طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«أسطورة» نيماير في طرابلس (الحلقة 3)

الرئيس رشيد كرامي في مؤتمر صحافي سنة 1963، ويبدو أمامه المجسم العام للمعرض
لقد كان لتكليف المعمار البرازيلي أوسكار نيماير، الراحل عن عمر مئة وأربعة سنوات، سنة 2012، آخر عمالقة عمارة القرن العشرين، وشاعر العمارة بامتياز، الأثر الكبير في قيمة وأهمية معرض رشيد كرامي الدولي.
فهو المعمار الذي جلب للحداثة المعمارية، شيئاً من الحركة، مبتدعاً نسخة تعبيرية عن العمارة التي لا تؤدي وظيفة محددة لها بالمعنى المطلق للكلمة.
وهو بذلك قد قلب القول المأثور في التيار العام لحركة الحداثة في القرن العشرين، والذي يعتبر «أن الشكل يتبع الوظيف»، فبرهن نيماير أن الشكل عندما يخلق الجمال تصبح له وظيفة.
ويعتبر أوسكار نيماير المعماري الحداثي الأول، من خارج اوروبا واميركا الشمالية، الذي يحقق شهرة عالمية.
فلقد شكل من خلال تصميمه مدينة برازيليا، وتشكيل حركاتها المتتالية، الصورة العصرية للبرازيل، بلده الأم .
باشر الرئيس البرازيلي بتكليف نيماير بالتعاون مع المهندس المتخصص في التنظيم المدني «لوسيو كوستا»، بتصميم مدينة برازيليا ومبانيها، كعاصمة جديدة للبرازيل، وكان ذلك لسببين، أولهما سمعة نيماير وكفاءته وشهرته، وثانيهما الصداقة الشخصية والثقة التي كانت تربط الرجلين، قبل أن يصبح جوسلين كوبيتشيك، رئيساً للجمهورية.
لقد أفرغ نيماير الكثير من الجهد والطاقة في إنجاز هذا الحلم الذي كان تنفيذه بوقت قياسي ما بين 1956 و 1960، حيث تم الإفتتاح الرسمي لمدينة برازيليا، كمركز للحداثة المعمارية في البرازيل، وكنموذج فريد لأول مرة من نوعه، وهو بناء كامل لعاصمة جديدة ضمن مشروع واحد ولمصمم واحد.
وفي هذا التوقيت بالذات، أي نهاية الخمسينات ومطلع الستينات، وبينما كان نيماير ينعم بإنجازاته التاريخية، وبشهرة لم يسبقه إليها اي معماري في أرجاء أميركا اللاتينية، كانت طرابلس تعيش ذلك المخاض العسير، في الحصول على مشروعها الموعود وإختيار الموقع الملائم له، في ظل تجاذبات سياسية، حسمت عام 1961 باختيار الموقع الحالي وإقرار الموازنة اللازمة لإستملاك العقارات وبدء تصميم المشروع، وهنا كانت بداية الحكاية مع أوسكار نيماير.
فكما هي الحال اليوم مع المعماريين النجوم، الذين تكلفهم الدول تصميم معالم رئيسية ومبانٍ حكومية ومنشآت عامة كالستادات الرياضية في مواسم الألعاب الدولية، وأجنحة المعارض الدولية المعروفة بعنوان EXPO والتي تنظم كل خمس سنوات في بلد مختلف، لتشكل عامل جذب سياحياً وإقتصادياً، يذكر منهم المعمارية العراقية زها حديد، فرانك غيري، رنزو بيانو، السير نورمن فوستر وريم كولاس وغيرهم، فقد بدأ الحديث في الكواليس آنذاك، عن تكليف أوسكار نيماير، النجم العالمي المتألق في تلك الحقبة، صاحب التجربة الرائدة في تصميم مدينة برازيليا.
وبالفعل، وبفضل جهود حثيثة قام بها المدير السابق للمعرض السيد أمادو شلهوب، بالتعاون مع السفير البرازيلي في لبنان آنذاك السيد «بوليفار دي فريتاس»، والرئيس رينيه معوض، واللوبي اللبناني البرازيلي، تمت الموافقة على التكليف المباشر للمعمار أوسكار نيماير سنة 1962، للقيام بوضع كافة التصاميم والدراسات المعمارية والعمرانية للمشروع، وسط إثارة حفيظة الكثير من المعماريين اللبنانيين الكفوئين، بسبب حرمانهم من فرصة استثنائية من خلال القيام بتصميم مشروع بهذه الضخامة وهذه الأهمية.
