طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة (3)

في هذه الصورة يبدو المقهى ــ الحديقة الى اليسار بجانب الأبنية الثلاثة الرئيسية الموجودة في الصدر في دراسته، علّق الراحل طلال منجد على هذه الصورة كما يلي: صورة لساحة التل عام 1936، وتبدو المنشية وحول ضلعها الشرقي أبنية مسرح زهرة الفيحاء، بناية الغندور، بناية عدره، وبجانبها مقهى «صيران» ثم مقهى التل العليا. وبمواجهة الضلع الشمالي القصر البلدي، والضلع الغربي بناية الحافظ، والضلع الجنوبي قصر نوفل وحديقته والضلع الشرقي الأخير برج الساعة. ويظهر الشكل المخمس للمنشية وكثافة البقعة الخضراء. والصورة الجوية أُخذت عام 1936 ويلاحظ خلوها من المارة والسيارات وكأن يومها كان يوم إضراب عام
في العام 1988 أنجز الإعلامي الراحل طلال منجد دراسته «مجتمع النهر في طرابلس» التي خولته نيل شهادة الجدارة في العلوم الاجتماعية. وفي العام 1990 أنجز بحثاً بعنوان «ساحة التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة»، ما خوّله نيل شهادة دبلوم الدراسات المعمقة في العلوم الاجتماعية من الجامعة اللبنانية.
«التمدن»، التي كان الراحل أحد أفراد أسرتها، والتي سبق أن نشرت على حلقات دراسة «مجتمع النهر»، تنشر، وعلى حلقات أيضاً، دراسة «ساحة التل» القيّمة جداً، والتي تعتبر أهم دراسة اجتماعية وعمرانية وتاريخية، والى حد ما سياسية، تناولت وسط مدينة طرابلس.
وفي هذا العدد ننشر الحلقة الثالثة، والتي تروي قصة نشأة الابنية الخاصة في التل والمقهى الحديقة (التل العليا)، بعدما تناولت الحلقتان السابقتان ما يلي:: رحاب المدينة، ولادة المجالس البلدية، تل الرمل: من استعراض الجند الى حروبهم، الطريق: ترامواي الخيل، نشأة الابنية والادارات الرسمية، الساعة والمصلى و ديموغرافية التل: السكان والعائلات الاولى.
وفي المقدمة التي كتبها الراحل منجد لبحثه قال إن «هذا البحث يتناول سياق نشوء ساحة التل في مدينة طرابلس وتكويناتها العمرانية والاجتماعية، سواء كمحلة جديدة نشأت خارج بوابات الداخل المركزي في أواخر العهد العثماني أم كساحة مركزية ابتداء من العهد الانتدابي. والتقسيم التاريخي هنا – ما بين عهدين عثماني وانتدابي – يندرج تحت مفهوم دراسة الزمان والمكان الاجتماعيين، حيث شكلت نتائج الحرب العالمية الأولى حداً فاصلاً بينهما مثلما مهدت لانتقال سريع ما بين المستويين. وإذ يلتزم البحث بحدوده الاجتماعية والثقافية فإنه يستعين ضمناً – وفيما لزم – بالبعد السياسي الذي يوضح ويضيء ويكشف دينامية كل مستوى. ويتوقف البحث زمنياً عند مطلع الحرب العالمية الثانية بوصفها قد مهدت لما عرف بالاستقلال أو انسحاب الوجود الاجنبي المباشر».
مع نشر هذه الدراسة نتذكر طلال منجد، الذي كان غارقاً حتى النخاع في حب مدينته، والذي كرّس كل عمره وجهده وتعبه وقلقه وإبداعه وألمعيته في سبيل الإضاءة على هذه المدينة العريقة، في مواجهة كل الاساءات التي طالتها.

الأبنية الخاصة

لحَظَت أنظمة الطرق والأبنية – في إطار التنظيمات – علاقة جدلية متبادلة ما بين الطرق الجديدة والبناء الجديد.
فمن نظام الطرق والأبنية: البيوت وسائر الأبنية والحيطان التي تبنى جديداً على الأزقة ينبغي ان تعمل بحساب الأذرع الآتي ذكرها كيلا تحصل مضايقة في المرور، والعبور:
أولاً: وسع الطرق العامة التي هي في الصنف الأول لا أقل من 15 ذراع (الذراع 75سم) عن وجه سطح الأرض الخارجي من جانبي الأبنية أي 25 و11م.
