طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس (16)

الصورة في الأعلى: برج الإنارة الرئيسي مضاء ليلاً وتظهر مدى فعالية إضاءته تماما كما أراد المعمار أوسكار نيماير… الصورة في الأسفل: برج الإنارة الرئيسي و قد بدا في القسم العلوي صحن المنصة المخصصة لتثبيت وحدات الإنارة والأضواء الكاشفة

∎ منظومة المدخل الرئيسي

عندما وضع المعمار أوسكار نيماير التصاميم الأولية لمشروع معرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس سنة 1962 ، قام بلحظ خمسة مداخل أساسية للدخول إلى حرمه، بعدما تيقن أنه لا مناص من لحظ سور خارجي له، بهدف حماية المنشآت والمساحات الداخلية تحت عناوين أمنية.
المداخل الخمسة أضيف لها ثلاثة مداخل أخرى في مراحل لاحقة، ليصبح المجموع ثمانية مداخل، بعضها رئيسي والبعض الآخر مخصص للخدمة، وهي على الشكل التالي وبحسب المخطط التوضيحي المرفق:
1- المدخل الرئيسي المخصص للمعارض والأكثر إستخداماً في الوضع الحالي.
2- مدخل المنشآت الثقافية والمسارح، ويستخدم خلال المهرجانات والفعاليات الثقافية والرياضية والسياحية وهو مقفل في معظم الأوقات خلال السنوات الأخيرة.
3- مدخل السكن النموذجي ( مبيت مدير المعرض) (مقفل حاليا وبشكل دائم)
4- مدخل مبنى السكن الجماعي ( فندق الكوالتي إن حالياَ)
5- مدخل خدمة الإدارة ومطعم الموظفين.(مقفل بشكل دائم حالياً)
6- مدخل مباني الإدارة والجمارك والدفاع المدني. (مقفل بشكل دائم حالياً)
7- مدخل مبنى الضيافة.(يستخدم حاليا لموظفي مبنى الأمم المتحدة لخدمات النازحين)
8- مدخل خدمة المعارض.(يستخدم لنقل المواد وتجهيزات المعارض)(مقفل بشكل شبه دائم)
بالعودة إلى المدخل الرئيسي، فإنه وبحسب المخططات الأساسية لنيماير، فإنه مدخل المعرض المخصص للزوار بإمتياز، وخاصة بإحتضانه للمساحة الرئيسية المخصصة لمواقف السيارات بمساحة حوالي العشرين ألف متر مربع، وقدرة إستيعابية لأكثر من ألف سيارة، على شكل شبه منحرف من الجهتين اليمنى واليسرى عند الدخول من الجهة الشرقية للمعرض، وينتهي بمنظومة رواق المدخل الرئيسي (Main Entrance Portico وهو محاط من جهاته الثلاث بسور معدني، بخلاف باقي تصوينة حرم المعرض، المبنية من الخرسانة المسلحة، حيث لا بد من التذكير هنا أن بناء كل التصاوين حول المعرض، جاء على عكس رغبة المصمم أوسكار نيماير، مهما كان نوعها، لأنه أراده مساحة مفتوحة، على شكل إمتداد طبيعي للحيز المديني العام.
ويحتوي هذا المدخل على عناصر أساسية وهي:
1- مبنى قطع التذاكرTicketing Booth
2 – برج الإنارة الرئيسية.
3- الصواري المعدنية المخصصة لأعلام الدول العارضة.
4- غرفة الحرس عند بوابة المدخل.
ومن الجدير ذكره، أن أرضية هذا المدخل، مكسوة ببلاطات من الخرسانة المسلحة وهي المادة التي طغت على معظم المباني والمنشآت، ربما يعود ذلك لفلسفة نيماير وعشقه لها وتجنبه إستخدام مواد التشطيب الثمينة كالرخام والغرانيت والحجر الطبيعي، إلا في أماكن محدودة بهدف التنويع، وربما يعود ذلك إلى خلفيته الإشتراكية التي لا تتبنى البذخ والترف.

