طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة (8 ــ الاخيرة)

في العام 1988 أنجز الإعلامي الراحل طلال منجد دراسته «مجتمع النهر في طرابلس» التي خولته نيل شهادة الجدارة في العلوم الاجتماعية. وفي العام 1990 أنجز بحثاً بعنوان «ساحة التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة»، ما خوّله نيل شهادة دبلوم الدراسات المعمقة في العلوم الاجتماعية .
«التمدن»، التي كان الراحل أحد أفراد أسرتها، والتي سبق أن نشرت على حلقات دراسة «مجتمع النهر»، نشرت، وعلى حلقات أيضاً، دراسة «ساحة التل» القيّمة جداً، والتي تعتبر أهم دراسة اجتماعية وعمرانية وتاريخية، والى حد ما سياسية، تناولت وسط مدينة طرابلس.
في هذا العدد ننشر الحلقة الثامنة والاخيرة، وفيها: المرأة والبيت، التل في عين الصحافة والخاتمة التي اعطاها الراحل المنجد عنوان «من اين تدخل الى المدينة».
وكانت الحلقات السبع السابقة قد تناولت ما يلي: رحاب المدينة، ولادة المجالس البلدية، تل الرمل: من استعراض الجند الى حروبهم، الطريق: ترامواي الخيل، نشأة الابنية والادارات الرسمية، الساعة والمصلى، ديموغرافية التل: السكان والعائلات الاولى، نشأة الابنية الخاصة ، المقهى ــ الحديقة، التل زمن سايكس ــ بيكو، منشية البلدية: خمسة أضلاع، بانوراما التل، هيبة السلطة الانتدابية، ومعالم التحولات: السينما، المقهى، الملهى، الفندق وحفلات المدارس.
وفي المقدمة التي كتبها الراحل منجد لبحثه قال إن «هذا البحث يتناول سياق نشوء ساحة التل في طرابلس وتكويناتها العمرانية والاجتماعية، سواء كمحلة جديدة نشأت خارج بوابات الداخل المركزي في أواخر العهد العثماني أم كساحة مركزية ابتداء من العهد الانتدابي. والتقسيم التاريخي هنا – ما بين عهدين عثماني وانتدابي – يندرج تحت مفهوم دراسة الزمان والمكان الاجتماعيين، حيث شكلت نتائج الحرب العالمية الأولى حداً فاصلاً بينهما مثلما مهدت لانتقال سريع ما بين المستويين. وإذ يلتزم البحث بحدوده الاجتماعية والثقافية فإنه يستعين ضمناً – وفيما لزم – بالبعد السياسي الذي يوضح ويضيء ويكشف دينامية كل مستوى. ويتوقف البحث زمنياً عند مطلع الحرب العالمية الثانية بوصفها قد مهدت لما عرف بالاستقلال أو انسحاب الوجود الاجنبي المباشر».
مع نشر هذه الدراسة نتذكر طلال منجد، الذي كان غارقاً حتى النخاع في حب مدينته، والذي كرّس كل عمره وجهده وتعبه وقلقه وإبداعه وألمعيته في سبيل الإضاءة على هذه المدينة العريقة، في مواجهة كل الاساءات التي طالتها.
(الرجاء مراجعة نسخة الـ PDF على الصفحتين 4 و5)

المرأة والبيت

بعدما كان محرماً عليها حتى ارتياد شرفة المنزل، تبدل موقع المرأة في التل فهي بائعة تتقن اللغات وسكرتيرة وخطيبة مهرجان أدبي واجتماعي وطالبة متفوقة ومعلمة في شتى المواد وطبيبة متخصصة وممثلة مبتدئة متطوعة أو محترفة ولاعبة رياضية وفاعلة خير تجمع التبرعات ثم هي مضيفة منزل تعزف البيانو وتقدم الشمبانيا وملكة جمال منتخبة وصبية مراهقة ترقص في حفلة كرنفال ثم هي أرتيست في كاباريه ونجمة استعراض راقص وموضوع للتلطيش أمام مقهى فهيم ثم هي مناضلة ومتظاهرة ترفع علم المعارضة…. هذه الأدوار المختلفة لوضع المرأة قابله الوضع السابق عليه وأحياناً مع تحفظ وتشدد أكثر أو صيغة توفيقية ما بين الوضعين… ان الطالبة المحافظة ذهبت إلى المدرسة وتخرجت ولم تخلع المنديل الأسود الذي كان يغطي كامل وجهها. وعندما خلعت أول إمرأة في طرابلس وهي قابلة قانونية، علمية السبع، النقاب عن وجهها، أثار عملها الدهشة والاستغراب ثم كرّت السبحة.
