طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيامير في طرابلس (17)

الصورة في الأعلى: مسطح وواجهة الهرم… الصورة في الأسفل: الهرم التابع لمنطقة ترفيه الأطفال وقد بدا المدخل الذي تم إقفاله بواسطة بوابة معدنية
على الرغم من معارضة المعمار أوسكار نيماير الشديدة لفكرة إحاطة معرض لبنان الدولي في طرابلس، بأسوار من الخرسانة المسلحة، تحجب الرؤية، وتعيق الإستمتاع بمشاهدة هذه الواحة السوريالية من الكتل المعمارية بأشكالها الهندسية الساحرة، إلا أن الدولة اللبنانية ممثلة بمجلس إدارة ومدير عام المعرض، كان لهم رأي آخر، يقتضي بضرورة إحاطة هذا المرفق الكبير (حوالي 685 ألف متر مربع خلف الأسوار) بسور حماية، لأسباب أمنية، نظراً لإنتشار المعالم على بقعة واسعة يصعب حمايتها والسيطرة على أمنها دون تصوينات ومداخل قابلة للإقفال، وفعلاً هذا ما كان، وبقيت منشآت المعرض مخفية خلف الأسوار لعقود من الزمن، تخللها حوالي ربع القرن من الإحتلال العسكري، الذي حوَّل هذا المرفق إلى أحد الرموز المرتبطة بالحرب الأهلية في الذاكرة الجماعية لجيل كامل من أهالي مدينة طرابلس.
وبالطبع فإن التصوينة المحيطة بتلك الواحة الكبيرة استوجبت لحظ عدة مداخل بهدف تسهيل الوصول إلى المعلم المقصود، كونها تحتضن وظائف مختلفة الطابع.

منظومة مدخل الخدمات الثقافية والترفيهية 

هو المدخل الثاني من حيث الأهمية بعد المدخل الرئيسي للمعرض، وهو أحد المداخل التي تسببت بإشكالية معمارية وظيفية، كان لها تأثير بالغ على فلسفة نيماير في كيفية المقاربة بين المعالم داخل المعرض، والجدير ذكره، أن هذا المدخل يقع عند تصوينة معدنية مفرغة وليس من الخرسانة المسلحة، وهي تسمح بتأمين الرؤية إلى داخل حرم المعرض بشكل جزئي ومشاهدة المعالم القابعة خلفها، وخاصة المعالم الأجمل نسبياً من الناحية المعمارية، وهي :
1. قبة المسرح الإختباري.
2. هرم القسم الترفيهي للأطفال.
3. المسرح المكشوف (العائم) مع القوس الكبير.
4. متحف الفضاء.
5. برج المطعم وخزان المياه.
وتحتوي هذه المنظومة على العناصر التالية:
1- موقف السيارات للزوار
على أرض بمساحة 44 الف متر مربع، وبقدرة إستيعابية تناهز الـ 1750 سيارة، موزعة بشكل عملي مع الممرات والمسارب، مع لحظ ممرات للمشاة ومساحات خضراء مشجرة مع أعمدة إنارة موزعة على كافة المساحة (وهنا الفارق الكبير بينه وبين موقف السيارات عند المدخل الرئيسي الذي صممه الراحل نيماير، حيث اكتفى بعمود إنارة واحد).
وعلى خلاف المدخل الرئيسي، فإن أرضية هذا الموقف نفذت من الأسفلت وليس من بلاطات الخرسانة المسلحة، وهي قد انجزت مطلع الثمانينات من القرن الماضي.
2- رواق المدخل 
وهو عبارة عن غطاء مستطيل من الخرسانة المسلحة بقياس ( 32 م * 10 م ) مرتكزة على 12 عموداً من الباطون المسلح، بإرتفاع 7 أمتار، ويحتضن تحته ومن ضمن السور المعدني خمس بوابات حديدية مخصصة لاستقبال الزائرين الراغبين بحضور الفعاليات الثقافية والترفيهية في كل من المسرح الاختباري، المسرح المكشوف، متحف الفضاء وبرج المطعم.
ويتصل هذا المدخل بجناح المعرض الدولي الرئيسي (الغطاء الكبير) بواسطة ممرّ عريض (22 م) يعتبر الشريان الرئيسي للحركة، حيث تتفرع منه الممرات الثانوية المؤدية إلى المنشآت المختلفة.
