اللغة العربية الفصحى تمثيلاً وخطابة ودعوة إلى التآلف والمحبة بين «الطوائف».
وراهبات الإحسان: المنبر الخطابي لأفكار يوسف السودا مع الانفتاح المحلي على سيدات المجتمع.
ودار التربية والتعليم الإسلامية الناشئة عن تناقض مع الفرير: أناشيد دينية وتمثيلية حول شؤون وقضايا المجتمع الإسلامي (غلاء المهور والسفور والحجاب).
والأرثوذكس: حضور نسائي مميز..
وحول كل هذه الفسيفساء الاحتفالية المتنافرة تتشكل أندية الراشدين سنا ( أو أندية الأهل) على شكل «محافل» نخبوية فمنها «الإنجيلي الماسوني» في الأميركية، و«الكاثوليكي» في الفرير والكرملية، و«دعاة الوحدة السورية» في الكلية الإسلامية، و«الوطنية الجامعة» في الأرثوذكسية.
فالتنشئة التربوية هنا هي في جوهرها اجتماعية بقدر ما هي سياسية.
فمن جهة، سعت هذه التنشئة الاجتماعية إلى إعداد أجيال صاعدة لاستلهام وتذوق حساسية مكان وزمان جديدين واكتساب عاداتهما والإنداماج في أفقهما: موسيقى وتمثيل وأشغال يدوية وأهمية «المحامي في المجتمع» وكذلك العلم والتمكن من اللغات والتواصل مع الثقافة العالمية والإعداد المتين لاكتساب المهن المستقبلية في المجتمع.. ومن جهة ثانية، عكست هذه التنشئة التنافرات الحاصلة في الواقع وكرستها… فالمدرسة ليست مؤسسة تعليمية فحسب، انها مؤسسة تتلقى الايديولوجيا وتعيد إنتاجها.
وثمة دور مسند إلى هذه المؤسسات التي لم تتضح أخطار مفارقاتها إلاّ فيما بعد..
حيث حدث ذات مرة أن أصبح الطلاب أسياد الشارع – ومنها التل – بطبيعة الحال. ويومها استيقظت تلك الرواسب الثقافية الدفينة بعد أربعة أجيال طلابية على الأقل وكأن أحد ادوار تلك المؤسسات كان تحويل تناقضات الواقع المعيوش إلى رموز لا واعية..
Loading...