ساهمت المرأة الفرنسية في بلورة الصورة السابقة ودفعت بالعادات والتقاليد الغربية إلى التفاعل مع المجتمع المحلي وكان مكانها التل. وهي حلّقت حولها زوجات كبار الموظفين ونساء العائلات الغنية المتحدرة من المتصرفية أو من أصول محلية مكونة بذلك أجواء ذات نمط غربي… من استيحاء موسيقى ذلك العصر وأزيائه إلى لعب الورق إلى قصص غرامياته.. إلى أدوار إنسانية وثقافية كتأسيس الصليب الأحمر والتطوع في الجمعيات الإنسانية ورعاية الأطفال والانخراط في سلك الراهبات الفرنسيات الإرساليات.
وإذا كان البيت يعتبر حيزاً نسائياً، فقد ترافق مع التحول في وضع المرأة تغييرات ملموسة في أسلوب بناء البيوت وموادها وتقسيماتها ووظائفها ثم التوسع المضطرد لأثاث البيت والتواصل مع العادات البيروتية والأوروبية.
لم تخرج الأبنية الأولى المعاصرة للانتداب عن نمطها العثماني المتأخر إلاّ ان أسلوباً فرنسياً واضح السمات ظهر بكثافة وخصوصاً في فراغات التل الرملية: شارعي يزبك وعزالدين.. وتمثل بازدياد الأبعاد العامودية (أكثر من ثلاث طبقات) وشقق مستقلة متجاورة ومتقابلة في الطابق الواحد (بنايات عريضة ويزبك والصراف) واختفاء الزخرفة الخارجية وازدياد الاعتناء بالسلالم والمداخل التي جُعلت واسعة. واستعمل الباطون والإسمنت لأول مرة إلى ان اكتسحت هذه المادة أسلوب البناء بدلاً من استعمال قطع الحجارة الصخرية أو الرملية أو الحيطان الخشبية المطيّنة.
وفي داخل البيت، لم تعد الخصوصية هامة، فقد تلاصقت الشرفات وأطلت الشبابيك الجانبية والرئيسية على بعضها البعض. وأفردت مساحات أكبر للشرفات وخاصة في الطابق الأخير التي حلّت محل الايوان صيفاً كمكان للاجتماع.
وبسبب استعمال الكهرباء في الإضاءة، تراجع دور كوّات الإضاءة والفسح الداخلية المكشوفة التي تتلقى الهواء والنور. ولم يعد عزل الضيف أو ابعاده عن خصوصية المنزل معياراً رئيسياً فالصالون المتداخل مع غرفة الطعام وغرفة الجلوس هو حيّز وسط البيت، ويلاحظ ان دور الايوان قد تضاءلت مهمته في جمع أفراد العائلة التي تحول اتجاهها نحو تكريس فردية أعضائها أو استقلاليتهم داخل العائلة الواحدة، حتى ان من العادات المستجدة غرفتي نوم منفصلتين لكل من الزوج والزوجة وغرف نوم مستقلة للأولاد وبعيدة عن غرف الأهل.
وفي آن فإن أثاث البيت قد تكاثرت مفرداته واتجهت من الاستعمال المباشر والانتاج المحلي إلى الاستعراضية والاستيراد في جميع تقسيمات البيت: المطبخ، غرف النوم والطعام والجلوس والصالون. ولما كان صعباً على اللغة المحكية اشتقاق أوصاف وتسميات سريعة لهذا الدفق من الادوات والمعدات فقد سمتها بمفرداتها الأجنبية. وشمل ذلك عموماً مختلف السلع الجديدة في البيت وخارجه، مع الملاحظ بأن المتعلق منها بالبيت كان أكثر عدداً.
وجرى تمثّل العادات الاجتماعية الجديدة على مستوى التفاعل معها داخل البيت بكيفيتين:
الأولى استوعبت جديداً وقدمته في إطار التقليد السائد، والثانية كانت مباشرة دون لبس في «الإتيكيت» الاجتماعية.
– فعلى مستوى الكيفية الأولى، ومن عرس واصف عزالدين وقصره في التل انه عند وصول موكب العرس «استقبلته الموسيقى الإيطالية بأنغام الأفراح وبدأ المهرجان الكبير وقدمت أكواب المرطبات وأطباق الحلوى وقصائد شعرية ثم تلا فضيلة القاضي أمين عزالدين سيرة المولد النبوي الكريم.. وكان العريس قد أعد في قصره «بيفه» للسيدات و«بيفه» للرجال..» (جريدة «الصباح» في 27-5-1927) .
