طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس (18)… المعالم المخفية تحت الأرض… معلومات تنشر لأول مرة في تاريخ المعرض

الصور من الأعلى: تحت هذه المساحة المجاورة لقبة المسرح الإختباري يقع الملجأ المخصص له وتظهر مآخذ الهواء وقد أصابها التلف… أحد منافذ تهوئة الملاجىء السفلية وقد أصابه التلف والتدهور في الخرسانة المسلحة… القاعة الرئيسية للملجأ وقد ظهر النمط الإنشائي للأعمدة ذات التيجان الفطرية الشكل بهدف مقاومة الإرتجاجات والصدمات والهزات الأرضية

منظومة ملاجئ الحماية تحت اللأرض 

THE FIVE SHELTERS
لقد كان النصف اللأول من القرن العشرين شاهداً على الكثير من الحروب والنكبات، ولعل أكثرها فظاعة الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحروب والثورات التي أدت الى استقلال معظم الدول العربية، إضافة إلى احتلال الأراضي الفلسطسنية من قبل الكيان الصهيوني، وما تبع ذلك من نكسات وصراعات لا تزال مفاعيلها قائمة حتى يومنا هذا.
وفي صيف 1962، عندما قدم المعمار البرازيلي أوسكار نيماير إلى طرابلس بتكليف رسمي من الحكومة اللبنانية، بهدف وضع التصاميم المعمارية لمعرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس، كان بانتظاره مجموعة من المستندات والوثائق التي تحتوي كافة متطلبات المشروع وفق الرؤية المعدة من قبل مجالس الإدارة المتعاقبة، ومنها ما يتعلق بقوانين البناء المعمول بها والشروط المرتبطة بالسلامة العامة تحديداً، وأهمها تلك المتعلقة بتأمين ملاجئ الحماية للأفراد، وفق الأطر والمواصفات الفنية التابعة لوزارة الدفاع ومديرية الدفاع المدني.
لذلك كان لا بد من أن يتم لحظ المساحات المخصصة لهذا الغرض، بهدف اللجوء إليها واستخدامها في حالات الحروب والكوارث، لإيواء الأشخاص المتواجدين ضمن حرم المعرض من زوار وموظفين، وأن تكون موزعة بالشكل الذي يتلاءم مع الإمتداد الأفقي الشاسع لهذا المرفق الكبير.
يمكننا القول إن توزيع هذه الملاجئ المخفية تماماً تحت اللأرض، مغيب بشكل مريب بحيث أن القليل من الناس يعرف أنها موجودة أصلاً، ومنهم من عمل في إدارة المعرض أو قام بدراسة مشاريع على أرض هذا المرفق وحول منشآته المترامية على مساحة تناهز السبعمائة ألف متر مربع خلف التصوينة الخرسانية، فتصاميمها المعمارية جاءت غاية في البساطة والإبداع الهندسي، وتتميز بتأمين الكفاءة العالية على مستوى الحماية والسلامة والراحة لمستخدميها، وهي متشابهة تماماً في التصميم العام من حيث الشكل والمساحة والمواصفات وكلها متصلة بمنشآت رئيسية عبر أنفاق تحت اللأرض، بهدف تأمين وصول الناس الموجودين داخلها إلى الملاجئ مباشرةً، دون الحاجة إلى الخروج الى الهواء الطلق، وذلك تحسباً من الظروف الأمنية ونسبة الخطر الموجود.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه من غير المؤكد أن المعمار أوسكار نيماير هو من قام بتصميم هذه الملاجئ، لأن كل المخططات المتوفرة والتي تعود إلى السنوات ما بين 1962 و 1964، وهي المدة التي صدرت فيها تصاميم المعمار نيماير، والتي قامت خلالها المكاتب الهندسية اللبنانية (A) ودار الهندسة بتطوير هذه التصاميم، لم تظهر أي تصاميم لهذه الملاجىء على الإطلاق.
لكن ما يثير الإستغراب هو أن الصور الفوتوغرافية لورشة بناء منشآت المعرض التي انطلقت سنة 1967 تظهر فيها كل حفريات مباني الملاجئ وحتى خرسانة الأساسات الخاصة بها وبعض جدرانها التي طمرت لاحقاً وصارت تحت مستوى الأرض، ما يعني أنها كانت جزءاً أساسياً من مرحلة البناء الرئيسية، أو بمعنى آخر، أن مخططاتها التنفيذية كانت جاهزة قبل سنة 1967.
ويبقى هنا فرضيتان لا ثالث لهما:
الأولى، أن المعمار نيماير قام بتصميمها لاحقاً بعدما أتمّ تصميم المنشآت الرئيسية، واعتبرت هذه الملاجئ ضمن المنشآت الخدماتية الثانوية، خاصة أنها مدفونة تماماً تحت الأرض، (وهو المرجح برأيي الشخصي).
والثانية، هو أن مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى قام بطلب إلحاقها بالتصاميم الأساسية خلال فترة قيام المكاتب الهندسية اللبنانية بتطوير تصاميم نيماير، وذلك ليستجيب المشروع لمتطلبات أنظمة السلامة العامة المحلية المعمول بها حسب القوانين اللبنانية، وليتم لاحقاً إطلاع المعمار نيماير عليها لأخذ العلم والموافقة احتراماً لكونه المعمار الأساسي للمشروع، وكونها متصلة مباشرة بالمباني التي قام هو نفسه بتصميمها وتشكيلها.
وفي كلتا الحالتين، فإن التصاميم المعمارية لهذه الملاجئ «السرية» نوعاً ما، جاءت تحاكي نفس الكفاءة المعمارية لمنظومة منشآت المعرض، فكانت متميزة وذات قدرة حماية عالية ومدروسة بعناية وفق أسس علمية وعسكرية، بهدف تأمين أقصى درجات الحماية لمستخدميها في زمن الحروب والكوارث.