ومن الأهمية بمكان التذكير بأن هذا الرواق ليس من تصميم المعمار أوسكار نيماير، ويتجلى ذلك بوضوح، كونه لا يشبه النمطية المتبعة في سائر المنشآت الأخرى، فجاء بإطار متواضع وبنوعية معمارية أكثر من تقليدية.
ويقع خلف هذا الرواق مباشرة المنظومة الترفيهية للأطفال، التي احتوت على اربعة عناصر أزيل منها إثنان خلال أعمال التأهيل، مطلع التسعينات من القرن الماضي وبقي منها إثنان وهي:
1. الهرم ((Manège
2. الكافيتريا.
3. واحات الحصى ( تمت إزالتها ).
4. الجدران المنحنية ( تمت إزالتها ).
1- الهرم (Manège)
هو أحد المعالم الأكثر غموضاً، حيث لم يتمكن أحد من فهم المقصد الحقيقي من وراء هذا التصميم المكوّن من خيمة كبيرة من الخرسانة المسلحة على شكل هرم مرتفع أو ربما الخيمة الهندية.
فالبناء الذي يرتكز على قاعدة نجمية من ثمانية أضلاع ضمن مربع بقياس 13م * 13م، والذي يرتفع حوالي 15 متراً في الجو، يحتوي على مساحة داخلية تقدر بحوالي السبعين متراً مربعاً، ليس له أي منفذ إنارة طبيعية من خلال نوافذ أو أبواب، لكنه زُوِّدَ بسلسلتين من فتحات التهوئة إحداهما من الأسفل وعلى إرتفاع حوالي ثمانين سنتيمتراً، والأخرى عند قمة الهرم بارتفاع حوالي الأربعة عشر متراً، بحيث يدخل الهواء بارداً من الأسفل ويخرج الهواء الساخن من الأعلى، وكلها مثبتة بواسطة أكمام Conic Sleeves منحدرة نحو الأسفل بطريقة ذكية، لمنع تسرب مياه الأمطار إلى داخل الهرم.
وعلى الرغم من هذه الضبابية حول فهم وظيفة ورمزية هذا المعلم الهرمي، إلا أنه من شبه المؤكد أنه يشكل عنصر جذب Landmark للواحة المخصصة للأطفال، كونه يشبه الخيمة التي تثير فضول معظم الأولاد بمختلف الأعمار، ربما للدخول إليها والإحساس بهذا الفراغ المرتفع تحتها، أما من الناحية المعمارية، ومن منطلق تحليلي الشخصي فإن هذا البناء هو المنشأة الوحيدة التي تشكل واجهة مثلثة (Triangle) من ضمن كل المنشآت في المعرض، المرتكزة على المستطيلات والدوائر والمنحنيات، وهي بذلك تعزز خاصية التباين (Contrast)، ما يساهم في ميزة الجذب ولفت الإنتباه من مسافة بعيدة.
وهناك من تحدث عن علاقة الأشكال الهرمية والطاقة، وتجمع القوى الكهرومغناطيسية في أعلى الهرم، إلا أنه لا شيء مثبت على الإطلاق بهذا الخصوص.
حالياً هذا المعلم مقفل بواسطة بوابة حديدية اضيفت إليه في نهاية تسعينات القرن الماضي، بهدف منع الإختباء بداخله، ويتم استخدامه كمستودع في بعض الحالات، إلا أنه يعاني من التدهور في هيكله الداخلي والخارجي، بسبب غياب الصيانة، وبسبب آثار الدخان في جدرانه الداخلية، عندما استخدمه الجيش السوري إبان الحرب الأهلية، كمطبخ لإعداد وجبات الجنود والضباط.
ولا بد من الإشارة إلى أن هذا المعلم لم يُبنَ في موقعه الأصلي وفق المخططات الأولى للمعمار نيماير، حيث انه كان بجانب الجناح اللبناني وفي المساحة الفارغة حالياً، على يمين المدخل الرئيسي للغطاء الكبير (منطقة المعارض الدولية)، وتحديداً بعد اجتياز منحدر النزول تحت رواق المدخل الرئيسي، على اعتبار أنه من المنطقي أن تكون المساحة المخصصة للأولاد، حيث بإمكان الأهل أن يتمكنوا من تركهم قبل زيارة أجنحة المعارض ثم العودة لأخذهم، بجانب المدخل الرئيسي للمعرض.
أما الموقع الحالي، فجاء بعد تعديل منظومة الدخول، وإضافة السور الخارجي، حيث تم لحظ المنطقة الترفيهية للأولاد بجانب المدخل الثاني، المخصص للمنشآت والنشاطات الثقافية والترفيهية.
