طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«أسطورة» نيماير في طرابلس (الحلقة 4)

من الأعلى يميناً: ورشة بناء المعرض كما بدت في نهاية ستينيات القرن الماضي، سكتشات نيماير وأسلوبه في شطب ما لا يريد، سكتشات أخرى لنيماير…. وأسلوبه في شطب ما لا يريد
عكف أوسكار نيماير (Oscar Ribeiro De Almeida Niemeyer)، المعمار البرازيلي، بعد التكليف الرسمي من الحكومة اللبنانية سنة 1962، على القيام بوضع التصاميم المعمارية لمعرض لبنان الدولي في طرابلس، بعدما قام بزيارته الأولى إلى لبنان وطرابلس، التي تجوَّل فيها وقام بتحليل واقعها العمراني والإجتماعي والمناخي، وبعدها التاريخي والجغرافي، ودرس الموقع المقترح للمشروع، والطرق التي تربطه بالمحاور الرئيسية للمدينة، وخاصة لناحية تحديد المدخل الرئيسي، الذي إفترض بأنه يجب أن يكون على صلة مباشرة بالداخلين إلى المدينة والقادمين من العاصمة، عبر الطريق الدولي آنذاك، والذي يؤدي إلى ساحة عبدالحميد كرامي، ومنها عبر بولفار المعرض المحاذي لمستشفى النيني، إلى موقع المعرض والطريق الدائري الذي يحيط به.
هذا الموقع الذي تعرض لعدة مشاريع توسعة، وزيادة في الحيز المكاني، ومساحة العقارات المستملكة، التي كانت في البداية حوالي الأربعمائة ألف متر مربع انتهت بحوالي حوالي المليون متر مربع (حالياً)، على أن المساحة الموجودة خلف الأسوار الخرسانية، هي حوالي السبعمائة الف متر مربع.
وكعادة المعمار نيماير في معظم مشاريعه الكبرى، فهو يبدأ برسم وتصميم كل ما لا يريده أن يكون، على طريقة حصر الإحتمالات (Elimination)، فرسوماته الأولية تظهر كيف كان يرسم ويضع علامة X كبيرة فوق التصاميم التي لا يريدها للمشروع، وهي ميزة يتفرد بها المعمار نيماير، إضافة إلى أنه كان يرسم ما يشبه العين البشرية مع الدلالة بواسطة الأسهم على ما يريد له أن يكون عنصراً معمارياً ظاهراً في المبنى الذي يصممه، بهدف التأكيد على إبراز جمالية محددة أو عناصر تحديد المداخل والمخارج والنتوءات والأعمدة الظاهرة وسواها.