الوصف المعماري والإنشائي لمنظومة الملاجئ:

إن العدد الإجمالي لمباني الملاجئ كما ظهرت في مخططات الرفع (ۖSurve) التي أعدتها شركة دار الهندسة، نزيه طالب وشركاه، هو خمسة ملاجئ موزعة على الشكل التالي:
∎ الملجأ الأول قرب مبنى بيت الضيافة، في المساحة التي تفصله عن مبنى الغطاء الكبير La Grande Couverture، وبالتحديد عند طرفه الجنوبي الشرقي، وهو يتصل بالطابق السفلي لبيت الضيافة بواسطة نفق تحت الأرض.
∎ الملجأ الثاني عند الطرف الجنوبي لمبنى الجناح اللبنانيPavillon du Liban ، ويتصل به أيضاً في الطابق السفلي بواسطة نفق، وهو مخصص لرواد الجناح اللبناني والعاملين فيه.
∎ الملجأ الثالث، يقع عند شرق قبة المسرح الإختباري التي يتصل بها أيضاً عبر نفق تحت الأرض، يبدأ عند قاعة الإنتظار تحت القبة وفي طابقها السفلي بقرب الحمامات العامة، وهو مخصص لإيواء رواد المسرح والعاملين فيه.
∎ الملجأ الرابع، يقع عند الطرف الشرقي لمبنى السكن الجماعي (فندق كواليتي إن حالياً)، وتحديداً في المساحة الواقعة بين البيت النموذجي ومتحف السكن، وهو مخصص لخدمة المقيمين في مبنى السكن الجماعي وهم من كان يفترض أنهم من كبار موظفي المعرض مع عائلاتهم، ولمدير عام المعرض وعائلته المقيمة في مبنى السكن النموذجي بحيث يتم الوصول إلى هذا الملجأ بواسطة نفق يربطه بالطابق السفلي لمبنى السكن الجماعي.
∎ الملجأ الخامس والأخير، كان مخصصاً لكافة الموظفين والعاملين المتواجدين في مبنى الإدارة ومبنى خدمات الجمارك عند الطرف الغربي للمعرض وخلف الغطاء الكبير عند الناحية الشمالية الغربية لمبنى الإدارة، الذي يتصل به مباشرةً عبر نفق يتم الوصول إليه من الطابق السفلي.
يتكوّن التصميم النموذجي لهذه الملاجئ من بناء قاعة كبيرة على قاعدة مربعة قياس 26 x26م م، مع مطلع درج للهروب إلى الأعلى في الهواء الطلق وعلى مستوى الطابق الأرضي، بالإضافة إلى نفق ملاصق لأحد الدرجين يؤمن الإتصال بالمبنى الذي يخدمه.
يحتوي كل ملجأ على قاعة كبيرة لإيواء المستخدمين خلال الحالات الطارئة، يحيط بها من الجهات الأربع، أربع مجموعات من الحمامات، كل مجموعة مؤلفة من ستة بيوت خلاء وأربع مغاسل بما مجموعه 24 حماماً لكل ملجأ.
تميز بناء الملجأ بأنه منغمس تحت الأرض بشكل كامل، و تعلوه طبقة من الردم المرصوص والأرض الطبيعية بسماكة حوالي المترين، وذلك لحمايته من صدمات القذائف الصاروخية بكل أنواعها، وتم تصميم هيكله الإنشائي بشكل يؤمن المتانة والمقاومة حتى في حالات الزلازل والهزات الأرضية، فجاءت سماكة الجدران الداعمة بحوالي 35 سنتم، وارتكز سقف كل ملجأ على 36 عاموداً من الخرسانة المسلحة قياس 40 x40 سم2 مع تاج مفتوح في أعلى كل عامود على شكل هرم مقلوب، بهدف تأمين ارتكاز السقف عند حدوث ارتجاجات وصدمات قوية لمنع حدوث انهيار كامل.