ثانياً: الصنف الثاني لا أقل من 12 ذراع (9 أمتار).
ثالثاً: الصنف الثالث لا أقل من عشرة أذرع (7,5م).
رابعاً: أزقة لا منفذ لها ستة اذرع (4,5م).
وتحدد ارتفاع الأبنية بحد أقصى (20 ذراع أو 15م) لكل أنواع الحجر و(14 ذراع أو 12م) لكل أنواع البناء من الخشب.
تمثّل المجتمع المحلي في طرابلس هذه المقاييس والشروط في البناء الجديد على التل مفرداً مساحات واسعة ومتميزاً في بعض النواحي عن البناء الداخلي القديم.
ويلاحظ التميمي وبهجت بحق وجود طرازين من الأبنية: بيروتي تلاوي وشامي داخلي.
أين كانت نقاط الجذب والتمركز في الأبنية الخاصة على التل:
– أولاً: لقد رسمت سكة الترامواي خطاً مستقيماً فانتشر البناء على جانبيه، لكن الحيز الملاصق لتل الرمل (الشمال) كان الاكثف بالبناء وكذلك في ثنايا تل الرمل نفسه بشكل غير منتظم حيث ان قوانين البناء أباحت حرية مطلقة في عدم الالتزام بالمقاييس لكل بناء لا يطل مباشرة على الطرقات العامة.
– ثانياً: شكلت الجهات الثلاث للسراي (الجنوب والشرق والشمال) مراكز استقطاب للبناء في حين ان الواجهة الغربية حيث المدخل الرئيسي ابتعد عنها البناء بمسافة لا تقل عن 200م (بنايتا محمد البابا وعمر باشا المحمد). وأبرز من بنوا بمحاذاة السراي عائلتا سلطان وعزالدين.
– ثالثاً: تبعثر البناء بشكل منعزل في القسم الشمالي للتل (قيصر نوفل والحسيني وعدرة).
– رابعاً: كان البناء يزحف في نفس الآونة من حدود الداخل المركزي في محلتي النوري والرمانة باتجاه التل. وبمحاذاة النوري كانت إرسالية راهبات الإحسان قد أقامت مدرستها ضمن مساحة واسعة حيث التف البناء حولها باتجاه التل من الجهتين الشرقية والشمالية، في حين تجاوز البناء القادم من الرمانة بوابة السراي القديمة وزحف بشكل متلاصق متصل بالداخل وتكثف حول كاراج الترامواي الذي أصبحت سكته تمر في هذا الحي بعدما ضاق الشارع ليصبح في حدود ستة أمتار.
– خامساً: انتشر البناء حول القشلة العسكرية من جهتيها الغربية والشمالية وهو لم يكن كثيفاً هنا بل مبعثراً منعزلاً (الحداد والزيني وعدرة من الغرب والبابا والمحمد من الشمال وإلى مسافة تبعد زهاء 200م لجهة الغرب بنى آل الكيال داراً لهم).
معظم الابنية بنيت على عقود مقببة مقوسة في الطبقة الأرضية ثم طبقة أولى أو اثنتين وأحياناً بلغت الثلاث (قصر المحمد) وسقفت بالقرميد الأحمر الشهير «بقرميد مرسيليا».
وبيوت التل حملت معها جديدها المعماري أو العمراني وخصوصاً ما يتعلق منها بالشرفات. وكان قانون الأبنية لحظ تفاصيل مهمة حول ذلك إذ أوجب مقاييس للخرجات والنوافر والبلقونات للأبنية على وجه الأزقة:
في الساحات والدروب: ذراع و18 اصبعاً، عند الطرق التي عرضها 18 ذراعا: ذراع و16 اصبعاً، عند الطرق التي عرضها 8 اذرع: ذراع واحد، عند الطرق التي عرضها 6 اذرع: 18 اصبعاً.
وألزم القانون ان تترك فاصلة لا أقل من أربعة أذرع فيما بين بلقونات وخرجات البيوت المتصلة ببعضها. ويعمل كل واحد من أصحاب البيوت بلقونه أو خرجته لا أقل من ذراعين بالبعد عن حدود بيت جاره في حال المنازعات.