برج الإنارة الرئيسي

هو المنشأة الأعلى في الإرتفاع من بين كل منشآت المعرض وهي تناهز الستين متراً، ولهذا البرج المعدني المخصص لإنارة المدخل الرئيسي ومواقف السيارت، حكاية مشوقة.
فعندما وضع المعمار نيماير التصاميم المعمارية المبدئية لمنشآت المعرض خلال صيف سنة 1962 خلال إقامته في طرابلس لمدة حوالي الشهرين، لم يلحظ أي فكرة لإنارة المدخل الرئيسي، وترك ذلك عن قصد، لمرحلة تطوير الدراسات وإعداد المخططات التنفيذية وملفات التلزيم، والتي أوكل أمر إعدادها إلى المكاتب الهندسية وشركات الإستشارات اللبنانية، وكان هذا البرج الذي يندرج ضمن المجموعة C، من نصيب شركة دار الهندسة نزيه طالب وشركاه، حيث أخبرني الدكتور نزيه طالب (صاحب ومدير عام الشركة)، خلال مقابلة أجريتها معه مطلع سنة 2014 في مكتبه في بيروت، قصة برج الإنارة والإشكالية التي رافقته.
فبعيد تكليف الشركة القيام بإعداد المخططات، قام مهندسو الإنارة في الشركة، بلحظ عشرات من أعمدة الإنارة موزعة على كامل مساحة مواقف السيارات عند المدخل الرئيسي، على شكل يشبه الغابة من الأعمدة، على إعتبار تحقيق التوزيع المتكافىء للإنارة على كامل المساحة ( حوالي عشرين ألف متر مربع الكبيرة نسبياً).
إلا أن المعمار أوسكار نيماير، وخلال زيارته الثانية إلى لبنان، منتصف الستينات، قام بزيارة تفقدية للمكاتب الإستشارية العاملة على الدراسات التفصيلية، ومنها زيارة إلى شركة دار الهندسة، حيث التقى مع المهندسين بكافة الأختصاصات، وراجع المخططات، واستمع إلى الأسئلة والإستفسارات والملاحظات، وعند مشاهدته لأعمدة الإنارة المقترحة لمساحة المدخل والموزعة بكثافة، إستشاط غضباً وانزعج كثيراً من هذا الإقتراح، وإعتبر أنها ستشكل تشويشاً بصرياً للداخل، ما قد يفقد الإحساس بالرحابة وإنفتاح مجال الرؤية، فكان الرد من المهندسين اللبنانيين أنه لا مجال لتأمين الإنارة بغير هذه الطريقة.
فكان جواب نيماير المتميز بالبساطة والعبقرية، حيث قال جملة واحدة: «أريد عموداً واحداً فقط لإنارة المدخل الرئيسي»…!!
وعندها اندهش المجتمعون بهذا الطلب (بحسب شهادة الدكتور طالب دائماً)، فابتسم نيماير وشرح فكرته مستشهداً بنماذج أبراج إنارة الملاعب والإستادات الرياضية، وعندها فقط، فهم المهندسون مقصده، فقام برسم فكرة هذا البرج وتصميم المنصة العليا على شكل صحن كبير مع جوانب مفتوحة ومائلة إلى الأعلى، حيث تثبت وحدات الإنارة Projectors ضمن الفتحات المحيطة بهذا الصحن، الذي يتم الوصول إليه من داخل تجويف هذا البرج بواسطة سلم معدني يصل باب المدخل عند القاعدة بمنصة الصحن العلوي الدائري، وتم تحديد الموقع المثالي لهذا لبرج المنفذ بمادة معدنية غير قابلة للصدأ، عند الناحية الشمالية لموقف السيارات، فكان بمثابة المعلم (Landmark)، الذي حدد بوضوح تام موقع المدخل الرئيسي، حيث يمكن رؤيته من كامل أطراف المدينة وعلى بعد عدة كيلومترات.
وعندما تتم إضاءته ليلاً خلال الإستخدامات الحالية للمعرض، يستطيع الداخل إلى مساحة المدخل الرئيسي أن يشعر بفعالية هذه الإنارة المثالية دون الإحساس بالإنبهار، نظراً لإرتفاع وحدات الإضاءة عند أعلى البرج، ولا يتعرض إلى اي عائق مادي أو بصري فيما لو كانت عدة أعمدة موزعة على كامل المساحة، كما كان المقترح التقليدي للمهندسين البنانيين.
هذه هي عبقرية نيماير وبساطته في التعامل مع وضع الحلول ذات طابع السهل الممتنع.

