طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة (4)

الجيش البريطاني في ساحة التل في العام 1918
في العام 1988 أنجز الإعلامي الراحل طلال منجد دراسته «مجتمع النهر في طرابلس» التي خولته نيل شهادة الجدارة في العلوم الاجتماعية. وفي العام 1990 أنجز بحثاً بعنوان «ساحة التل في طرابلس: لقاء التقليد والحداثة»، ما خوّله نيل شهادة دبلوم الدراسات المعمقة في العلوم الاجتماعية من الجامعة اللبنانية.
«التمدن»، التي كان الراحل أحد أفراد أسرتها، والتي سبق أن نشرت على حلقات دراسة «مجتمع النهر»، تنشر، وعلى حلقات أيضاً، دراسة «ساحة التل» القيّمة جداً، والتي تعتبر أهم دراسة اجتماعية وعمرانية وتاريخية، والى حد ما سياسية، تناولت وسط مدينة طرابلس. وفي هذا العدد ننشر الحلقة الرابعة، وفيها التل زمن سايكس ــ بيكو ومنشية البلدية: خمسة أضلاع، بعدما تناولت الحلقات الثلاث السابقة ما يلي: رحاب المدينة، ولادة المجالس البلدية، تل الرمل: من استعراض الجند الى حروبهم، الطريق: ترامواي الخيل، نشأة الابنية والادارات الرسمية، الساعة والمصلى، ديموغرافية التل: السكان والعائلات الاولى، قصة نشأة الابنية الخاصة في التل والمقهى ــ الحديقة (التل العليا).
وفي المقدمة التي كتبها الراحل منجد لبحثه قال إن «هذا البحث يتناول سياق نشوء ساحة التل في مدينة طرابلس وتكويناتها العمرانية والاجتماعية، سواء كمحلة جديدة نشأت خارج بوابات الداخل المركزي في أواخر العهد العثماني أم كساحة مركزية ابتداء من العهد الانتدابي. والتقسيم التاريخي هنا – ما بين عهدين عثماني وانتدابي – يندرج تحت مفهوم دراسة الزمان والمكان الاجتماعيين، حيث شكلت نتائج الحرب العالمية الأولى حداً فاصلاً بينهما مثلما مهدت لانتقال سريع ما بين المستويين. وإذ يلتزم البحث بحدوده الاجتماعية والثقافية فإنه يستعين ضمناً – وفيما لزم – بالبعد السياسي الذي يوضح ويضيء ويكشف دينامية كل مستوى. ويتوقف البحث زمنياً عند مطلع الحرب العالمية الثانية بوصفها قد مهدت لما عرف بالاستقلال أو انسحاب الوجود الاجنبي المباشر».
مع نشر هذه الدراسة نتذكر طلال منجد، الذي كان غارقاً حتى النخاع في حب مدينته، والذي كرّس كل عمره وجهده وتعبه وقلقه وإبداعه وألمعيته في سبيل الإضاءة على هذه المدينة العريقة، في مواجهة كل الاساءات التي طالتها.
(الرجاء مراجعة الـ PDF على الصفحتين 4 و5)

التكيّف والتفاعل مع التحديث

كان التطور العمراني النموذجي يتم في المدينة الإسلامية وفق ميكانيزم التماثلات والتشابهات حيث «.. تمتد الأرباض الجديدة في اتجاهات مختلفة يحكمها موضع المدينة ومرافقها وتخطيطها القديم إلى حد ما، وتطبق على تخطيط هذه الامتدادات نفس القواعد (…) فتكرر الهيئة الأولى لتخطيط المدينة بالأسلوب نفسه».
فهل تجسد مكونات ساحة التل في طرابلس هذه النمطية في النمو العمراني؟
من المهم الإشارة إلى ان حجر الأساس في بقعة التل الرملية قد أرسي بتزامن مع ما يجري من أحداث في ذلك العصر على الأصعدة السياسية والعسكرية والاكتشافات وتقدم العلوم ووسائل المواصلات وحركة الاقتصاد والتجارة.