و«البوفيه» لم تكن معروفة في العرس التقليدي الطرابلسي. وإضافتها جرت ضمن تقليد الفصل بين الجنسين.. وكذلك يلاحظ الازدواجية ما بين الموسيقى الإيطالية وسيرة المولد.
– ومن الكيفية الثانية «زار المطران جرمانوس شحادة الفيحاء وهو معروف برخامة صوته وقد رد سيادته الزيارات ومنهم للوجيه السيد أديب يزبك. وعند دخول سيادته الدار، استقبلته الآنسة فريدة بعزف النشيد الوطني اللبناني على البيانو. وبعد التعارف والتحدث قليلاً، دعت صاحبة الدار السيدة حنة الجمهور الحاضر إلى المقصف الفاخر المليء والمهيىء على ابدع نسق وعندما دارت كؤوس الشمبانيا، رفع سيادته الكأس بيده وشرب نخب صاحب الدعوة وأنشد ترنيمة كنائسية»(«الصباح» 20-10-1932).

التل في عين الصحافة

أمسى التل – كمكان اجتماعي حديث – ملتقى رجال القلم الذين وجدوا في الصحافة مجالهم الحيوي كتابة ونشراً. وهذا المكان استوعب المطابع الرئيسية التي كانت تتولى طباعة صحف تلك الأيام (مطابع البلاغة والحضارة واللواء).
وبين الصحف العديدة التي شهدتها طرابلس مع الانتداب، انشأ المحامي سليم غنطوس من أميون جريدة «الصباح» عام 1926، التي واكبت السنين الأولى من الانتداب محافظة على الصدور رغم تعطيلها مراراً. وعلى مدى أكثر من ثمانية أعوام عبّرت «الصباح» عن خط سياسي رافِض للانتداب ومطالِب بانضمام طرابلس للوحدة السورية لتصبح مرفأها الرئيسي، متجاوزاً الأبعاد الايديولوجية لهذه المسألة. وفي الوقت نفسه، فإن المحامي غنطوس كان أحد الفاعليات الأرثوذكسية المؤيدة للمعارضة الطرابلسية ثم كان محامياً في قلب ساحة التل، أي في السراي، وكان شاعراً ورئيس لجنة الدفاع عن المستأجرين.. كل هذه العوامل، جعلت من «الصباح» جريدة فاعلة ومتحركة، أفردت مساحات واسعة من صفحاتها لتغطية شؤون المجتمع المحلي. وعملياً لا ينتمي صاحب «الصباح» ورئيس تحريرها إلى الخصوصية الطرابلسية المحلية الداخلية. ولذلك، وباستثناء المسألة السياسية المباشرة، فإن الصحيفة كانت ترى «القضايا المحلية» قضايا وشؤون ساحة التل بالذات، سواء من ناحية تغطية الحدث الثقافي والاجتماعي أم من زاوية النقد الصحافي.
فالتل في عين الصحيفة هو «البقعة المباركة» وتحت هذا العنوان، كتبت تنتقد نقائص المكان: «مفردات ومرادفات الألفاظ البذيئة في البقعة المباركة الواقعة إلى شرقي السراي والفسحة الكائنة أمام البنايات الشاهقة في طريق بيروت حيث تقوم الأخاديد والحفر فتمنع المارة شتاء من الأوحال والمياه وفي الصيف غبار يعمي المارة فالبلدية تهملها من الإصلاح حتى ومن الرش أيضاً إلاّ في النادر. وعند الفجر، تجتمع كل الحمالين ينتظرون القادمين من الجهات يحملون زيتاً أو لبناً أو غير ذلك ويتسابقون على حملها فتقوم المعركة والصياح والضجيج ويسلبون راحة الأهلين ويتبادلون مفردات ومرادفات الألفاظ المهذبة العالية.
وفي النهار، يجتمع السائقون ويتزاحمون على وضع سياراتهم وعلى ركابهم وخصوصاً السيارات الكبيرة. ويجتمع بعض من لا أخلاق لهم في الساحة العامة بحجة ان القهاوي أمامها وهناك حدِّث عن السحر الحلال ومربى الدلال ويا حبيبي.