وأحكام هذه المواد النظامية بخصوص الخرجات والنوافر راجعة لواجهات البناء التي تكون على الطريق والساحات والدروب العامة أما ما كان من واجهات العمار التي على غير ذلك فيمكن لصاحب الملك ان يعمرها كيفما أراد.
هذا الجديد المعماري لم تعرفه دور الداخل المركزي وبيوته التي كانت تلحظ أعرافاً صارمة فيما يتعلق بالحائط والشباك والقصد منها تعزيز خصوصية داخل المنزل… فالخصوصية في البيت الطرابلسي التقليدي هي من «الداخل إلى الخارج» في حين ان الشرفة والخرجة (من خارج) ستعني التمهيد لعكس هذه الخصوصية أي من «الخارج إلى الداخل»، في حين ان نظام القيم السائد إذا كان قد أضاف هذا الجديد المعماري فإنه جعله حيزاً ذكورياً إذ حرم على النساء استعمال الشرفة أو البلكون.
وحافظ الشباك أيضاً على وجود «المشربية» فيه بأشكال عدة: مباشرة أو مداورة كأن يستعمل نصف أباجور يلعب نفس وظيفة المشربية في استراق النظر من الداخل إلى الخارج.
وتمثل هذا الجديد المعماري في واجهة المنزل بشكل عام ففي حين ان أبنية الداخل لم تول هذه الناحية أي اهتمام فإن الواجهة العمرانية في أبنية التل كانت غنية بعناصرها الزخرفية والهندسية والجمالية.
وتشكل تخريجة نافرة في الطبقة الأولى من بناية سلطان هذه الإضافة المعمارية حيث تسود الأشكال الهندسية من مسدسات ومثمنات والمغطاة بزجاج ملون يسمح بدخول النور والإضاءة وفي آن يمنع رؤية الخارج للداخل ويسمح بالعكس. والزجاج الملون يشكل مجمل واجهة قصر نوفل الشرقية في نفس الوظيفة:
الإضاءة ورؤية الداخل للخارج ومنع العكس، وفق توزيعات وأشكال هندسية متنوعة.
واستمر تقليد الرنوك المملوكية القاضي بزخرفة مدخل البيت بشكل معين:
رمز خطي أو حيواني أو نباتي أو هندسي. وأضاف قيصر نوفل لوحة رخامية تحمل الحرفين الأولين من اسمه باللغة اللاتينية وتاريخ البناء (1898 C N ) ورمز نباتي. وظهر اهتمام بتزيين سقوف المنازل بالزخارف حتى ان قصر عمر باشا المحمد قد طلي سقفه بماء الذهب، وتظهر الزخارف على امتداد سقف قصر نوفل ومنها ملائكة مجنحة في غرف النوم.
ومهندسو البناء أشهرهم معماري محلي موهوب هو مصباح سلطان وبنى الطبقة الأولى والثانية من بنايتي سلطان وعزالدين المتجاورتين في جين يرجح «ان يكون مهندس المتصرفية التركية بالضرورة قد أشرف على هندسة المباني التالية: مسرح زهرة الفيحاء وقصر نوفل وقصر عمر باشا المحمد وبناية محمد البابا نظراً للإمكانيات والقدرات الهندسية العالية التي لم يكن بوسع معماري محلي ان يتقنها وعلماً بأن طرابلس لم تعرف اي مهندس محلي في مطلع القرن إلى ما بعيد قدوم الفرنسيين».
ولأن فسحة تل الرمل كانت تقدر بحوالي 002 الف م مربع فإن هذه المساحة الشاسعة نسبياً انعكست على مساحة البناء الجديد. وفي حين ان متوسط مساحة البناء العادي في الداخل المركزي كانت في حدود 001 – 051 م مربع فإن أبنية التل شغلت مساحات واسعة وعلى سبيل المثال: قصر نوفل 864م2، سلطان 616م2، عزالدين 672م2، الإنجا 616م2، قصر المحمد 440م2، بناية محمد البابا 1280م2.