وتعكس ساحة التل بوضوح البنية العمرانية لإصلاحات الدولة العثمانية على صعيد بناء المنشآت العامة: السراي (جهاز الإدارة والمتصرفية) المكتب الإعدادي (التعليم) محطة الترامواي (المواصلات) التلغراف والبوسطة (البريد) المصرف العثماني (المالية وبدايات التغلغل الرأسمالي الغربي) الساعة (من المظاهر الاستعراضية للدولة) القشلة العسكرية (تحديث الجيش).
ومع ان القاعدة الفقهية كانت «يبقى القديم على قدمه» فإن المسائل التي بدأ يثيرها الإطلال على آفاق العصر واجهت الفقهاء مثلما واجهت رجل الدولة مثلما الرجل العادي وبكيفيات مختلفة.
والتبدلات والاختلافات الحاصلة في عاصمة الخلافة كان صداها سيتردد ولو بتفاوت في معظم أنحاء السلطنة ومنها مدينة طرابلس.
ان المكان الجديد هو أفضل مجال لتطبيق الإصلاحات.. هذا ما يلحظه بوضوح الدستور العثماني وخصوصاً في المواد التي تتعلق بأنظمة الطرق والمباني.. وهنا تبدو فسحة التل وكأنها ترجمة ومرآة لبعض جوانب هذه الإصلاحات. وعملياً، لم يأخذ هذا التشكيل المكاني دلالاته وسماته الوظائفية إلاّ بتحوله إلى حيز اجتماعي بمشاركة أهلية ومحلية.
وبالعودة إلى التل الديموغرافي، فإن القوى التي سكنت واستوطنت هي بمعظمها القوى التي تشكل منها المجلس البلدي. وينبغي التأكيد هنا إلى ان «إسناد» المجلس البلدي – وهو مستمد من تنظيم غربي بالاساس – إلى فئة التجار وأصحاب الأراضي والإيرادات العالية قد جعل من المجلس البلدي وحدة اجتماعية إضافية إلى سلسلة الوحدات المحلية القائمة وأهمها جهاز العلماء والطوائف والحرف… ان العلاقات المتبادلة بين هذه الفئات لم تكن متناحرة بالضرورة فالطوائف الصوفية عملياً كانت تتوزع عمودياً وأفقياً بين فئات المجتمع ومنهم التجار… والمجلس البلدي الوليد اصطف إلى جانب الوحدات الأخرى التي كانت صلاتها ما زالت قوية بدار السعادة أثناء ولاية السلطان عبدالحميد، في حين ضعفت فئة العلماء خصوصاً بعد الانقلاب الدستوري (1908) وبرزت وحدة سياسية جديدة إلى حيز الوجود كإنعكاس لما حدث في مركز السلطنة (الاتحاد والترقي ثم الائتلاف) ولكن هذه الوحدة السياسية الجديدة – وهي في جوهرها اجتماعية – قد أصطفت أيضاً إلى جانب باقي الوحدات القائمة.
والمهم، ان التل – كمكان اجتماعي – ليس بالضرورة إطاراً مكانياً لوضع اجتماعي مستجد ومميز، علماً أن تجار طرابلس كانوا في السياق الثقافي يقفون على نفس أرضية العلماء والأعيان وخصوصاً من ناحية التقاليد والعادات والمعايير، وهم بذلك مغايرون لتجار العاصمة بيروت ومتصرفية جبل لبنان.
والوصف الجديد الذي أفرزه التجار هو تسمية «الذوات» مقابل «العامة» مع ان العلاقة الاجتماعية بينهما لم تشهد تناقضاً أساسيا، كما ان طرابلس أيضاً لم تشهد حركات عامية اجتماعية واحتجاجية على السلطة العثمانية إلاّ فيما ندر.
والمهم اذاً، ان التل كمكان اجتماعي جديد هو مكان اجتماعي للتجار بقدر ما هو للعلماء، بقدر ما هو للصوفيين، بقدر ما هو للسياسيين الناشئين، بقدر ما هو للسلطة.
فهو مكان جديد للمجتمع. والتدرج الاجتماعي للتجار الذي يبدو للوهلة الأولى قد جرى بتأثير التحديثات الغربية لصياغة قوى جديدة متلائمة مع الغرب يصبح في هذه الحالة آنياً ومحدودا، وهو إذا كان يهدف إلى ايجاد تراتبية هرمية في المجتمع فإنه في بيئة محلية كطرابلس إنما اندرج إلى جانب الوحدات الاجتماعية القائمة أو المتوالدة.