ويأتي الليل فنجد كل سكير يصفي في هذا الطريق وكل من يريد أن يجرب الرجولة والبطولة يغدو هناك. فرجاؤنا إلى البلدية المحترمة ولا سيما حضرة رئيسها ان يحوِّل بعض عنايته إلى هذه البقعة الملعونة فتغدو مباركة أي جنة فاخرة. ونرجو حضرة رئيس الشرطة ان يضع نقطة في تلك الجهة المحتاجة جدا» («الصباح» في 17-5-1933).
وتتعرض الصحيفة بشكل دائم لمسألة استعصت على الحل وهي انعدام وجود مرحاض عام في التل، مما حوّل زوايا معينة فيه إلى أمكنة بديلة مكشوفة «ففي التل مجتمع الناس في التنزه وفي السهر وهو مركز السراي والمقاهي وكل ذلك يدعو إلى كثرة الناس فيه ليلاً ونهاراً فالحاجة تدعو إلى إنشاء مراحيض صحية وحديثة وهي معدومة» (19-11-1926). «يلاحظ كثيرون ضرورة إنشاء مراحيض متعددة على التل لشدة الحاجة إليها خصوصاً بعد إتمام الحديقة العامة فيها فكثرة الناس ومركز التل يقضيان بذلك» (24-4-1926).
وبناية الساعة «هذه البناية الجميلة المقامة في أحسن ميدان وبأجمل منتزه وعلى بعد عشرات الأمتار فقط من مقر الحكام والمأمورين، هذه البناية التي يجب ان تزداد جمالاً بتنسيق ما حولها وغرسه بالزهور الجميلة قد استحالت مرحاضاً قذراً مكشوفاً يؤمه قليلو الأدب والحياء على مرأى من المارة والمتنزهين من سيدات وأوانس وأولاد، فيا للعار»(21-9-1932). «وبدلاً من ان ننفق على البرك 50 ألف ليرة وبدلاً من ان نرصف جدران السراي بالكهرباء ليتألق منها جملاً تنادي بحياة الجمهورية واستقلال لبنان، ليت بلدية طرابلس، أنشأت مرحاضاً عاماً» (5-5-1932).
قضية المراحيض العامة التي أقلقت «الصباح» مثلما سكان التل لم تبق بدون حل ففيما بعد جرى إنشاء مرحاض عام خلف الساعة وبجانب سور المنشية أي في المكان ذاته الذي سبق ان تحول إلى مرحاض مكشوف.. لكنه لم يستطع تأمين وظيفته إذ فاضت مياهه وتكدست قاذوراته رغم إصلاحه مراراً، الأمر الذي شكل ظاهرة محيرة: لماذا فشل مرحاض التل في تأدية وظيفته في حين ان مراحيض الأسواق الداخلية تؤدي وظيفتها بنجاح مع ان العكس هو الذي يتبادر للذهن.
ان «نظافة التل» المادية والمعنوية تبقى هاجس «الصباح» ولذلك فهي تلتقط أي تفصيل يتعلق بالمسألة: مخلفات حيوانات السيرك، ثياب وروائح المتسولين، طريقة تقديم الماء في المقاهي، ألعاب القمار الشعبية:«بلغنا ان سيرك الوحوش المقيم بجانب من التل يقتل يومياً عدة حيوانات ليطعمها للوحوش المفترسة التي تصحبه ويلقي بقاذوراتها بجانب البيوت الكثيرة بعد ان يحفر لها حفرة صغيرة»(10-6-1927). «ويأتيك من ناحية المتسولون بالأثواب البالية ورائحة العفونة والقذارة تنبعث من جسومهم وثيابهم فيملئون الطرقات ويأمون الملاهي والمقاهي ويرتادون البيوت ثم يرتاحون في المنعطفات «يفلّون» ثيابهم ويرمون بالقمل والبراغيت على الطرقات.. ولتنشأ المراحيض ولتسهر جلاوزة البلدية على مراقبة المبولين في الطريق فتقودهم إلى مخافر الشرطة وليطرد المتسولون طرداً صحيحاً بعطف ولين وتوسل بضمانة أكيدة كل متسول إلى بلده والا يطبق عليه قانون التشرد» (7-5-1932).
«يحمل بعض «البلافين» أكياساً صغيرة فيها حبات مرقومة يسمونها يانصيب يتخذون شركاً لقبض أموال البسطاء السذج. فإذا كان هؤلاء يأتون عملهم بإجازة وسماح من الشرطة فقد ظلمت الشرطة الناس ونالهم أذى منها. وان كانوا يقامرون بغير ترخيص فيجب ان تغّل أيديهم وان يهذبوا رحمة بالناس وبأموالهم» (4-8-1926).
