طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة (2)

ساعة التل التي بنيت في العام 1901، وتبدو الى يسار الصورة السراي التي بنيت في العام 1890 (من صفحة «طرابلس بالأبيض والأسود» على الفايسبوك)….
في العام 1988 أنجز الإعلامي الراحل طلال منجد دراسته «مجتمع النهر في طرابلس» التي خولته نيل شهادة الجدارة في العلوم الاجتماعية. وفي العام 1990 أنجز بحثاً بعنوان «ساحة التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة»، ما خوّله نيل شهادة دبلوم الدراسات المعمقة في العلوم الاجتماعية من الجامعة اللبنانية.
«التمدن»، التي كان الراحل أحد أفراد أسرتها، والتي سبق أن نشرت على حلقات دراسة «مجتمع النهر»، تنشر، وعلى حلقات أيضاً، دراسة «ساحة التل» القيّمة جداً، والتي تعتبر أهم دراسة اجتماعية وعمرانية وتاريخية، والى حد ما سياسية، تناولت وسط مدينة طرابلس. وفي هذا العدد ننشر الحلقة الثانية.
وفي المقدمة التي كتبها الراحل منجد لبحثه قال إن «هذا البحث يتناول سياق نشوء ساحة التل في مدينة طرابلس وتكويناتها العمرانية والاجتماعية، سواء كمحلة جديدة نشأت خارج بوابات الداخل المركزي في أواخر العهد العثماني أم كساحة مركزية ابتداء من العهد الانتدابي. والتقسيم التاريخي هنا – ما بين عهدين عثماني وانتدابي – يندرج تحت مفهوم دراسة الزمان والمكان الاجتماعيين، حيث شكلت نتائج الحرب العالمية الأولى حداً فاصلاً بينهما مثلما مهدت لانتقال سريع ما بين المستويين. وإذ يلتزم البحث بحدوده الاجتماعية والثقافية فإنه يستعين ضمناً – وفيما لزم – بالبعد السياسي الذي يوضح ويضيء ويكشف دينامية كل مستوى. ويتوقف البحث زمنياً عند مطلع الحرب العالمية الثانية بوصفها قد مهدت لما عرف بالاستقلال أو انسحاب الوجود الاجنبي المباشر».
مع نشر هذه الدراسة نتذكر طلال منجد، الذي كان غارقاً حتى النخاع في حب مدينته، والذي كرّس كل عمره وجهده وتعبه وقلقه وإبداعه وألمعيته في سبيل الإضاءة على هذه المدينة العريقة، في مواجهة كل الاساءات التي طالتها.
(الرجاء مراجعة الـ PDF على الصفحتين 4 و5)