وساحة التل «كمكان اجتماعي» لم تكن لوحدة دون أخرى، فهي لكل الوحدات الاجتماعية ولعلاقاتها المتبادلة ولأدوارها المحددة، بمعنى ان الجديد الذي أضافته ليس تحديثاً جوهرياً يتطلب قطيعة وانقطاعاً عن ما هو تقليدي.
والتل لم يكن المكان الوحيد الناشىء حديثا، فهناك محلات أخرى في طرابلس كانت تشهد تكوينات عمرانية جديدة: أهمها في هضبة القبة وفي الأسكلة ثم في الزاهرية التي كانت هي أيضاً تعتبر من خارج أو ظاهر المدينة ومن أهم تكويناتها: دور سكن، مصانع الصابون، معمل مفروشات آلي، معمل الثلج والكازوز.
لماذا لم يستوعب التل هذا الجديد وبالذات الجديد الصناعي؟
لقد جدد الدستور العثماني قاعدة فقهية كانت تحدد مسببات الضرر فتبعدها إلى أطراف المدينة، ومسببات الضرر أنواع ثلاثة: الدخان والرائحة الكريهة والصوت المزعج، فذكر الدستور في أحد مواده «المعامل المضرة في صحة الناس بما ينبعث منها من الغاز والهبلة والروائح الكريهة وكثرة الدخان أو الموجبة لظهور الحريق أو التهلكة بواسطة فرزها أو كانت قرقعتها غالبة أو يخرج منها غبار، يمكن إحداثها
وإنشاؤها في مجرد المحلات البعيدة عن مساكن الأهالي بقدر الإمكان، وعندما سمحت الحكومة العثمانية بالبغاء رسمياً في طرابلس عام 1910 بسبب قيام الفرنسيين بتمديد خط سكة الحديد، مورس في مكانٍ ناءٍ في محلة فوق الريح في الميناء، فساحة التل كمكان جديد لم تستوعب كل جديد يتعارض مع نظام القيم والمعايير السائد.
و«الطريق إلى الهند» أي طريق التل – الميناء ما تزال إلى اليوم أجمل طرقات طرابلس ترتيباً واخضراراً وأشجاراً باسقة. ورغم انها تشكل إحدى ثلاث طرق متوازية نحو الميناء (المئتين وعزمي وهي الثالثة) فمن المدهش ان تبقى الأكثر اجتذاباً وإلفة وصلات حميمة مع السكان، وخصوصاً مع الذين يقطنون حتى اليوم في أسواق الداخل والذين يخرجون في العطل والأعياد وأمسيات الصيف للتنزه فيسلكون نفس اتجاه وخط سكة الترامواي رغم اندثاره منذ نصف قرن. فهل يرجع هذا إلى ان المجتمع المحلي الذي قام بشقها وتسويتها جماعياً قد جعل من ذلك إحدى خزائنه الذهنية المتوارثة؟
من المسائل التي ما تزال في البال حرص ذلك الجيل العثماني على الارتفاق الشديد بالطريق ونهر كل من يجري التخريب فيها. ومهما يكن التقييم المعاصر لنظام شق الطرق العثماني ووصفه بنظام «السخرة» فقد أوجد هذا النظام صلة قوية بالطريق بالحفاظ عليها وانعدام الاغتراب عنها.
عموماً، فإن التل كان متماثلاً ومفارقاً للداخل المركزي في آن. وينبغي التمييز هنا ان عناصر المفارقات كانت في جوهرها إضافات: من محدود الى أوسع، من ضيق الى أعرض، الواجهة اصبحت أغنى. فالواقع كان يتطور من داخله مثلما هو، يتلقى من مركز السلطنة التأثيرات والمؤثرات التي لم تكن تصله بشكل حاد. ولم تفرض التغييرات بعامل الإلزام والخضوع والقوة بل صيغت وتفاعلت وانفعلت وتكيفت معها الجماعات الأهلية المحلية..

في زمن سايكس ــ بيكو

خريف العام 1918 كان حاسماً على صعيد عالمي، ففيه وضعت نهاية الحرب العالمية الأولى. وهو يعني لطرابلس – مثلما لسوريا – إنسحاب الدولة العثمانية جيشاً وحكومةً إلى ما وراء حلب نتيجة هدنة تنازلت بموجبها الدولة العثمانية عن علاقتها بالبلاد العربية.