والتقسيم الداخلي للبناء لم يتغير إجمالاً: غرف متعددة وواسعة حول فسحة داخلية أصبحت هذه المرة مسقوفة (في البناء التقليدي الفسحة كانت مكشوفة). وإذا كانت إحدى وظائف الفسحة المكشوفة تأمين الإضاءة للداخل فقد جرى تكثيف الشبابيك والشرفات من جهتي الشرق والغرب، وحوفظ على وظيفة الباحة الداخلية كمكان لاجتماع العائلة. وغالباً ما أضيفت غرفة واسعة ذات باب خاص يؤدي إلى الخارج أو إلى الدرج وهذه الغرفة كانت بمثابة المنزل أو الإيوان لاستقبال الضيوف والغرباء كما كانت الشرفة الواسعة بمثابة هذا الإيوان المرتبط والمؤدي إلى الخارج.
وبذلك اصبح إجمالي المنزل حيزاً نسائياً إلى حد كبير علماً بان بيوت طرابلس العثمانية (الداخلية والتلاوية على السواء) لم تشهد التقسيم العثماني المألوف والمعروف «بالحرملك والسلاملك». وأصبح المطبخ والكنيف من ضمن البيت بعد ان كانا خارجه. ولوحظ بدايات لتأسيس حمام خاص بالمنزل التلاوي عبارة عن جرن تسيل عليه الماء الباردة ويجري مزجه بماء جرى تسخينها على حدة لكن وظيفة الحمامات العامة ظلت هي السائدة، وفي منطقة تل الرمل أنشىء قائم للمياه يتصل مباشرة بقناة طرابلس الداخلية ويوزع الماء على بيوت التل التي كانت تشكو من أزمة مياه فعلية خلال الصيف.
وشغلت البناء السكني عائلة ممتدة: الأب والأبناء المتزوجون والأصهرة كل في طابق أو غرفة. والسلم مشتركة للطوابق ولكن لها بوابة اعتبرت من حيز البيت نفسه وليس خارجه. أما الحديقة فقد أصبحت بمحاذاة وجوار البيت الجديد بعد ان كانت داخله وتعددت أشجارها المثمرة الوارفة وهي أنواع قد لا نجدها في البستان ومنها: الزفّير، العنّاب، الزعرور، الأكي دنيا، دالية عنب، مع أزهار وورود ونباتات الحديقة المنزلية وخصوصاً الياسمين والحبق.

المقهى – الحديقة العامة

يرتبط «تل الرمل» في الأذهان بمقهى «التل العليا» كما هو في صورته اليوم: أشجار وطاولات ونارجيلة وألعاب تسلية وسينما صيفية توقفت منذ سنوات، وبسبب قرار قضائي عقاري يقضي بعدم جواز بناء انشاءات باطونية أو إحداث أية تغييرات في العقار فإن الشكل الراهن حفظ كثيراً من ماضي هذا المقهى الذي مر بأحوال متعاقبة.
وتكشف الوثيقة الوقفية المعروفة بوقف عمر المجذوب انه أوقف «جميع القهوة القديمة الكاينة على تل الرمل ظاهر المحمية المشتملة على كوخ وخيمة وأوجاق ومساطب ونفل لنقل الماء وعدة محرزة بها أربع ركاوي تنك وطاسة وعشرين أركيلة بلور وعشرين أركيلة نحاس وخمسين كرسي صغار وخمس حصر وخمسة عشر فنجان صيني مع أظرفة طنبق وجميع الحاكورة المحاذية لها من جهة الشمال يحدها قبلة الرمل الفاصلة بين القهوة والمصلى الآتي ذكره وشرقاً الطريق الموصل اليهما وشمالاً وغرباً بستان الرمل مع أصول الجوز والجميز والدوالي المحيطة بها من جهاتها الثلاث».
ويدل ذكر القهوة «القديمة» على ان تل الرمل في ظاهر المحمية كان مقصوداً في وقت مبكر نسبياً على البدء بتعمير هذا المكان. كما ان محتويات القهوة لجهة الكراسي والنارجيلات والمساطب تدل أيضاً على ان المكان عرف منذ زمن لتمضية الأوقات خارج إطار المقهى – المخزن الذي عرفته طرابلس الداخلية. وإذا كانت الحصر من ضرورات السيران كبساط مفروش على الأرض فإن المقهى – البستان يتحول عندها إلى مكان للسيران. أما مزروعات البستان: نصوب الجميز والجوز ودوالي العنب فكلها أشجار مثمرة وارفة الظلال في آن.