وعن وصف الكشتبان «.. صندوقة خشبية ذات وجه زجاجي المحتوية على صابون وروائح وسكاكين وموزيكات أولاد وأمشاط شعر وعلب بودرة، وقف بها صاحبها في الطريق العام واركزها على سيبة خشبية وضع على وجهها كشتباناً تحته حبة سوداء كحبة الفلفل وبالقرب منه كشتباناً آخر وهو يداعبها بيديه ذهاباً وإياباً وطولاً وعرضاً ومعكوساً وينادي بأعلى صوته: نصيب نصيب». (15-4-1926).
لم تقتصر الكتابة الصحافية على نقد ما تراه العين المدنية نافراً في ساحة التل، بل دخلت في صلب المكان الاجتماعي الذي كانت تتأسس فيه عادات ومظاهر غير مألوفة ومنها لبس القبعة. لقد تابعت «الصباح» بأخبارها هذا الموضوع فأشارت إلى ارتداء الشبيبة الإسلامية في بيروت القبعات الغربية على أنواعها…. وخبر ثانٍ عن نشر الدكتور يعقوب ثابت المصري المعروف المقيم بين طرابلس وبيروت بياناً مطولاً يرى فيه الرجوع إلى العقال والكوفية خيراً من ارتداء القبعات (4-8-1926).
وخصصت الصباح مقالاً مطولاً بعنوان «لماذا نلبس القبعة» لكاتب صحافي شاب (احمد زكي افيوني) كان قد خلع لتوه ثوبه الديني واستقال من مزاولة عمله كمدرس شرعي في مدرسة المحمودية الدينية وانخرط في عالم التل وتناقضاته: «خطيب محفل ماسوني ورائد شيوعي وصحافي صاعد ومناضل ضد الانتداب الفرنسي» وهو كتب يقول عن ارتدائه القبعة «كنت أحسب ان ارتدائي القبعة وكل من شاء ذلك سوف لا يثير عاصفة حوار ومناقشة إلى هذا الحد فإذا بي ( أكتب هذا المقال) لأتخلص من وقفة في الشارع أو جلسة في المقهى ومن جدال طويل بين مستنكر ومحبذ أو مؤيد بعد حين» (17-6-1927).
ان التل هو المكان الذي تسود فيه العادات الاجتماعية الجديدة. وفي بيوتاته تروج التقليعات الآتية من الغرب: «إذا بالغرب ينهال علينا بلعبة جديدة دعوها «يويو» وهي عبارة عن قطعتي خشب مستديرتين تطبق الأولى على الثانية وبينهما اتصال مربوط بشريط طويل فترمى ثم ترفع للتسلية» (6-12-1932).
وعلى مستوى آخر، أبرزت «الصباح» الاحتفالات والتظاهرات بعيد المولد النبوي الشريف باعتباره عيداً قومياً وطنياً عظيماً «بقدر ما أدانت ظاهرة وتظاهرة «خميس المشايخ»».
وصفت الصباح تظاهرة المولد «.. ولُفت الأخشاب بالسجاد الفاخر العجمي وطافت فرق الكشاف والجمعيات بموسيقاها يعزفون وينشدون الأناشيد القومية والوطنية.. وبعد تأدية الصلاة عادوا بألطف نظام وساروا إلى دار الأستاذ كرامي.. لقد كانت طرابلس كلها في العيد ولم يكن بوليس ولا جندي ولا خفراء ولا دوريات إلاّ جلاوزة البلدية يفسحون الطريق أمام رجال الموسيقى ولم يحصل حادث واحد مكدر مما دل على ان الحوادث القديمة التي كانت تحصل لم يكن سببها الشعب بصورة من الصور وعيد أمس دليل ساطع وبرهان قاطع» (20-7-1932).
في حين، وقبل أسبوعين فقط، كانت «الصباح» قد رأت في توقيت «خميس المشايخ» التفافاً على خميس الإسراء عند الأرثوذكس و«ماركة مسجلة لأسيادنا المشائخ من حمص»، «وإن أحد باعة القشطة كان يركب حصاناً أو كديشاً ويرتمي بعض البسطاء على الأرض فيدوسهم الفارس برجلي حصانه ثم يقومون ويفتخرون بغبار البركة من حوافر الجواد على جسومهم.. اجتمعت فرق كثيرة لها أعلامها وشعائرها وموسيقاها وطبولها، ورموزها ورجالها وكانت نقطة الدائرة طرابلس فحسبنا يوم الخميس الماضي اننا في حرب أو في نفير عام وجرت المناورات والمناوشات والحركات والدوسات والدعسات وضرب الشيش وما أشبه من الخرافات الموجعة» (3-5-1932).