إلا ان الإصرار آنذاك على تكليف نيماير، عكس رغبة السلطة المحلية، بأن يكون المصمم من الطراز الإستثنائي الرفيع، ومن دول الشهرة العالمية، وهكذا كان، وتلك كانت اكبر هدية لطرابلس، بعد إقرار المشروع وإستملاك أرضه.
ومن الجدير ذكره، أن نيماير، العضو الناشط في الحزب الإشتراكي، وصاحب المبدأ والعقيدة الصلبة، قد دفع ثمن قربه من الرئيس كوبيتشيك، والزعيم الكوبي فيدل كاسترو، وإلتزامه السياسي، وذلك بعد حصول الإنقلاب العسكري في البرازيل سنة 1964، وسقوط البلاد في الحكم الديكتاتوري لعدة سنوات بعدها، فلقد تم نفي نيماير سنة 1966 إلى فرنسا، بعدما ساعده الرئيس الفرنسي شارل ديغول بالحصول على التأشيرة، لأنه لم يكن مسموحاً له دخول الولايات المتحدة الأميركية. ولم يتمكن نيماير من العودة إلى البرازيل حتى نهاية الستينات من القرن الماضي.
لقد قدم أوسكار نيماير إلى طرابلس بعيد تكليفه الرسمي، وقام بزيارة معالمها وشوارعهـــا ووسطهـــا التـــاريخي القديم،
وتأمل جيداً في طبيعتها الجغرافية، وإمتدادها في البحر ومناخها ونسيجها الإجتماعي، وتركيبتها الإقتصادية والسياسية، وخرج بمحصلة كاملة، كانت نتائجها أن مشروعه المقترح لن يكون مجرد واحة من المباني والخدمات، إنما هو الرئة والمتنفس والمساحة العامة لأهل المدينة، وهو بمثابة إمتداد المدينة نحو البحر ، فكان تفكيره على المستوى العمراني شبيهاً بتجربته في برازيليا، المدينة العاصمة، فوضع تصميمه المتكامل للمعرض ولإمتداد مدينة طرابلس ما بين المعرض والبحر (المنطقة المعروفة بالسقي الغربي وكورنيش رأس الصخر).
التصاميم الأولى لنيماير لحظت منشآت المعرض التي نعرفها اليوم ضمن نطاق اربعمائة ألف متر مربع على شكل مستطيل ( 500 * 800 ) م2 ، وببعد حوالي ثلاثماية وخمسون متر عن طريق الميناء، الشريان الرئيسي لمخطط مدينة طرابلس الذي يربطها بمدينة الميناء، وحوالي الثلاثمائة متر عن الشاطىء الصخري لناحية البحر، غرب المدينة .
وعند هذا الإمتداد الغربي تحديداً، وفي المنطقة التابعة عقارياً لبساتين الميناء، وضع نيماير التصميم العام لمدينة طرابلس السياحية، والتي لحظ فيها تصميماً شعاعياً لمخططها ينطلق مركزه من داخل المعرض بإتجاه البحر، ووضع الإمتداد السكني والسياحي ومباني الخدمات من فنادق وسواها على شكل طولي شعاعي Radial ليسمح بإنفتاح مجال الرؤية من خلالها نحو البحر، ويفتح المجال لحركة الهواء القادم من البحر، في محاكاة لتجربة مخطط مدينة برازيليا .Master Plan
هذا المقترح كان إفتراضياً من نيماير، كنوع من توصية لمخططه العام، الذي أعتبر المعرض جزءاً لا يتجزأ من نسيج المدينة العمراني، ليشكل مساحة ربط وتلاق ومجالاً عاماً لخدمة فعاليات المعرض الدولي وتواصل اهل المدينة على حد سواء، وقد ناقش نيماير هذا المقترح مع المعمار العالمي «لو كوربوزييه» خلال إحد لقاءاته المتكررة معه، وقد وافقه تماماً.
والجدير ذكره أيضا، أن الترتيب العام للمعرض آنذاك كان عكس الواقع الحالي تماما Mirror ، حيث قاعات المعرض التي تتخذ شكل جناحي الطائر، مفتوحة نحو البحر، فيما هي اليوم تعانق المدينة، وهذا التعديل جاء بسبب عدة توصيات ونصائح وجهت لنيماير، كي يتفادى الرياح العاتية القادمة من الجنوب الغربي للمدينة، والتي قد تؤثر سلباً على حركة زوار المعرض خلال مواسم الشتاء والبرد.
