طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس (15)

الصورة في الأعلى: واجهة القناطر الدائرية التي يوجد خلفها القسم المزجج لصالة الإستقبال والخدمات……… وفي الأسفل قاعة جناح الاستقبال في وضعها الحالي بعد ورشة التأهيل في تسعينات القرن المنصرم

∎ 1- رواق المدخل الرئيسي:

Main Entrance Portico
هو المعلم رقم 9 على لائحة المخططات التنفيذية المعدة سنة 1964 من قبل شركة دار الهندسة نزيه طالب وشركاه وهو أيضاً ينتمي إلى المجموعة «c» التي نفذت في المراحل الأخيرة لبناء منشآت معرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس، والتي إنطلقت ورشة تنفيذها سنة 1967، بعد تأخر دام ثلاث سنوات، بسبب تعثر في آلية حجز الأموال اللازمة للمشروع، بما يتناسب مع الموازنة العامة للدولة اللبنانية آنذاك، مع العلم أن مدة التنفيذ التقديرية لكامل المنشآت مع التجهيز والتشغيل كانت حوالي الثلاث سنوات، تنتهي في شهر أيار من العام 1971، لكن ذلك لم يتحقق لغاية يومنا هذا.
جاء كل ذلك وفق التقارير التي أعدها خبراء دوليون متخصصون في المعارض الدولية من ناحية بنائها وتشغيلها، وأهمها تقرير الخبير السيد «الان بيتش» Allen Beach، الذي أعده سنة 1967، حيث إحتوى على بيانات وبرامج زمنية لتنظيم المعارض، تلاه التقرير الذي أعده الخبير روبرت وارنر Robert ,Warner الذي إحتوى على مجموعة من التوصيات المهمة لضمان نجاح التشغيل لهذا المعرض الدولي الفريد من نوعه في المنطقة آنذاك، كونه الوحيد المذيل بتوقيع المصمم العالمي المعمار أوسكار نيماير، على عكس المعارض الدولية الأخرى والمجاورة في سوريا (معرض دمشق الدولي) والعراق وتركيا، والتي اقتصرت منشآتها على مبان شبه صناعية (هنغارات وما شابهها من منشآت خفيفة ومؤقتة).
يقع هذا المعلم (رواق المدخل الرئيسي) عند الطرف الشرقي لمنظومة منشآت المعرض، وهو الذي إختتمت به عملية البناء عند مطلع سبعينات القرن الماضي.
لقد أراد نيماير أن يكون لمعرض طرابلس مدخل لائق يتمتع بالعظمة والضخامة والرشاقة، لكي يحاكي من الناحية المعمارية كل المنشآت التي يحتضنها حرم المعرض، ويكون عنواناً منسجماً مع ما سيراه الزائر بعد إجتيازه، والتجول داخل أرجائه.
وهذا البناء هو أول مبنى يراه الداخل إلى المعرض، فور ولوجه إلى مرآب السيارات الرئيسي ذي الشكل شبه المنحرف (Trapezoidal)، المشابه لذراعين مفتوحتين جاهزتين لإستقبال الزوار وتوجيههم إلى هذا الرواق، والمرور من تحته للدخول إلى مرافق المعرض المتنوعة.
وهذا المرآب السطحي الرئيسي، بمساحة عشرين ألف متر مربع وقدرة إستيعابية لوقوف حوالي الألف سيارة، تحيط بجانبيه صواري معدنية مخصصة لرفع أعلام دول العالم المشاركة في المعرض الدائم تحت الغطاء الكبير (Grande Couverture)، ويحتوي على برج معدني مرتفع للإنارة الليلية، ومبنى قطع التذاكر شبه المنغمس تحت الارض.
رواق المدخل الرئيسي The Entrance Porticoهو عبارة عن غطاء كبير من الخرسانة المسلحة بإرتفاع حوالي العشرة أمتار ونصف، مصمم على قاعدة مستطيلة بطول 128 متراً وعرض 20 متراً، ويرتكز في محيطه على أربعة أعمدة عند أطراف زواياه الاربع فقط، وبطريقة توحي بأنه مرتفع عن الأرض بخفة ورشاقة وأسلوب يدعو إلى الدهشة والتعجب، إذ كيف لمنشأة من الباطون المسلح مصممة ومشيدة في مطلع ستينات القرن العشرين ترتكز على أعمدة يفصل بينها جسور بطول 128 متراً من دون أية أعمدة تحميل مساعدة في الوسط ؟؟؟ …