هذا الانسحاب العثماني ترافق مع قيام حكومة مؤقتة في دمشق تحول دون الفوضى، ترأسها الأمير سعيد الجزائري «الذي أخذ يرسل البرقية تلو البرقية إلى المدن السورية واللبنانية معلناً فيها استقلال البلاد العربية بزعامة ملك العرب حسين بن علي الهاشمي»، ومعيناً في برقيته لوجهاء طرابلس سعدالله بك المنلا لحاكمية المدينة… إلاّ ان هذه البرقية أهملت فاختار الطرابلسيون في اجتماع عقده وجوه المدينة المفتي عبدالحميد كرامي لحاكمية المدينة.. ويروي نورالدين ميقاتي في كتابه «طرابلس في النصف الاول من القرن العشرين» ما حصل: «استقبلت الجماهير المحتشدة هذا الاختيار بالتهليل والتكبير وانتقلوا بالحاكم العربي الجديد إلى سراي الحكومة حيث تسلم من وكيل المتصرفية ومدير قلم تحريراتها عبداللطيف سلطان العلم العربي ورفعه بيده على سارية السراي والناس في أشد الحماسة وكأنهم في حلم من هذا المنظر البهيج».
والحلم لم يدم سوى ثمانية أيام فيما سمي «بأسبوع من الاستقلال العربي الناجز»، ففي اليوم التاسع منه، استيقظ الناس على جلبة وضوضاء، ويكتب ميقاتي: «هرعنا إلى التل فوجدنا أرضه الفسيحة ملآى بمخيمات الضباط البريطانيين وشاهدنا هؤلاء الضباط جالسين في خارج المخيمات على مقاعد وطاولات نقالة يتناولون طعام الإفطار المكون من البيض والجبن ومختلف أنواع المربيات المعلبة فراق لنا الأمر (…) كما دخل المدينة مفارز قليلة من الجيش الافرنسي شغل قائدها القومندان «دي لاروشن» سراي الحكومة وكان أول إجراء اتخذه هذا القائد إنزال العلم العربي عن سارية السراي، كما رفع فوق بابها يافطة مكتوب عليها بالعربية والافرنسية عبارة «بلاد العدو المحتلة – الحاكم العسكري»». ومن المفارقات ان جنوداً من الهند قد دخلوا طرابلس أيضاً..
وبإبدال العلم العربي، سيقيّض لساحة التل ان تدخل زمن سايكس – بيكو وما نتج عنها وستستبدل قبلتها من عاصمة دار السعادة إلى باريس عاصمة الدولة الفرنسية المنتدبة، وبيروت عاصمة «دولة لبنان الكبير» المستحدثة التي خضعت لإشراف مباشر من المفوض السامي الفرنسي ومن ينوب عنه في المدن الكبيرة ومنها طرابلس، تطبيقاً للمادة 22 من ميثاق جمعية الأمم.
وعملياً، عسكر الجيش الفرنسي خارج أسوار الداخل المركزي، في هذه الساحة الفسيحة، مثلما عسكر فيها قبل تسعين عاماً والي حلب عثمان باشا في مواجهته لمتسلم طرابلس بربر آغا.
واستقطب المكان في البداية جمهوراً غفيراً سال لعابه لمنظر المعلبات والمربيات بعدما وصل به الجوع إلى حد تناول لحاء حامض الليمون خبزاً.. واستولت الدهشة الحضور لمنظر السيارات الاولى التي قطعت ترعة قناة السويس ففلسطين فالساحل اللبناني وجعلت كاراجها حول تلك الساحة وجنباً إلى جنب مع عربات الخيل.
ولأن التحديث – هدف الانتداب المعلن – لا يحتمل الانتظار وإضاعة الوقت فقد عمل سريعاً: لقد استقر الحاكم العسكري إدارة وسلطة في السراي وسكناً في بناية محمد البابا (حيث البوسطة الفرنسية أيام العثمانيين) وعسكراً في القشلة العثمانية المقابلة ثم شرع في تنظيم المجتمع المحلي وفق أوالياته وديناميته.