تحتاج «رؤية» الصحيفة هنا لكلا التظاهرتين – وهما من نفس الجذور والتقاليد الدينية – إلى استقراء تفصيلي لمكونات كل تظاهرة ومغزاها ودلالاتها وإلى موقع الرائي نفسه (أي الصحيفة) الذي أصبح يميز المعاني والمواقف انطلاقاً من ان «التل مكانه الاجتماعي» الذي تمر فيه هذه التظاهرات.
ان تظاهرة المولد – رغم مناسبتها الدينية – قد تطورت وتحولت في بعض وظائفها فهي في سياقها ذاك أصبحت تظاهرة سياسية تهدف لتأكيد الموقع السياسي «للأستاذ كرامي» الذي بدأ الانخراط في السياسة اللبنانية. لكن مكونات التظاهرة كانت حديثة العهد «الكشاف وموسيقاه» الذي بدأ يعيد عزف النوتات الكشفية الغربية ويسير على دعساتها النظامية المتوالية وهو مظهر انتمى وتأسس في التل «موسيقى واستعراض الجيش الفرنسي والفرق العسكرية المحلية». ومعيار «الصباح» لتظاهرة المولد كان «النظام» الذي سادها وعدم حدوث ما يعكر صفو الأمن… ان مصدر هذا المعيار هو تكيف الجمهور مع المكان وضوابطه. ويبدو «التثاقف» واضحاً ما بين تظاهرات المولد التي بدأت تتكرر كل عام برعاية وإشراف المؤسسات الدينية التي أصبحت مؤسسات رسمية وبين استعراضات الجيش الفرنسي ثم اللبناني التي كان التل ميدانها الرئيسي.
لقد حلت الفرق الكشفية مكان الفرق الصوفية وتبدلت الموسيقى وأدواتها واضيفت المشاعل الليلية المستمدة من تقليد عسكري فرنسي.. وكل الايقاع أصبح خاضعاً لخطوات الكشاف النظامية وموسيقاه. وبذلك جرى تفريغ الجمع من مضمونه الديني الاعتيادي بالاستبدال والإقصاء والاستيعاب، ليصبح استعراضاً منظماً متلائماً مع المكان الحديث.
في المقابل، فإن القوى التي أقصيت (الفرق الصوفية الشعبية ونوباتها) لم تستسلم لإلغاء موقعها ودورها.. فعمدت إلى المواجهة الدفاعية وأعادت تنظيم صفوفها وابتدعت «خميسها» وخصصته صراحة لها «خميس المشايخ». ووفقاً لما ذكرته «الصباح» «ان الدعوة في السنة الماضية اقتصرت على طرابلس، إنما في هذه السنة امتدت إلى اللاذقية وصيدا وبيروت والمنية والمينا وكثير من النواحي، ويظهر ان هذه الفكرة مدروسة وجرت المخابرة حتى اجتمع فريق كبير أو بالأحرى فرق كثيرة».
ان كل هذه المدن والبلدات كانت تتعرض لتغيير حاسم في هويتها وشخصيتها الأساسية المستوعبة، وانتشار ظاهرة «خمبس المشايخ» في طرابلس جاء في سياق معين:
مباشرة بعد نتائج الإحصاء العام الذي أظهر أكثرية مسيحية. والدور الذي لعبته الفرق الصوفية في طرابلس كان مركزياً حيث تناقلته عن تقليد شعبي في حمص وأعادت نشره وكأنها «نقطة الدائرة» مثلما لاحظت «الصباح».
لقد أصبح التل مرآة تعكس التناقضات وقوة محركة لها. فهو الميدان الرئيسي لاستعراض عدة مظاهر: بعضها يظهر القوة والنفوذ والآخر القلق والتوتر.. وعين «الصباح» هنا هامة انطلاقاً من رؤيتها مكانين وزمنين اجتماعيين: طرابلس الداخلية والتل.. ولوضعها معايير معينة.. فالنظافة مثلاً قيمة يجب ان تلحق بالتل وليس مهماً ان تلحق بالداخل.. والالتزام «بالنظام» هو أساس السلوك الاجتماعي حتى ولو كان سياسياً «معارضاً».