وكتب رحالة فرنسي بحساسيته الأوروبية عن التل قبل عام 1884: «.. انه في كل مساء وعندما تغلق المتاجر أبوابها فإن علية القوم بكامل أناقتهم وهندامهم: العمائم البيضاء والقنباز الطويل الملون بألوان صارخة وفاقعة ونعالهم الحمراء أو الصفراء يتنزهون على «التل الرملي» المرتفع ببضعة أقدام عن سور المدينة.. وهم يجلسون على الآرائك في ظل الاشجار ويدخنون ويحتسون القهوة ويتبادلون نادر الكلام والعدد الأكبر منهم يجلس متربعاً على انفراد..».
لكن هذا المقهى – البستان يبدو أنه قد شهد تحولاً أساسياً في وضعيته وكشف ذلك خلاف على ملكية المكان بين دائرة الأوقاف الإسلامية من جهة وبلدية طرابلس من جهة ثانية حيث يتبين من مجمل أوراق الدعوى ولوائح الطرفين المتخاصمين ان بلدية طرابلس قد وضعت يدها قبل ما يزيد على خمسين سنة (أي حوالي عام 1885) على القهوة والبستان وعملت فيه غرساً وإنشاء وحولته إلى حديقة عمومية علماً بانه لم يجر في حينه تعيين متولٍ شرعي على الوقف ولمدة تزيد على 75 عاماً – المهم ان التحول الذي طرأ على المقهى – البستان إنما حدث على أيدي المجلس البلدي المحلي الذي كانت لهيئته الناخبة مهمة شبه وحيدة – عدا عن الانتخاب – الإشراف على الإصلاحات والتزيينات البلدية مثل توسيع الطرق وعمل الجنائن والساحات بقصد تنزه الأهالي.
وتحويل المقهى إلى حديقة عمومية هو الذي أعطى التل جاذبيته الرئيسيةفكتب المؤرخون: «.. وفي هذا المكان حديقة عامة مرصعة بأنواع الزهور والرياحين الجميلة والأشجار اللطيفة والأثمار الشهية وهي مخصصة لتنزه الأهالي أعدت لذلك من طرف الدائرة البلدية» …« ولها (أي التل) منظر زاه جداً… وتنفق البلدية على حديقة البلدة»… «بين منتزهات طرابلس الكثيرة، يقوم في جانب المدينة الغربي منتزه التل وهو يشرف على البحر وساحله وبساتين الليمون والبردقان ويؤمه صباحاً ومساء علية القوم وكبار العائلات».
والحديقة البلدية المسوّرة (في التل العليا) جعل لها أربعة أبواب وهي مستطيلة الشكل من الجهة الجنوبية وشبه مثلثة من الجهة الشمالية، ودعمت في جهتها الغربية بحائط صخري ورملي ما يزال قائماً إلى اليوم. وأضيف إلى أشجارها «السرو والفلفل البري والكينا وما شاكل» وتتوزع في جوانبها أحواض النبات. ومن الخريطة العقارية لعام 1936 فإن أحواض النبات وزعت توزيعاً هندسياً تغلب عليه الأشكال المستطيلة والمربعة المتماثلة والمتقابلة، وفي الجهة الغربية أحواض بشكل هلالين يحيطان بدائرة. وتتوسط الحديقة بركة ماء ذات نافورة،.. ولها حق الانتفاع من مياه مدينة طرابلس بواسطة قساطل مقببة تحت الأرض، علماً بأنه قد أنشىء خارج سورها الجنوبي لجهة المصلى «قائم مياه» كان هو الذي يتولى توزيع الماء لمنطقة التل.
وفي الحديقة شيد بناء «مؤلف من طابقين ومسقوف بالآجر الأحمر وأربع غرف من خشب» وتحدث عن تشييده الشيخ حسين الجسر عام 1895 بقصد «إنشاء مكتبة عمومية برعاية المتصرف مصطفى ذهني باشا وهي الآن تشاد بأحسن موقع وهو المنتزه المعروف المشهور «بتل الرمل» وذلك على غرار المكتبات العمومية في دار السعادة ودمشق».