لقد أنخرطت ساحة التل هنا في المفصل السياسي لتتموضع سياسياً واجتماعياً وثقافياً ولتشهد تحولات وتبدلات سريعة في الزمان والمكان الاجتماعيين. وسيبدو بديهياً هنا ان يتحول توقيت ساعة التل من التوقيت العربي إلى التوقيت الزوالي وهو نفسه التوقيت الذي سيصبح عالمياً مع فروقاته المعروفة.

منشية البلدية: خمسة أضلاع

تابعت بلدية طرابلس دوروها الموروث في الاهتمام بساحة التل فعملت على «تبحيص» التل ثم رصفه بالحجر الأسود وتزويد الشوارع، باللوكسات (عددها 16) وأزقة الداخل بالفوانيس (عددها 600).
إلاّ ان جديد البلدية كان في العام 1924 إنشاء حديقة عامة في البقعة الممتدة غربي الساعة حتى بناية البابا، ومن قصر نوفل جنوباً إلى مقهى ماريات باشا شمالاً، ومساحتها بلغت 8850 متراً مربعاً وهي مساحة شاسعة قياساً إلى مدينة لم تكن تتجاوز في ذلك الحين خمسين ألف نسمة.
والحديقة صُممت بشكل مخمس (خمسة أضلاع وخمسة أبواب وخمسة أحواض نباتية) وتتوسطها بركة ماء دائرية رخامية ذات نافورة عالية وأسماك حمراء شهيرة، وكل حوض نباتي أقيم في وسطه طريق للمرور تتوسطه دائرة مزروعة بشجرة وارفة بشكل يقسم الحوض النباتي إلى ثلاثة أقسام. وعلى طول الحديقة المسورة، تجاور حوض نباتي ثم ممر للمتنزهين يتصل بالممرات الفرعية.
وزرعت الحديقة بأشجار كانت مألوفة في البيئة المحلية: أشجار خضراء ريّانة وارفة غير مثمرة غالباً. ويسمح نموها وتشذيبها باتخاذ أشكال هندسية أهمها «المظلة» التي رسمتها شجرة «بتسبوريوم» ومنشأها أوروبي.
وأهم اشجار المنشية شجرة «الفيكس» العملاقة وتسمى بعامية اليوم «شجرة التنابل» حيث تجمع تحت ظلالها الهامشيين والمعمرين والمفلسين وقد يطول جلوس أحدهم عدة ساعات. والشجرة استوائية لا ثمر لها ولا رائحة وتمتاز بكثافة أوراقها الريانة على مدار السنة. وزرع مثيل لها في أبرشية طرابلس المارونية التي أنشئت في أول شارع عزمي في نفس الآونة.
ثم أشجار نخيل افرنجي واشنطوني (منشا أوروبي وأميركي) لا ثمر له ونخيل عربي وصنوبر جوي وبري، ثم شجيرات «أكاسيا» لها زهرة مميزة شبيهة بزهر الليمون، وشجرة «أركوريا» ذات طوابق كتشكيل وأغصان تتساقط على الأرض بكثافة والعديد من نباتات الزهور والورود والزنابق.
ظلت الحديقة مغلقة أمام المتنزهين طيلة أعوام ريثما كبرت أشجارها وجعل لها ناظر يقيم مع عائلته في منزل خشبي صغير المساحة. ومنذ افتتاحها، أصبحت المقر الاعتيادي لإقامة احتفالات 14 تموز (الثورة الفرنسية) وأول أيلول (لبنان الكبير) وخصوصاً الاحتفالات المسائية منها فتضاء وتطلق فيها الأسهم النارية وهي محطة زيارة للمفوض السامي الفرنسي أو حاكم لبنان الإداري أو رئيس الجمهورية فيما بعد وكذلك كبار الضيوف الأجانب وأفراد الأساطيل والقوافل السياحية الأجنبية.
من ناحية الدخول للعموم: للحديقة دوام معين (من الصباح إلى ما قبل الغروب بساعتين) ولها جهاز تنظيفات مثالي الوظيفة ويسود الحديقة نظام صارم لجهة عدم مساس الأشجار والنباتات والورود ومنع الصيد وإقامة البسطات والجلوس على اطراف البركة وفي الأحواض النباتية. ولها حراس يشتهرون بإطلاق صفاراتهم لدى ارتكاب المخالفات وإيذاناً بالإنصراف ويحملون هراوات لهم الحق باستعمالها «ضد المشاغبين» وهم يتبعون جهاز الحراسة لبلدية طرابلس.