مبنى قطع التذاكر: Ticketing Booth المعلم رقم 22

هو المعلم رقم 22 على مخططات شركة دار الهندسة المعدة سنة 1965، وهو يقع عند يمين المحور المؤدي إلى منحدر الدخول تحت رواق المدخل الرئيسي، وهو مصمم على طابق واحد شبه منغمس تحت الارض، ولا يظهر منه سوى ستون سنتم فوق سطح منسوب مواقف السيارات المحيطة به، وجاء ذلك بناء لرغبة المصمم نيماير، والتي تقتضي بعدم وجود اي بناء يحجب رؤية مشهد رواق المدخل الرئيسي المهيب ومبنى خدمات الزوار القابع تحته.
ولهذا كان لا بد من لحظ منحدر من الخرسانة المسلحة للنزول والوصول إلى شبابيك قطع التذاكر، لأنه كان لا بد من دفع رسم محدد لزيارة بعض المعارض والفعاليات الإقتصادية والثقافية والسياحية في تلك الحقبة وبحسب المفهوم المعتمد للمعرض الدولي آنذك.
تم تصميم هذا المعلم على قاعدة مربعة ( 20*20 م) وهو مؤلف من قسمين، مبنى قطع التذاكر والمنحدر المؤدي إليه، أما البناء فهو عبارة عن غرفة بطول عشرين متراً وعرض مترين ونصف المتر، وله سقفية ناتئة بشكل كابولي، لحماية الواقفين عند شبابيك التذاكر من أشعة الشمس بإمتداد متر ونصف المتر، وتحتوي هذه الغرفة على أربع عشرة فتحة نوافذ طولية بعرض خمسة وعشرين سنتيمتر فقط لكل واحدة، مخصصة للتواصل بين موظفي قطع التذاكر (14 موظفا) والزوار المصطفين في الخارج، وهو عدد مقبول يتناسب مع التوقعات بعدد الزوار المحتملين في تلك الفترة الزمنية (منتصف القرن العشرين).
واحتوى هذا المبنى على حمامين عند أطرافه ( إناث + رجال ) وله مدخلان عند الطرفين الشرقي والغربي، مخصصان للموظفين فقط.
لهذا المبنى واجهة رئيسية واحدة وهي التي احتوت على شبابيك التذاكر والمدخلين الجانبية مع ابواب مخفية في الداخل، وهي مكسوة بالكامل بحجر القرميد، الذي إستخدم في تكسية الجدران الداخلية في العديد من منشآت المعرض، منها مبنى الخدمات ( الإدارة حالياً وتمت إزالته خلال أعمال التأهيل منصف التسعينات)، مبنى الإدارة، مبنى السكن الجماعي ( وقد أزيلت بعد تحويله إلى فندق كواليتي إن).
أما الواجهات الثلاث الباقية فكانت عبارة عن شريط بإرتفاع ستين سنتم فوق مستوى أرضية موقف السيارات المحيط، واحتوت الواجهة الشمالية على سلسلة من النوافذ المنخفضة والمخصصة لإنارة وتهوئة داخل قسم التذاكر بشكل طبيعي دون السماح بدخول أشعة الشمس بشكل مباشر.
ويلاحظ في هذا السياق، أن المعمار نيماير، إعتمد هذا المبنى شبه المنغمس تحت الأرض، كمنشأة خفيفة صالحة للإستخدام وإصطفاف الزوار خلال الفصول المعتدلة نسبياً، حيث أنه ومن الناحية العملية، لا يمكن تحمل الوقوف أمامه في الهواء الطلق وعلى ذلك المنحدر أمام شبابيك التذاكر خلال موسم الأمطار والعواصف، وحتى خلال شمس الصيف الحارقة، لكنه هو نيماير، الملقب بشاعر العمارة، الذي غالباً ما يفضل النواحي الجمالية على الجوانب العملانية والوظيفية المثلى، وكما قيل سابقاً، يحق للشاعر ما لا يحق لغيره.
وكسائر المنشآت والمباني في المعرض، تعرض هذا المبنى الذي إكتمل بناؤه وتجهيزه مطلع السبعينات من القرن الماضي، للكثير من التدهور، ونهبت أبوابه وتجهيزاته خلال الحرب الأهلية، وظل غارقاً في مياه الأمطار والأتربة والنفايات لعشرات السنين، حتى تم كشفه وتنظيفه خلال أعمال التأهيل منتصف التسعينات، وهو حالياً يعاني من التشققات والتلف في هيكله الإنشائي وغلافه المعماري، ويتطلب المداخلة الطارئة، قبل حصول إنهيارات جزئية أو كلية في سقف الخرسانة.