في الواقع أن هذا الأسلوب إعتمده نيماير بذكاء وعبقرية، وخبرة طويلة مع التمادي في تحميل الخرسانة المسلحة، خاصة بعد تجربته الشاقة في تصميم وتشييد معالم مدينة برازيليا، حيث تعامل بأريحية وخفة شبيهة بألعاب السحر الإستعراضي، بهدف جذب إنتباه المشاهد إلى ما يريده أن يصدقه، فيما يكون الواقع والحقيقة في مكان آخر، حيث أن لهذا السقف الكبير الذي يعلو الرواق، سلسلة من أعمدة التحميل الرفيعة نسبيا، والمرتكزة في المنطقة الوسطية للرواق وخلف الواجهة الرئيسية، وعددها ثمانية أعمدة، وهي التي تقوم بدور التحميل الفعلي لهذا السقف العملاق.
ويحتوي رواق المدخل على اربعة عناصر مهمة وهي :
1- قاعة جناح الإستقبال وملحقاتها (مبنى إدارة المعرض الحالية ).
2- منحدرا الدخول والخروج.
3- مسطح المياه العاكسة لواجهة جناح الإستقبال.
4- وأضيف مؤخراً خلال أعمال تأهيل قاعة المعارض وقاعة المؤتمرات سنة 1996، عنصر رابع وهو حديقة نبات الصبار Garden Cactus على يد المتخصص الكبير في هذا المجال الأستاذ سامي الرفاعي، وهو محام ومهندس معماري ونحات وصاحب مجموعة غنية ونادرة من نبات الصبار «الكاكتوس»، وهو ذو خبرة طويلة وشهرة عالمية، الأمر الذي يستوجب العناية الخاصة بهذه الإضافة وبتجربته هذه في معرض رشيد كرامي الدولي.
1- قاعة جناح الإستقبال:
وهي عبارة عن بناء مشيد تحت غطاء رواق المدخل الرئيسي بشكل مستقل تماماً وعلى قاعدة مستطيلة بطول 33 متراً وعرض 12 متراً وإرتفاع حوالي 7 أمتار وبمساحة بناء إجمالية تناهز الألف ومئة وثمانية وثمانين متراً مربعاً، مقسمة على طابقين، أرضي ونصف سفلي مكشوف عند محيطه من الأعلى بواسطة نوافذ زجاجية.
في الطابق الأرضي الجناح عبارة عن قاعة زجاجية بمساحة 363 م2، يحيط بها أروقة على شكل ممرات جانبية من الناحيتين الشرقية والغربية، حيث يتقدمها أيضا سلسلة من القناطر نصف الدائرية (Rounded Arches) وعددها سبع في كل واجهة، بطريقة تحاكي العمارة المحلية التي إشتهرت بها مدينة طرابلس التاريخية خلال حقبة القرون الوسطى (البيزنطية، الصليبية والمملوكية).
أما الارضيات فكانت مكسوة بالرخام الابيض (الكارارا) وجدران القواطع الداخلية مكسوة بحجر القرميد على غرار العديد من المباني داخل المعرض (وكلها تم إزالتها خلال عملية الترميم والتأهيل في مطلع التسعينات من القرن الماضي).
وكانت الوظيفة الرئيسية لهذه القاعة المفتوحة (Open Space)، عبارة عن مركز خدمات العارضين من خلال عدة مكاتب مراجعة .(Counters)
وتتصل هذه القاعة بالطابق شبه السفلي من خلال درجين أحدهما للزوار والثاني للخدمة، وقد خصص هذا الطابق لوظيفة صالات الإستراحة ومكاتب رجال الأعمال مع قسمي الحمامات والخزائن.
وكانت أرضياته مكسوة ببلاط الموزاييك، قبل أن يتم تبديلها بالرخام خلال أعمال التأهيل الأخيرة.
أما الوظيفة الحالية لهذا الجناح، فهي إيواء مكاتب إدارة المعرض ومجلس إدارته بالإضافة إلى إستحداث قاعة محاضرات تتسع لحوالي 125 شخصاً ضمن الطابق السفلي وتحت منحدر الدخول بالتحديد.