وكان لهذا التعديل أثره السلبي، وذلك بعدما تسبَّب الممر الرئيسي الذي يربط هذا المدخل (ببواباته الخمس) بسائر المنشآت، بقطع العلاقة والإتصال المباشر بين الهرم والملحقات الترفيهية المخصصة للأطفال (على يسار المدخل) مع الكافتيريا التابعة لها (على يمين المدخل)، الأمر الذي أساء كثيرا للجانب العملي من تصميم نيماير لهذه المنظومة.
2- مبنى الكافيتريا 
هو عبارة عن بناء يتألف من غطاء مربع من الخرسانة المسلحة بمقياس (8،14 م) لكل ضلع، يرتكز على أربعة أعمدة، وتحت هذا الغطاء مساحة مخصصة لخدمة «بار» أو «كافيتريا» للأولاد، مع لحظ حمامين (إناث وذكور)، دون أي جدران أو واجهات زجاجية لتسكير محيطه، إلا أنه وخلال أعمال التأهيل مطلع التسعينات من القرن الماضي، تمت إضافة جدران من الحجر الاسمنتي لإقفاله وإستخدامه لمراقبة المدخل وكشباك لقطع التذاكر خلال المهرجانات، كونه محاذياً لبوابات المدخل الثاني للمعرض، المخصص لهذا النوع من النشاطات والفعاليات.
ويمتاز هذا المعلم بسقفه المنخفض نسبياً (2،5 م)، وبإتصاله مع جدارين فاصلين بطول حوالي الخمسة عشر متراً لكل منهما دون ان يكون لهما أي دور في التحميل، وتم تكسيتهما بالحجر الطبيعي الكلسي، وبطريقة عشوائية (Opus Incertum)، على غرار كل تكسيات الحجر الكلسي الطبيعي في منشآت المعرض (السكن النموذجي وبيت الضيافة)، والعديد من المنشآت والمباني التي صممها المعمار أوسكار نيماير في البرازيل ودول العالم.
3- واحات الحصى: 
هي عبارة عن ثلاث دوائر في أرض المعرض بجوار الهرم من الناحية الغربية وتبعد عنه عشرين متراً تقريباً، ويبلغ قطر كل دائرة حوالي 2112 متراً، يفصل بينها حوالي عشرة أمتار، وكانت مليئة بالحصى الصغيرة الناعمة كمساحة مخصصة لألعاب الأطفال، إلا أنه تمت إزالتها بعدما نُهب جزء كبير من الحصى خلال الحرب، وغمرتها النباتات البرية والأعشاب والركام.
4- الجدران المنحنية :
كانت عبارة عن خمسة جدران منخفضة من الباطون المسلح على شكل منحنيات (Curves) وبارتفاعات متفاوتة (متر، ومتر ونصف تقريباً)، تم تركيزها بشكل امتداد (Linear) بجوار واحات الحصى ومن الناحية الغربية للهرم، لكنها وللأسف أزيلت تماماً خلال أعمال التأهيل في التسعينات ولم يبقَ منها أي أثر، بعدما استحدثت الممرات الحالية للمشاة والمتنزهين مع المساحات الخضراء والأشجار.
إن تحفظات المعمار نيماير بخصوص مشروع المعرض، والتي أدت إلى عدم ذكره له في معظم مدوناته ومنشوراته، كان لها أسبابها ومبرراتها المنطقية، فالدولة اللبنانية وخلال كامل مسيرة هذا المشروع، قبل وبعد الحرب الأهلية، لم تتعاطَ معه ولو بالحد الأدنى من المناقبية واللياقة والمراعاة لحقوق ومكانة المعمار المصمم بحسب بديهيات سلوكيات المهنة، حيث أنه لم يعامل كمُنتَج فني لمعمارٍ عالمي، فلم يتم استشارته في الكثير من التعديلات وأعمال التحوير والتأهيل وإعادة الاستخدام، بالرغم من أنه (أي المعمار نيماير) استمر على رأس عمله بعد تصميمه للمعرض سنة 1962 لغاية وفاته سنة 2012، اي لأكثر من خمسين عاماً، جرى خلالها الكثير من التعديات والتخريب والترميم الخاطىء والتعديلات، دون أي مراعاة لحقوق واعتبارات المصمِّم الأول، خاصة وأنه كان معماراً عالمياً من قبل وبعد وجود ما كان يُسمى معرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس.
Loading...