الصواري المعدنية

وعددها حوالي السبعين صارية مخصصة لرفع أعلام الدول المشاركة في المعارض الدولية، وهي تصطف على جانبي موقف السيارات عند المدخل الرئيسي من الناحيتين الشمالية (حوالي عشرين صارية) والجنوبية (حوالي خمسين صارية)، وهي للأسف الشديد لم يرفع عليها الأعلام التي صممت لأجلها إلا بضع مرات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وهي تستخدم غالباً لرفع العلم اللبناني خلال بعض المناسبات المحلية والوطنية.

غرفة الحرس

تقع عند طرف السور المعدني للمدخل الرئيسي من الناحية الشرقية وعند بوابتي الدخول والخروج، وهي مصممة ومبنية من الخرسانة المسلحة، بطريقة مشابهة للتصوينة الخرسانية التي تحيط بكامل حرم المعرض، بإستثناء السور المعدني عند المدخلين الرئيسي والشمالي المخصص للفعاليات الثقافية والفنية.
وهذه الغرفة ليست من تصميم نيماير، شأنها شأن سائر التصاوين المعدنية والخرسانية.
إن الدخول والخروج إلى معرض رشيد كرامي الدولي من خلال مدخله الرئيسي، لطالما أثار إشكاليات عدة، منها التسبب بزحمة سير خانقة بسبب سوء التصميم لناحية تجميع السيارات، وعدم تنظيم وقوف السيارات داخل الباحة الرئيسية بسبب غياب أي تخطيط للأرضيات Marking والفصل بين مسار المشاة ومسارات السيارات والمركبات.
كذلك عدم القدرة على الدخول المباشر للقادمين من ناحية ساحة النور، المدخل الأساسي لمدينة طرابلس، حيث عليهم القيام بإلتفافة طويلة نسبياً حول المعرض، ما يفاقم من الإزدحام أثناء الذروة وخلال الفعاليات المنظمة داخل المعرض، الأمر الذي يتطلب دراسة مرورية بمستوى إحترافي عالٍ، لإبتكار الحل المناسب لهذا الخلل المزمن، والذي ستظهر عيوبه بشكل فاضح، فيما لو قدر للمعرض أن يحتضن في المستقبل القريب، الفعاليات الدولية بالمستوى الذي صمم له بالأساس سنة 1962، عندما سمي آنذك «معرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس».
Loading...