الأبنية والإدارات الرسمية: السراي والقره كول

تعتبر سراي طرابلس المبنى الأول الذي أنشئ خارج البوابات (1890) أو خارج الداخل المركزي. وتبلغ مساحتها حوالي 750م مربع أي أقل من مساحة الجامع المنصوري الكبير وتكاد توازي خان الصابون في محلة النوري، والسراي مستطيلة الشكل وتألفت من طابقين لمكاتب الموظفين وطابق أرضي استعمل منه قسم كأسطبل لدواب الدولة وعربات رجالها، ولها شبابيك بأباجور ومسقوفة بالقرميد ويتوسطها فناء داخلي غير مسقوف. ومدخلها الرئيسي جُعل من الجهة الغربية بمواجهة خط سكة الحديد. وتعتبر سراي طرابلس متضائلة الحجم نسبياً مع أبنية الإدارة العثمانية في مدن بيروت ودمشق وحلب. وضمت أغلب أجهزة الموظفين الذين أفرزتهم التنظيمات: العدلية والقضاء والمالية والطابو الضابطة.. وإلى الغرب منها وعلى بعد حوالي 200م، بنيت ثكنة عسكرية عرفت بالقشلة العسكرية أو القره قول وكانت طرابلس مركزاً للواء 34 من الجيش العثماني الخامس ومقره دمشق بقيادة أميرلاي وقومندان. ومن ذكرى جلوس السلطان عبدالحميد أو الجلوس الهمايوني الذي كتب عنه الشيخ حسين الجسر: «تجلت سرايا الحكومة السَنية والقشلة العسكرية البهية والمحكمة الشرعية وموقع الدائرة البلدية وتوارد عموم المأمورين الكرام والعلماء والأعلام والمشايخ العظام وذوات البلد ذوي الاحترام من سائر طوائف التبعة العثمانية وقناصل الدول الفخيمة إلى سرايا الحكومة السَنية للتبريك فاستقبلهم وكيل المتصرف (…) ثم اتجه الموكب من السراي إلى القشلة العسكرية للتبريك فاستقبلهم القومندان والاميرلاي (…) وعند المساء أشرقت تلك المواقع الرسمية المشار إليها بسطوع انوار المصابيح البديعة الألوان».
وتتجلى نفس الأجواء في ذكرى المولد النبوي الشريف وبعض المناسبات الدينية، كما جاء في كتاب رياض دبليز «طرابلس أيام زمان»: «ولعل أجمل هذه الحفلات العامة، تلك التي كانت تقام احتفاء بجلوس السلطان أو عند ولادة سلطان جديد، فقد كان المتصرف يجلس في السراي، وفي حضرته فرقة موسيقية مؤلفة من عازف على القانون وآخر على العود وثالث ينقر على الدف ورابع على الدرنبكة، وكانوا عندما يحضر المدعوون من رتبة رفعتلو يعزفون له نغماً قصيراً مختصراً وعندما يحضر آخر برتبة عزتلو يكون العزف أكثر وأطول أما سعادتلو فقد كانت الفرقة تعزف له قطعة موسيقية كاملة وبحماس أشد».
هذه المظاهر الاحتفالية التي كانت تجمع رجال الدولة والأعيان والجمهور عند السراي وفيها، كان يواجهها من ناحية ثانية صراع وتناقض أجهزة ورجال الحكم مثلما يكشفه النائب العام يوسف الحكيم في مذكراته وخاصة بين صلاحيات الأجهزة التنفيذية (المتصرفية) والأجهزة القضائية.
والسراي كانت مكاناً للشنق وقد يحضره جمهور عام وكان الاعدام قبلاً يتم في القلعة ويطلق مدفع إيذاناً بذلك فيقال «فلان تقوّص مدفعه».
وبجوار السراي من الجهة الشرقية سجن للموقوفين. ويواجهها من الجهة الغربية مكتب التعليم الاعدادي. ومن الإدارات الرسمية أيضاً في التل مكتب التلغراف والبوسطة وفرع للمصرف العثماني. وعموماً يشير مؤلفا ولاية بيروت إلى ان الأبنية الحكومية والرسمية ليست من المكانة والرصانة بدرجة تليق بموقع طرابلس.