وحديقة التل هي المشهد المفضل للمصورين الأرمن والمحليين ومقصد الريفيين والأهالي أثناء الأعياد والعطل: يتجولون ويتنزهون ويتصورون ويجلسون على مقاعد خشبية ثابتة خضراء اللون عرفت «بالبانك». ودعيت الحديقة «بالبارك» باللغة الفرنسية و«بالمنشية» عند الأهالي. وهناك مقولة شائعة من ان قيصر نوفل هو الذي تبرع بتقديم قطعة الأرض للبلدية بوصية اشترط فيها عدم تغيير وجهة استعمالها.. والوصية لم نعثر لها على أثر ولم نجد من يؤكدها، والذي وجدناه هو سند طابو بملكية خزينة الجمهورية اللبنانية لمساحة أرض البلدية لعام 1928 استناداً وعطفاً على «الإرادة السنية المبلغة بأمر نظارة المالية العثمانية رقم 349 المؤرخ عام 1328 هـ (أي 1910م)» ويعين سند الطابو حدود الأرض «بقبلة طريق الأسكلة، شرقاً الطريق الموصل إلى باب التبانة وتمامه القره قول المعروف بالقشلة العسكرية ومدرسة ملك الحكومة وأرض راعي الجاج شمالاً بيوت أسعد بك بن عمر باشا ومحمد أفندي البابا وتمامه مبدأ طريق عزمي بك الموصل إلى المحطة ثم بيوت ورثة طاهر أفندي عدرة ومحمود أفندي الحداد وورثة محمد كامل الزيني وقسم القشلة العسكرية والمدرسة الثانوية ملك الحكومة وغرباً دار وجنينة قيصر بك نوفل». وهناك قرار قضائي عقاري يمنع إقامة أية إنشاءات في الحديقة. وفي المنشية بني أول ملجأ عمومي اتقاء لغارات الجو وله مدخلان وكوات للتهوئة.
وبعد إنشائها، عرضت البلدية الحديقة العمومية في سفح تل الرمل للإيجار بالمزاد العلني والحديقة السفلى المعروفة بمقهى صيران أو الروضة.
أما بجانب المنشية، وخارج سورها الشمالي فقد أنشىء حوض نباتي يقسم إلى قسمين بشكل مثلث وتتوسطهما دائرة مزروعة تحولت فيما بعد إلى بركة مياه… وبذلك تعززت البقعة الخضراء وسط التل.
ولقد رسمت المنشية حدود الشكل العام للتل نهائياً: خمسة أضلاع مسورة ومنفصلة بطريق عام عن الجانب الذي يواجهها من البناء: الضلع الأول الشرقي تحاذيه الساعة وتقابله السراي الحكومية ومبنى سينما حلوان روكسي أو دنيا، الضلع الثاني الشمالي تقابله أبنية مسرح الإنجا ومقهى ماريات باشا وبنايتا الغندور وعدرة، الضلع الشمالي الغربي وهو الأقصر وسيواجه مبنى البلدية الجديد، الضلع الغربي أبنية البابا والمحمد والحافظ، الضلع الخامس الجنوبي حديقة وقصر نوفل.
بهذا الارتسام للمنشية وكأنها أصبحت النقطة المركزية لهذا الشكل، سيتسع حيز التل ليشمل كل ما هو «حديث» عمرانياً واجتماعياً بصفته مركزاً وقلباً له: يضخ مثلما يتلقى.. ومروحة ساعة التل هنا ستتحرك في كل الاتجاهات: شمالاً وشرقاً حتى تصطدم بحدود المنغلق المركزي وجنوباً وغرباً حيث المساحات العذراء والبساتين المحاطة بسياجات والتي ستبدأ بالسقوط والتراجع تدريجياً… وبهذا السياق سيمتد التل شرقاً بخط شبه مستقيم حتى حدود المقابر. وعلى الصعيد العمراني ستأخذ الأمكنة تسمياتها من كل ما هو حسي ومباشر: أول بناء يقام أو أثقل معنى يرسب:
شارع العجم (اسم لعائلة) شارع يزبك (اسم لعائلة) ساحة أبو وديع: (كاراج) وشمالاً: الراهبات (حيث راهبات دير الإحسان) شارع عزالدين (اسم لعائلة) وفي الشمال الغربي، شارع القومندان المان (اسم عسكري فرنسي) شارع المطابع (حيث تأسست مطابع متجاورة) شارع عزمي بك، شارع المطران (حيث بنيت المطرانية المارونية). وغرباً شارع الجميزات (حيث وجود ثلاث جميزات) ساحة الكيال (اسم لعائلة).