كما أن نيماير لم يوافق على فكرة السور المحيط للمعرض، لأنه اعتبره إمتداداً عاماً للمدينة، وجزءاً من نسيجها، وهو يجب أن يكون بمثابة ساحة عامة لأهلها، إلا أن الضغوطات المحلية التي مورست لغايات أمنية، فرضت إنشاء السور مع لحظ فتحات ضيقة تسمح بالكاد بمشاهدة منشآت المعرض، الأمر الذي أزعج المعمار نيماير، لأن منشآت المعرض منخفضة نسبياً، ولم يعد بالإمكان رؤيتها إلا بعد دخول حرم المعرض، الأمر الذي تركها غير معروفة لمدة طويلة من الزمن، وخاصة إبان الحرب الأهلية، التي حوَّلت المعرض إلى منطقة عسكرية يُحرَّم على كل المدنيين دخولها، أو حتى الإقتراب منها أو تصوير أي منشأة فيها، الأمر الذي يفسر ندرة الصور الفوتوغرافية للمعرض خلال تلك الفترة.
إنتهى أوسكار نيماير من وضع التصاميم المعمارية وتنفيذ المجسم الكامل لكافة المنشآت والمباني في نهاية سنة 1963، أي بعد حوالي السنة من تكليفه، زار خلالها مدينة طرابلس مرتين، عبر البحر بسبب تجنبه الدائم السفر بالطائرات.
جاءت هذه التصاميم ذات طابع مستقبلي، حيث جمع فيها الأشكال الإنسيابية إلى المباني المستقيمة المصقولة، المستوحاة من مدارس الحداثة كالباوهاوس و لوكوربوزبية، فنتج عن ذلك واحة من المباني الخرسانية التي مزج فيها الخطوط المستقيمة والمنحنيات الجريئة، إلى جانب التمادي في الهيكل الإنشائي بطريقة بهلوانية وصادمة أحياناً، بسبب خبرته الطويلة مع الباطون المسلح، والذهاب به إلى أبعد الحدود، وهو صاحب القول «بواسطة الباطون بإمكاننا تنفيذ أي شيء نريده»، فالمباني ذات الأعمدة القليلة والجسور الطويلة والفراغات الرشيقة، هي التي تُوَلِّد لدى الإنسان الإحساس بجمالية العمارة وفق نيماير، والمنحنيات والقباب والأقواس، هي ليست سوى خطوط جسد المرأة، الذي يعتبره نيماير أجمل ما في الوجود.
وهو كان مولعاً بعناصر الطبيعة، وهنا سبب لحظه لحيِّز واسع من الحدائق والمساحات الخضراء والمسطحات المائية (33 ألف متر مربع داخل المعرض)، التي تعكس واجهات المباني، في لعبة سوريالية بين الخيال والظل، وفي تعبير معماري حالم ورومانسي، إستحضر منه نيماير مبدأً معمارياً جديداً وممتعاً، كسر فيه قالب التصميم الحداثي المنظم، فهو بين الشاشات الخرسانية المشغولة برشاقة، والصناديق الزجاجية المقسمة بإطارات رفيعة، توصل إلى صهر الطابعين الرسمي والغنائي في مشروع واحد، الأمر الذي قلَّ نظيره.
إن عمق تجربة نيماير في مشروع برازيليا، ترك في تجربته الطرابلسية الجديدة الكثير من التأثيرات والإرتدادات، لدرجة أظهرته في تصاميمه، وكأنه يحاكي منشآت برازيليا، ويستلهم من النوستالجيا والذكريات التي ربطته بذلك النجاح الباهر.
فجاء التشابه الكبير، وجسر التواصل الثقافي بين برازيليا وطرابلس، لدرجة أنك تجد لكل مبنى في المعرض شقيقاً أكبر في برازيليا، حتى البيت النموذجي القابع خلف فندق الكواليتي، فهو ليس سوى نسخة معدلة عن سكنه الخاص في مدينة الريو، المسمى (كازا داس كانواس – (Casa das Canoas الذي بناه لنفسه سنة 1951 (قبل 11 سنة من تصميم المعرض)، وكأنه يعبر بذلك عن حنينه إلى الوطن، وعن رغبته بغرس جذور برازيلية المنشأ، جاء بها من وراء البحار، كناتج لتجاربه الرائدة والحميمة، مخلفاً بذلك متحفاً معمارياً هائلاً، يجسد بمحتوياته نماذج مختلفة من إبداعاته التي كانت في ذروتها، حيث كان آنذاك بعمر الإثنين وخمسين سنة، عمر النضوج والتألق والإحتراف والجرأة.
(في العدد المقبل حلقة رابعة)
Loading...