وإذا كانت الأمور لم تشر إلى ما آل إليه مشروع هذه المكتبة العمومية فإن البناء تحول إلى مقر الدائرة البلدية في طرابلس. وفي الحديقة العامة أيضاً ( في التل العليا) «كشك» مستدير من الخشب المسقوف بالقرميد الأحمر وأشتهر بأنه كان يضم حلقات من العلماء والوجهاء وسُمِّي بكشك العلماء. وفي هذا المكان كانت تلقى الخطب الرنانة وتعقد الاجتماعات العامة المؤيدة لحزب الاتحاد والترقي.
أين أصبح المقهى في إطار إنشاء الحديقة العامة؟
الصحيفة العقارية تشير إلى الغرف الأربع الواردة سابقاً بأن إحداها كانت مقهى… في حين ان بلدية طرابلس زمن الانتداب أجرت تحديثات أساسية في الطرق المؤدية إلى المكان، منها «تنزيل السقيفة الكائنة بنهاية مطلع قهوة التل العليا وعمل أعمدة باطون لها».
وهذا المكان تحول فيما بعد إلى قهوة «الزجاج» التي تفصل ما بين المقهى «العليا» والمنحدر الغربي الذي استصلح بإنشاء جلول زراعية وأحواض نباتية فيه على غرار مثيلتها. ومن الصحيفة العقارية للمكان «انه حديقة بها بركتان للماء وغرفة قرميد أحمر و12 شجرة نخل وصفصاف وفلفل بري وخلافه وله حق الشرب بواسطة قساطل تحت الأرض ومساحته 2511 متراً مربعاً ملك للبلدية، ومن صورة فوتوغرافية فإنه يوجد على جانبي المدخل الرئيسي للحديقة عامودان بتيجان دائرية. وعلى طول وجهته الأمامية، توزع الأشجار وتعلو حوالي المتر عن سطح الأرض ويصعد إليها بواسطة درج وإلى الجلول أيضاً. وأشتهر المكان بالعامية بمقهى «صيران» ثم بمقهى الروضة ولقد ضاعت جميع معالمه اليوم نتيجة تحوله إلى مقهى باطوني.
إنشاء الحديقة العمومية في طرابلس (التل العليا) جاء معاصراً أو بعد وقت قصير من إنشاء متصرف جبل لبنان رستم باشا لحديقة عامة في الحازمية. وفي عام 1880، أنشأت بلدية بيروت الحديقة العامة المشهورة في ساحة البرج «.. ووظيفة الحديقة الثانية شبيهة بوظيفة الحديقة الأولى أي تأمين مكان يسمح لأغنياء المدينة بممارسة أنماط من العيش قريبة من أنماط الحياة الأوروبية. وللحد من إقبال الناس على هذا المكان، عمدت بلدية بيروت إلى فرض رسم للدخول مما قلّص عدد القاصدين لهذا المكان».
والسؤال هو هل فرضت بلدية طرابلس رسماً مماثلاً للدخول إلى حديقة طرابلس العامة قصد حصر الدخول إليها بفئة الأغنياء؟ لا شيء يدل على ذلك إلاّ إذا اعتبرنا ان ثمن تقديمات المقهى يعادل رسم الدخول ويؤدي نفس الدور. لكن من المهم الإشارة إلى ان المقهى الأسفل أو «الروضة»، بجلوله الزراعية وبتسميته الأساسية «مقهى صيران»، ووفقاً لعادات وتقاليد لم تضمحل كلياً – يوم كان قائماً – كان مقهى عائلياً، تقصده العائلات في الأعياد والمناسبات وهي تصطحب طعامها معها (أي ما يتماثل مع تقاليد السيران) فالتقسيم هنا ليس طبقياً بالضرورة (أغنياء – فقراء) وإنما كانت له ملامح التقسيم الجنسي بالتناوب (صباحاً ذكوري – مساء وفي المناسبات عائلي). فالمقهى – البستان كان الأصل ثم تحول إلى حديقة عامة انطوى فيها المقهى لاعباً أدواراً شتى ومعبراً عن عدة معان: تمضية الأوقات، اجتماع النخبة من رجال سياسة وعلم ودين، مشروع لإنشاء المكتبة العمومية، مقر الإدارة المحلية البلدية، مكان اجتماعات عامة، السيران.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.