لقد كان الإرتفاع الحر تحت أسقف هذه الملاجئ منخفضاً نسبياً (حوالي المترين ونصف)، لكونها مخصصة لتستخدم في حالات الطوارئ فقط، كما تميزت بنظام تهوئة طبيعي دون استخدام أية تجهيزات ميكانيكية أو كهربائية، فكانت مزودة بأقنية تهوئة مثبتة في السقف ومتصلة بسطح الأرض مع منافذ مستطيلة بارتفاع حوالي النصف متر عن سطح الأرض، تحتوي على فتحات جانبية للسماح بدخول الهواء النظيف إلى داخل الملجأ، بحيث كان لكل ملجأ ثماني فتحات (أربع من كل جهة)، كما تمّ تزويد كل ملجأ بخزان للمياه مدفون بالكامل تحت الأرض، سعة خمسة وسبعين متراً مكعباً.
كذلك تم لحظ بابين جراريين slidingمن الحديد السميك والمصفح لتأمين الحماية اللازمة، يتصلان مباشرة بالأدراج والأنفاق (درجان ونفق لكل ملجأ)، بحيث تؤدي الأدراج إلى السطح مباشرةً، وقد تم تغطية هذه الأدراج بواسطة بلاطات من الخرسانة المسلحة المسبقة الصب، مع ضبط الفواصل بينها بواسطة مادة مطاطية لمنع تسرب المياه، مع العلم أنه من غير المعروف لماذا تم تغطية هذه الأدراج، وهل كان ذلك بمثابة إجراء مؤقت لحين افتتاح المعرض وتشغيله، بحجة منع استخدامها لوظائف أخرى غير وظيفتها الأصلية، كالتخزين وما شابه.
لقد تعرضت هذه الملاجئ الخمسة للإهمال والتخريب خلال الحرب الأهلية كسائر منشآت المعرض، كما تم استخدامها من قبل الجيوش والميليشيات التي تعاقبت على احتلال معرض طرابلس، ونهبت تجهيزاتها وأبوابها وحتى الحمامات وكل ما أمكن تفكيكه، لكن المؤسف أنه عندما تم استعادة المعرض، وبدأت ورشة تأهيله في منتصف التسعينات من القرن الماضي، تم هدم وردم ملجأين من الملاجئ الخمسة، بحجة عدم الحاجة إليها، وهما الملجأ المحاذي لبيت الضيافة والملجأ المحاذي لمبنى السكن الجماعي (فندق الكواليتي إن حالياً)، فيما تمّ إقفال الملاجئ الثلاثة الباقية، بحجة أنها غير آمنة وبسبب تلف الخرسانة وتدهور طبقات العزل التي تمنع تسرب المياه الجوفية، فقد امتلأت أرضياتها بالأتربة والركام وغمرتها المياه، وخاصة خلال موسم الشتاء، كما باتت تحتوي أوكاراً للقوارض والزواحف والحشرات وما إلى ذلك، وبات الولوج إليها محفوفاً بالمخاطر.
إلا أن من يتجول حالياً في المعرض، ويراقب معالم تلك الملاجئ المجهولة الوجود بالنسبة لمعظم الناس، فإنه يكاد يراها بصعوبة بالغة من خلال فتحات التهوئة والأدراج الخرسانية المنغمسة في الأرض، لكن يبقى السؤال عن عدم وجود خطة لتنظيفها وتأهيلها لوظيفة إعادة الإستخدام الملائم (كمستودعات، محترفات ومشاغل، ورش صيانة، معارض واستديوهات للموسيقى والتصوير إلخ.. )، وربما كان هذا واقعها فيما لو كان المعرض في مدينة أخرى غير طرابلس، أو في بلد آخر غير لبنان، فنحن هنا نتحدث عن خمسة معالم تحت اللأرض بمساحة 745م2 لكل واحد، أي ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسة وعشرون متراً مربعاً من البناء المتين المنغمس تحت الأرض والمزودة بأنظمة تهوءة طبيعية، مع ارتباطها بالمعالم التي تعتبرالأهم ضمن منظومة منشآت المعرض، وكل ما يميزها من مرونة في الدخول والخروج (درجان ونفق لكل ملجأ)، وهي التي كبدت خزينة الدولة اللبنانية المبالغ المرقومة في تصميمها وتنفيذها، إلا أن الجهات القيمة وصانعي القرار في طرابلس والمعرض كان لهم رأي آخر، رأي يقتضي بأن يترك هذا المرفق ضحية للقرارات الخاطئة وأسير الإهمال والشيخوخة والموت البطيء.
Loading...