من أين تدخل إلى المدينة؟

خاتمة ملف ساحة التل في طرابلس

في الزمان والمكان التقليديين، يتم الدخول من الأبواب التي تحيط بالمدينة التقليدية إحاطة السوار بالمعصم. وهذه الأبواب ليست «سوى جهاز اختيار واستقبال يحمي الحاضرة من جهة ويحدد علاقاتها بالحيز الخارجي ولا سيما بالعالم غير العمراني العالم غير المشاد».
لكن في طرابلس الحديثة فإن الدخول يتم عبر ساحة التل وإليها..
وسط الساحة نصب تجريدي أشبه بالمسلة وفي رأسها ساعة لكنها ليست بمئذنة ومنها تبدأ الشوارع الحديثة وإليها تنتهي.
يدخل إليها التاجر الطامح والمصرفي المتمول والمتحدر من المتصرفية والقروي في العيد والأجنبي العسكري أو التقني والمومس والقواد والمناضل السياسي والأديب الناشىء والصحافي الناهض والمتظاهر المشاغب أو المؤيد والممثل المسرحي وفيلم السينما والمشاهد المتحمس والمراهق المغامر وعالم الدين المحاور والمفلس والثري والمتسول ورجل الدولة المسؤول أو المعارض… ولكل من هؤلاء موقعه وعلاقاته ودوره فالتل يتسع للجميع…
إنه ليس «بوابة اختيار» فهو وسط المكان الحديث الموازي للداخل الذي كان مركزياً أو ان المدينة أصبح لها مركزان محكومان بعلاقة تعايش أو تناقض مستترة أو واضحة دون الوصول إلى حالة اندماج ووحدة.
فالتل ليس بوابة تحمي الحاضرة وتحدد علاقاتها بالحيز الخارجي ولا سيما بالعالم غير العمراني بل هو «نموذج» تقني تحديثي استيعابي سيجري تعميمه بقسوة وصرامة وعلى مراحل نحو الداخل المركزي.. بما يصدر عنه من قيم وأنظمة وضوابط أو عبر شق الشوارع العريضة في عمق هذا المنغلق المركزي الداخلي.
وسيرد هذا الداخل الهجوم بالهجوم وسينفصل المكانان عبر خط تماس (أحداث 1958) وستتحول ساحة التل إلى ساحة عنف. وعلى البوابات القديمة ستبنى «متاريس حماية» وكأنها لا تستعيد إحدى وظائفها إلاّ في ظل اختلال أجهزة الدولة واضطراب الأوضاع الأمنية.
وإذا كانت البوابة هي التي حددت علاقة باطن المدينة بظاهرها غير العمراني وغير المشاد فإن البوابة – المتراس هي التي حددت علاقة هذا الداخل بساحة التل (مركز السلطة الحديثة) وهي علاقة مجابهة ورفض وانفصال في حدها الأقصى. وسيبدو مدهشاً ان بوابة محلة السويقة الداخلية قد أقيم فيها متراس أثناء 1985 رغم بعدها النسبي عن مكان التوتر.
في سياق نشوء ساحة التل، ينبغي وصل نقاط تبدو للوهلة الأولى متباعدة: طريق الهند (أو آفاق عصر قناة السويس)، الدستور العثماني أو التنظيمات، البلدية، القناصل، الإرساليات، التجار، ترام الدواب، القطار البخاري، الاستثمارات الأجنبية فالحرب الأولى ثم سايكس بيكو، فالانتداب الفرنسي بهدفه المعلن: التحديث.
ان كل هذه المتغيرات انعكست في ساحة التل على مستويات متفاوتة في إطار علاقة متعددة الأشكال ما بين التقليد والحداثة.
وإذ شكل التل في سياق نشوئه «مكاناً اجتماعياً» للتحديث، فإن التقليدي لم يغب عنه بل كان حاضراً فيه…. مقاوماً أو مدافعاً… أو مستوعباً أو متعايشاً…
فالتل المكاني والاجتماعي عثمانياً كان يتطور باتجاه التحول إلى حيز مكاني متصل بالداخل المركزي مدفوعاً بالعلاقة والتعاطي مع الخارج. «وفي المدن الكبرى، تكون الحيزات المكانية الملتصقة بالمنغلق المركزي محتوية على بعض المباني العامة ذات الأهمية الخاصة كالينابيع المائية المشتركة (النوافير مثلاً) والحدائق وأبنية الإدارة الحكومية ومعاهد الفنون والعلوم».