الأبرشية المارونية

استلحقت بالتل ساحة رديفة عرفت بساحة «أبو وديع» نسبة لصاحب كاراج، ثم بساحة الكورة الاسم الرائج لها. وموقعها كان خلف السراي من الجهة الشرقية وأحاطت بها الأبنية الفرنسية الطابع وتخصصت بأدوار متنوعة:
– ساحة للمواصلات وموقف للسيارات وعربات النقل من وإلى الكورة، البترون وساحله، بشري، دون زغرتا التي تمركزت مواصلاتها قرب الساعة.
– سوق للمبادلات الزراعية والتجارية مع هذه المناطق وسوق ثانوية للغلال والأجبان والألبان وزيت الزيتون والخضار ومحلات تجارية متخصصة بتموين هذه المناطق الريفية بما تحتويه مخازن المدينة عادة أو لاستقبال وتسويق محاصيل هذه المناطق.
هذه السوق/ الساحة الناشئة تكاد تكون موازية للدور الذي لعبته باب التبانة من حيث اتصالاتها الوثيقة مع مناطق الضنية وعكار وشمالي سوريا. والملفت ان كلا السوقين كانتا شبه مستقلتين وخصوصاً لجهة التخصص بالمواصلات. وامتد حيز ساحة الكورة بخصوصيتها إلى محلة النجمة فيما بعد. وبخط شبه مواز للتل نفسه ليصبح المنطقة السكنية والتجارية المفضلة للمتحدرين من المناطق المشار إليها، وهذا الامتداد جرى في زمن الستينات.
ومروحة التل هي في جوهرها اجتماعية مثلما هي عمرانية وخصوصاً على صعيد التعليم والعلاقات الاجتماعية والمواصلات حيث سيشمل حيز التل الاجتماعي أنشطة الإرساليات وما تحلّق حولها وما أضفته من أجواء مثلما ان السيارات التي بدأت بالانتشار سيكون مجالها الحيوي التل ومتفرعاته ودونها بوابات الداخل… لقد بدأ التل بالتمايز عما هو داخلي.. دون ان يفقد هذا الداخل ثقله وحيويته بل لعله الوجه الآخر للعملة أو الخط الآخر الموازي.
ومما يلفت الانتباه ان ساحة التل برمتها كادت ان توازيها ساحة أخرى بجوار شارع عزمي حينما بنيت الأبرشية المارونية هناك وسط مساحة من البساتين والأراضي الرملية. ففي مطلع العشرينات، قام مطران طرابلس للطائفة المارونية (أصبح بطريركاً فيما بعد) انطون عريضة بشراء مساحات شاسعة من الأراضي الواقعة خلف الجهة الجنوبية لشارع عزمي تقدر بستين ألف متر مربع. وهناك بنى مقراً حديثاً للأبرشية المارونية واختار لها هندسة معمارية إيطالية، وهي في واقع شكلها بناء دائري حول صليب يتفرع عنه نوافر «وقد يكون مستمداً من شكل مدافن روما القديمة التي التجأ إليها المسيحيون الأوائل المضطهدون في روما أثناء حكم الإمبراطور نيرون». وبناء الأبرشية كان من ثلاث طبقات وروف يعلوه مجسم صليب ضخم وهي أول بناء أقيم في شارع عزمي وسط سريان أخبار في صفوف أصحاب الأملاك والبساتين من ان الدولة في صدد إنشاء ساحة عامة مقابل الأبرشية وستمنع البناء بمواجهتها.