2- منحدرا الدخول والخروج:

لقد أراد نيماير أن يلحظ هذين المنحدرين من ضمن فلسفته في ضرورة تحقيق عنصر المفاجأة والإثارة من خلال التأليف المعماري، فبالرغم من أن منسوب الساحة الكبيرة لمواقف السيارات عند المدخل الرئيسي، هو نفس المنسوب الداخلي لحرم المعرض بعد إجتياز غطاء رواق المدخل الرئيسي، إلا أن المعمار البرازيلي أراد أن يكون الدخول إلى المعرض سيراً على الأقدام بالصعود إلى المنطقة المستوية تحت غطاء الرواق عند مستوى جناح خدمات العارضين (مكاتب الإدارة حالياً) وبإرتفاع مترين عن أرض مواقف السيارات ومنسوب حرم المعرض، ثم السير تحت الغطاء لمسافة 12 متراً ثم النزول تدريجيااً للعودة إلى المنسوب الأساسي والشعور بالإستكشاف البصري التدريجي لمنشآت المعرض ضمن تلك الواحة السوريالية، حيث يرى الزائر أمامه الإمتداد المنحني لأجنحة العرض تحت الغطاء الكبير Couverture La Grande بطول حوالي السبعمائة وخمسين متراً وإرتفاع ستة أمتار، كما يَرى على يمينه بناء الجناح اللبناني ذا القناطر المحدبة والمسطحات المائية، ويُشاهِد من بعيد قبة المسرح الإختباري والقوس الكبير للمسرح العائم، ويعيش تلك الحالة من الإنبهار والتشويق والرغبة بالإستمرار في المسير وإكتشاف المزيد.
تلك هي نظرية الراحل نيماير التي تحدث عنها في العديد من الكتابات والمقالات المصورة، حيث كان كثيراً ما يردد جملته الشهيرة أن العمارة يجب أن تساهم في إمتاع حاسة البصر، ولكي تحقق هدفها يجب أن تخلق حالة من التشويق والإثارة وأن تتفاعل مع الأحاسيس والمشاعر بمجرد مشاهدتها، وثم من خلال إستخدام الوظائف التي تحتضنها.

3- مسطح المياه العاكسة:

يحتوي حرم معرض رشيد كرامي الدولي على أكبر مسطح مائي في الشرق الأوسط، إذ تبلغ مساحته حوالي الثلاثة والثلاثين الف متر مربع، وهو يمثل حالة متقدمة في فلسفة نيماير وعشقه لفكرة إنعكاس واجهات المباني وما توحي به من رومنسية ودينامية، بحسب تغير إتجاه أشعة الشمس خلال النهار وبحسب تقلب مواسم الفصول الأربعة، وبحسب ألوان الإضاءة الليلية للمنشآت.
وهكذا أراد نيماير أن يكون لجناح الإستقبال تحت غطاء رواق المدخل الرئيسي، مسطح مائي خاص به، ليعكس واجهته الشرقية ذات القناطر السبع، فيعطي بعداً رابعاً لهذه الكتلة المعمارية الرائعة، وكذلك الأمر بالنسبة لمنحدري دخول وخروج الزوار والضيوف، فكان لهما الإمتداد الخاص بهما من مسطحات المياه العاكسة عن اليمين وعن اليسار، وكأنهما جسران يعبران فوق الماء.
إلا أنه، وللأسف الشديد، وخلال أعمال التأهيل والترميم التي جرت منتصف تسعينات القرن الماضي، تفتقت عبقرية المهندسين الذين عملوا على هذا المشروع، فقاموا ربما عن غير قصد، بإرتكاب العديد من الأخطاء المبدئية، ومنها إضافة نوافير (Water Jets) لهذه المسطحات بهدف التجميل، الأمر الذي تسبب بتشويه فكرة إنعكاس واجهات المباني وإبراز جماليتها، بالإضافة إلى التسبب بإزعاج الوافدين برذاذ مياهها وضجيجها، خاصة بتلازم ظاهرة الرياح شبه الدائمة صيفاً وشتاء في هذا الجانب من مدينة طرابلس، القريب من البحر والمكشوف أمام الرياح الموسمية.
حتى أنه لم يعد يتم تشغيلها مؤخرا بسبب الأعطال وغياب الصيانة، فتحولت هذه المسطحات إلى مستنقعات للضفادع والحشرات، يملؤها الطين ومياه الأمطار الراكدة والنفايات والأعشاب البرية للأسف الشديد.
على الرغم من ذلك، فإن منظومة رواق المدخل الرئيسي Entrance Porticoتعد من افضل المنشآت في معرض طرابلس من ناحية سلامة الهيكل وأناقة المظهر وذلك يعود لسبب بسيط جداً، وهو أنها مستخدمة من قبل إدارة المعرض كمقر رئيسي لها، وهذا يشكل دليلاً قاطعاً على أنه لو قدر لبقية المنشآت أن تكون قيد الإستخدام الدائم، لكانت حالها أفضل بكثير مما هي عليه اليوم، قابعة في ثباتها العميق، وكأنها في غيبوبة طويلة، تنتظر معجزة الإستيقاظ أو الموت الرحيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.