هذه الوظيفة والهوية لهكذا مكان (بالالتصاق والاتصال مع الداخل ونحو العلاقة مع الخارج) لم يكونا صدفة فطرابلس كانت في سياق تحولها إلى مدينة كبرى، لكن ذلك لم تتضح صيرورته النهائية بسبب عامل حاسم: «الانتداب الفرنسي» الذي نسج صياغة مختلفة للتل لا تخرج عن أواليات وديناميكية التحديث التي درسها بعمق بالاندييه على المستوى السياسي.
ان سياق هذا التحديث كان ينعكس في التل بصورة جلية واضحة أو ملتسبة مستترة وكذلك مستوى المجابهة أو التفاعل معه.
حينما بنيت أول دار حديثة للسينما في طرابلس، لم تستطع الهندسة المعاصرة ان تتجاهل واقع الفصل بين الجنسين فخصصت الصالة للرجال والبلكون للنساء. فانعكس هذا على هندسة المبنى: جابي تذاكر الدخول يقف على باب رئيسي يقع خلفه مدخلا الصالة والبلكون معاً. وعندما أبيح نظام الاختلاط فيما بعد، تمايزت أسعار تذاكر البلكون عن الصالة وارتفعت، لكن صعوبة واضحة برزت في كيفية مراقبة رواد الصالة حتى لا ينسلّوا بسهولة إلى البلكون دون ان يدفعوا فارق أسعار التذاكر. «فالتقسيم الهندسي» الذي وضع أصلاً للاستجابة لمعيار الفصل بين الجنسين تحول فيما بعد إلى «اشكال تجاري» واضح.
لكن في نفس مبنى السينما، راعى التصميم الهندسي إنشاء بار داخلي «كانجارو» مما ينتج إلتباساً كيف ان الهندسة المعاصرة تستجيب لمعيار أخلاقي (الفصل بين الجنسين)، وتسير عكسه (تأسيس بار) في ذات المبنى ونفس المكان.
لقد اخضعت العقلية التجارية الهندسة – واستطراداً المكان – لحساب نفعيتها المباشرة، وبذلك لم يعد الإنسان يستحوذ على المكان الذي سرعان ما اكتسحته مادة جديدة وغريبة عن المجتمع المحلي (الباطون والإسمنت) إنطلاقاً من هندسة موثقة لخدمة النفعية التجارية والسلطة المهيمنة ووفقاً لمنظومة قيمية لم تتطور ذاتياً وتلقائياً.
وتناول واقع الملاهي التلاوية يدفع الأمور في نفس الاتجاه: ان الملهى العثماني هو ملهى ذكوري، ووظيفته اللهو وإطاره الطبيعة، في حين ان الملهى الفرنسي حجب المكان وحجّمه وشحب أنواره وفصله عن إطاره الطبيعي وأقحم المرأة بل وجعلها عنصراً أساسياً فيه (إلى جانب المشروب) إلى مستوى يقترب من البغاء.
وينبغي ان نضع هنا تعارضاً ما بين حديقة مقهى التل العليا والمنشية أو البارك: تعارض نوعية الأشجار (مثمرة/ غير مثمرة) (تداخل تقديمات المقهى وأجواؤه مع اللهو والتنزه والسيران والسياسة والحوار والمكتبة العمومية الخ/ كثرة الممنوعات في المنشية واقتصار التنزه على إمتاع البصر).
ولا يغيب هذا التعارض عن شتى أشكال الحياة الاجتماعية التي سادت في التل وتكويناته العمرانية التي ملأت فراغاته الرملية شيئاً فشيئاً.
والتل الانتدابي في نسيجه اليومي ظل على ارتباط وثيق بالمجلس البلدي – كهيئة محلية أهلية – والبلدية بدورها تطورت بشكل سريع نحو التحول إلى مؤسسة بيروقراطية في العهد الانتدابي. ولكنها خسرت طابعها المحلي عندما أمسكت بها الإدارة المركزية مباشرة من خلال تعيين أحد رجال نخبتها على رأس المجلس البلدي أو عبر ترئيس محافظ الشمال على المجلس البلدي.
وفي كلتا الحالتين، أصبح رئيس البلدية لا ينتمي إلى الخصوصية المحلية الطرابلسية بحيث يمكن التأكيد ان «التل» فقد خصوصيته المحلية في السياق ذاته الذي تحوَّل فيه إلى الساحة المركزية للدولة ولقواها ومؤسساتها وتقنياتها، في عز المجابهة السياسية الحادة ما بين الانتداب الفرنسي وتيار أهلي محلي معارض له.
Loading...