الساعة والمصلى

بمناسبة اليوبيل الفضي للسلطان عبدالحميد جرت حملة تبرعات من الأهلين وبني في آن ساعة التل وتجديد بناء مصلى التل.
ساعة التل:
بنيت ساعة التل في العام 1901، في بقعة رملية وساهمت بها قلة، وتكفلت البلدية بقسم من النفقات التي بلغ إجماليها ألف وخمسمائة ليرة عثمانية. وصمم الساعة وبناها مهندس المتصرفية التركية توفيق بك المهندس. وهي مربعة ومساحتها 24 م مربع وجعل موقعها على بعد 10 أمتار غربي سكة الترامواي ولم تكن مباشرة بمواجهة السراي بل تجاهها أو بإنحراف عنها لجهة الجنوب بحوالي 10 أمتار وتبعد عن قصر نوفل الواقع على نفس الخط جنوباً حوالي 35 م وعن حيّز تل الرمل شمالاً حوالي 20م، ويلاحظ ان معظم الأراضي الواقعة غربي الساعة كانت ملكاً للبلدية. وبلغ ارتفاعها 30م أي بارتفاع مترين عن سطح تل الرمل كما يعادل ارتفاعها ضعفي ارتفاع الأبنية المسموح به بموجب القوانين.
«والساعة بناء من حجر مؤلف من خمس طبقات ويوجد شرفة على الدائر في كل من الطابقين الثاني والرابع ولها سلم من حديد لولبي» ووضع في جانب من جوانبها وجه ساعة كانت تدور خلال العهد العثماني على الطريقة العربية باعتبار غروب الشمس الساعة الثانية عشرة وقد عدلت فيما بعد على التوقيت الزوالي.
وتتضارب وجهات نظر الكتاب المعاصرين لها حول وصف وجمالية الساعة فحكمت شريف باشكاتب المجلس البلدي يراها «كالعروس تتجلى في فسحة التل» بينما التميمي وبهجت من وزارة المعارف العثمانية والمستنيرين يصفان الساعة بأنها «خلو من كل مهارة وصنعة».
وهنا تعتبر الساعة أول بناء يشاد في طرابلس للتكريم والتخليد وليس له معنى أو شكل ديني، علماً بأنه قد بني أو جُدِّدَ بناء ثلاثة مساجد في طرابلس والميناء بالمناسبة ذاتها وسمي كل منها بالمسجد أو الجامع الحميدي.
مصلى التل:
من الثابت انه قد أنشئ تاريخياً في سطح تل الرمل قبل عام 1850 وفيما لم تذكر المصادر التاريخية أي شيء عن بنائه في ذلك الحين فإن حجة وقفية تعود لعام 1328 هـ/1909م تكشف انه قبل سنوات من هذا التاريخ أي بالضبط في ذكرى اليوبيل الفضي للسلطان عبدالحميد أنشأ «الجامع عمدة السادات والأعيان الكرام السيد عمر أفندي منلا زاده ونفقة أهل الخير والحمية في موقع تل الرمل الشهير» وليس هنا بيت القصيد في هذه الحجة الوقفية إذ ان المسألة تتعلق بوظيفة الامامة في هذا الجامع التي ظلت خالية منذ سنوات، لذلك أقدم السيد عبدالحميد أفندي سلطان «فجمع من أهل الخير والحمية والغيرة الصالحة الإسلامية مبلغاً من الدراهم ليصرف في سبيل تأمين وظيفة الإمامة في الجامع المشار إليه وسلمه لمتوليه السيد عمر أفندي زاده منلا لأجل إقامة دار في قطعة الأرض الخالية قبل الجامع وقد أقام المتولي تلك الدار» لتصبح سكناً لإمام الجامع لا يشاركه فيه مشارك ولا ينازعه فيه منازع ثم بعده تصبح الدار سكناً لكل من يتولى وظيفة الإمامة وهكذا…
والملاحظ هنا ان باني الجامع أو مجدِّد بنائه هو سليل عائلة المنلا التي اصبح لها جذور قوية في المجلس البلدي وفي الحركة التجارية وفي شركة الترامواي.