وأثار ذلك ضجة من نتائجها المباشرة امتناع أصحاب البساتين هناك من بيع أملاكهم للأبرشية. وبنيت فجأة على الجانب الأيسر لشارع عزمي ثلاثة أبنية وشاع حينها في المدينة ان الهدف هو حجب منظر الأبرشية عن شارع عزمي والحؤول دون إقامة ساحة عامة هناك.
أما الجانب الأيمن للشارع فقد ظل بساتين حتى الستينات، والملفت ان محمد البابا صاحب البناية الشهيرة باسمه في أول شارع عزمي على الجانب الأيسر (بمواجهة الأبرشية) كان نفسه صاحب البستان الشهير باسمه على الجانب الأيمن وهو قد بنى بنايته في مساحة مثلثة تضيق في بدايتها ثم تنفرج مما يشكل صعوبة هندسية في حين ان بستانه المقابل كان أكثر ملاءمة للبناء فيه. وتحاذي مبنى البابا بناية حسين آغا وهي أول بناية تقام في طرابلس من خمسة طوابق بمواجهة الأبرشية وقد حجبتها تماماً، أما البناية التي حجبت منظر الأبرشية من الجهة الشمالية الشرقية فعرفت ببناية حولاّوكانت دائرية الشكل.
ان قصة بناء الأبرشية وما رافقها واستتبعها يوحي بشكل من اشكال المواجهة التي كانت قائمة. فباني الأبرشية هو البطريرك عريضة (المتحدر من شمالي لبنان) وصاحب النشاطات الاقتصادية مثل تأسيس شركتي قاديشا والترابة اللبنانية، والأبرشية كانت حينها مركزاً فعالاً على المستويات الدينية والاجتماعية وهي محطة دائمة لموكب البطريرك أثناء انتقاله من وإلى مقرّيه الصيفي في الديمان والشتوي في حريصا. والمواجهة التي كانت واقعيتها عمرانية تشكل مشهداً عمرانياً فريداً: الأبرشية ذات الشكل غير المألوف، بناية حولاّ الدائرية، بناية البابا المثلثة الشكل والغنية بزخرفاتها الخارجية، بناية حسين آغا «الشاهقة الارتفاع» حينها..
ان كل هذا المشهد العمراني الجديد قد تأسس على المواجهة والتقابل بقصد إبراز صعود قوى جديدة نازحة وفاعلة في الوسط المحلي أو الحجب والستر.
أما الأملاك الشاسعة التي اشتراها البطريرك عريضة فأعاد بيعها «وساعد بها عائلات بإعطائها قطع أرض للبناء عليها» ومن أبرزها عائلات الزبليط وكيروز وعريضة ورفيع. وقد احتفظت الأبرشية بحوالي عشرة آلاف متر مربع حولتها إلى حديقة خلفية أحاطتها بسور كان موقع الأبرشية فيها الطرف الشمالي الشرقي دون وجود فسحة أمامها بل خلفها وبجانبها الغربي. وسمي المكان هناك بشارع المطران الذي شكل نقطة جذب سكني للطائفة المارونية.
من ناحية ثانية، فإن الامتداد العمراني في ساحة التل شكل عاملاً ضاغطاً على نظام توزيع المياه السائد في الداخل المركزي والذي كان يشكو إصلاً من مشكلات حادة فيه وهنا برزت الإمكانيات التقنية التحديثية في هذا المجال من تصاميم ودراسات هندسية ودور الإدارة الناشئة، وتولد عن ذلك تأسيس مصلحة إدارية شبه حكومية تحمل الطابع الأهلي المحلي على توزيع المياه وتصفية النظام القديم الذي يعود بجذوره إلى الحقبة المملوكية. وترافق ذلك مع تأسيس شركة كهرباء قاديشا التي تولت إنارة شمالي لبنان وكان لذلك تأثيره القوي والحاد في عالم التل (سينما، ملاه، سلع كهربائية). والماء والكهرباء والشارع المرصوف والسيارات وكلها تقنيات تحديثية تعززت في التل. لكن التقنيات التقليدية السائدة لم تغب بل تعايشت معها فوسائل النقل التقليدية (عربات الخيل، الطنابر، الأفراس) لم تفقد مواقعها بل اصطفت إلى جانب السيارات. وملكية السيارات في البداية شكلت عامل تمايز فأقبلت على اقتنائها النخب المحلية والأجنبية مما دفع بالتمايز في المكان نحو الأمام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.