وعمر المنلا هو نفسه كما تبين الوثيقة الوقفية متولي وقف الجامع ولهذه النقطة أهمية بالغة فأثناء ولاية عبدالقادر باشا المنلا لرئاسة المجلس البلدي، وضعت البلدية يدها على كامل سطح تل الرمل وهو المعروف ببستان عمر المجذوب والذي أوقفه لمصلحة المصلى. وحولّت البلدية هذا البستان إلى حديقة عمومية. وستنشب دعوى فيما بعد أثناء الانتداب على ملكية البستان أو الحديقة العمومية ما بين دائرة الأوقاف وبلدية طرابلس التي ستبرر موقفها بعدم وجود متولٍ شرعي للوقف، وستبرز هنا ازدواجية مثالية لواقع الأدوار الاجتماعية كما بيّنها هذا المكان: ان نفس القوى موزعة أدوارها ما بين مؤسستين أو وحدتين اجتماعيتين: دائرة الأوقاف وريثة جهاز العلماء والوظائف الدينية وبلدية طرابلس كوحدة اجتماعية تشرف على شؤون المجتمع المحلية.
ان كلا الدورين، الوقفي والبلدي، يبدوان متوافقين ومتلائمين ومنسجمين في ذلك الوقت ونفس القوى الاجتماعية تشرف على كلا الدورين بل وتسعى لأداء أفضل: حديقة عمومية والاهتمام بالوظيفة الدينية في نفس المكان الذي بدأ يتحول إلى حيّز مكاني اجتماعي.
إذا كانت السراي أو مقر المتصرفية هي أول بناء شُيد على التل فإن الأبنية العامة والخاصة احتاجت إلى عقد من الزمن حتى يتبلور شكل ملامحها ومواقعها ووظائفها.
والتحدر العائلي المحلي للعائلات بمعظمه من حي النوري أو حي «الأفندية» وحي الرمانة وكلا المحلتين تتميزان باختلاط طوائفي مشترك: مسلمون وارثوذكس، وكلاهما يتاخمان التل: من الجهة الشرقية والشمالية.
ومن الفئات التي تميزت وتمركزت سكنياً في التل: القناصلة والتراجمة المحليون ونشأت «الماسونية» بتقاطع مع المواقع القنصلية نحو إطار يجمع «نخبة محلية». واستقرت الماسونية كنادٍ في بناية محمد البابا وفي البناية نفسها «بوسطة القنصلية الفرنسية» واستقطب قصر نوفل هذه النخبة أيضاً، ومن ناحية الحركة التجارية، لم يتحول التل إلى مركز تجاري رئيسي بعد، فمركز الثقل التجاري بقي موزعاً في الداخل المركزي ما بين البازركان (الأقمشة) والتبانة (مال القبان والحاصلات الزراعية) والزاهرية (زيت الزيتون والصابون وصناعة مانيفكتورية ناشئة حديثاً) والميناء (مخزن البضائع ووكالات السفر).
ونهاراً تستقطب السراي أصحاب المعاملات والمراجعات وفيها أصبح مقر الشرطة وبجانبه السجن حيث زيارات الأقرباء وتجاه السراي طلاب المدرسة الإعدادية ثم المتعاملون مع المصرف العثماني. وفي كاراج الترامواي حركة مواصلات نحو الميناء أو نحو حمص فالداخل السوري أو نحو بيروت عبر التل فالمقابر. وقرب السراي، أشتهر مقهى الديلاتي وحديقة التل ومسرح زهرة الفيحاء كنقاط اجتذاب وتجمّع.
والوجود العسكري كان ضئيلاً لجهة الضابطة التي لم يتعد أفرادها التسعة. والجنود العسكريون توزعوا ما بين خان العسكر في الداخل لجهة الدباغة والقشلة العسكرية في التل مقر القيادة العامة. وكان الجنود العثمانيون يجرون تدريباتهم في تل الرمل وكأنه حقل تدريب.
وبعد العصر أو المغرب، يجتذب التل حركة سكانية مختلفة نحو التنزه وتمضية الأوقات.
ومن المناسبات التي كانت تجتذب حركة سكانية في التل: الشنق، واستعراضات قذف الجريد ويؤمها فرسان ريفيون ومحليون، ومناسبات جلوس أو تنصيب سلطان جديد. وبعد الانقلاب الدستوري (1908) سمع خطاب سياسي جديد على الأسماع في باحة السراي أو الحديقة العامة أو مسرح زهرة الفيحاء هو خطاب رجال الاتحاد والترقي.

 

تبين نظرة متفحصة للسكان والعائلات الأولى للتل، اللوحة المنشورة أعلاه

 

Loading...