التوصيف المعماري ومميزات منشآت المعرض

لقد كان لتصميم المخطط العام للمعرض ولكافة منشآته ومبانيه قصة تميُّز وفرادة، وحكاية إبداع خَطَّها الراحل نيماير بيديه، وقامت بصقلها بعد ذلك، شركات هندسية لبنانية ذات كفاءة عالية، نذكر منها شركة «المهندسون الإستشاريون المتحدون» 1964 ACE ، وشركة «دار الهندسة للتصميم والإستشارات» 1965، وشركة «دار الهندسة» نزيه طالب 1980، واستكمل المسار بأن قامت بتنفيذ المشروع شركات مقاولات محلية من الطراز الرفيع، بمهارة عالية وجودة ضمنت إظهار جمالية الأسطح الملساء، والخرسانة ذات القوة والتماسك والدقة، ضمنت بقاءها حتى يومنا هذا، برغم أنها من الباطون المسلح، الذي يتهالك بسرعة بفعل عوامل المناخ والتخريب وآثار الحروب المتعاقبة، وغياب الصيانة الدورية، نذكر منها، شركة درويش حداد، وشركة الغزال معوض، وغيرها، وكل ذلك جرى تحت الإدارة المباشرة لمجلس تنفيذ المشاريع الكبرى، الذي تحوَّل اليوم إلى ما يُسَمَّى مجلس الإنماء والإعمار.
كان لنيماير الذي خرج للتو من تجربة برازيليا، العاصمة الجديدة للبرازيل، الخبرة الكبيرة في تقدير البعد العمراني لمشاريعه المعمارية، فدرس جيداً الحيِّز المكاني الذي خُصِّص لبناء المعرض، وعلاقته مع شبكة الطرق التي تؤدي إليه، وللإمتداد السكني والخدماتي الذي يحيط به.
لذلك، فبالإضافة للمدخل الرئيسي وموقف السيارات الرئيسي عنده، والمحاط بساريات أعلام دول العالم، والذي يتميَّز ببرج الإنارة العملاق والوحيد في تلك المساحة الهائلة، والذي تغطي أضواؤه كل مساحة المدخل بشكل ممتاز، وذلك بناء لرغبة نيماير الذي أصرَّ على تجنب زرع كمية كبيرة من أعمدة الإنارة على غرار معظم المشاريع التقليدية، فلقد لحظ نيماير مدخلاً رئيسياً ثانياً في الجهة الشمالية، يؤدي مباشرة إلى مباني الخدمات الترفيهية الملحقة بصالات وأجنحة العرض، وهي المسرح الدائري والمسرح العائم الذي يوجد تحته صالة كبيرة للبولينغ، وقسم ترفيه الأطفال عند الهرم الخرساني، ومهبط طائرات الهليكوبتر وتحته متحف الفضاء، بالإضافة إلى ثلاثة مداخل خدماتية للموظفين ورجال الأعمال، ويبلغ إجمالي القدرة الإستيعابية لمواقف السيارات وعددها خمسة مواقف، حوالي الخمسة آلاف سيارة.
عندما استلم مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى كافة التصاميم المعمارية من مكتب نيماير نهاية سنة 1963، قام مكتب المجلس بتقسيم المعرض إلى أربع مجموعات رئيسيةA,B,C,D حيث احتوت كل مجموعة على عدة منشآت وأقسام من مباني المعرض، بهدف توزيع العمل على عدة مكاتب إستشارية، لتقوم بإعداد المخططات التفصيلية وملفات التلزيم، وكذلك من أجل توزيعها على شركات المقاولات المحتملة، الأمر الذي يتناسب مع الموازنات المرصودة والقدرة على التحكم بالعامل الزمني في تسريع وتيرة الأعمال، من خلال عدم حصرها بشركة واحدة، وجاءت هذه المجموعات مع أرقام المباني وأسمائها بحسب مخططات نيماير، على الشكل التالي:
المجموعة : A
1- قاعة المعارض – المسماة الغطاء الكبير LA GRANDE COUVERTURE
المجموعة :B
2- مسرح في الهواء الطلق (المسرح العائم )
THEATRE EN PLEIN AIR
3- برج خزان المياه (يعلوه مطعم وترّاس بانورامي)CHATEAU D’EAU
4- المسرح التجريبي (تحت القبة) THEATRE EXPERIMENTAL
5- متحف الفضاء (تحت مهبط الهليكوبتر) MUSEE SPATIAL
6- الجناح اللبناني (خاص بعرض المنتجات اللبنانية)
PAVILLION LIBANAIS
7- المسطحات المائية (المحيطة بالمباني 2،3،4،5،6 بمساحة ثلاثة وثلاثون ألف متر مربع)PLAN D’EAU 8- قسم الأطفال والترفيه (عند الهرم الخرساني)MANEGE
18-المطاعم والبارات (عند نهاية قاعة العرض)
RESTUARANTS ET BARS
19- ملحقات قسم الأطفال والترفيه ANNEXES AU MANEGE
المجموعة :C
9- إطار المدخل (المبنى الحالي لإدارة المعرض)
PORTIQUE D’ENTREE
11- متحف السكن (خلف فندق الكواليتي إن)
MUSEE DE L’ HABITATION
12- مركز الإستقبال (بيت الضيافة)CENTRE D’ACEUIL
13- مبنى الإدارة (خلف قاعة العرض) ADMINISTRATION
14- مباني الجمارك والدفاع المدني والمستودعات
DOUANES POMPIERS ET DEPOTS
15- الحمامات العامة CABINETS
16- مبنى السكن الجماعي (تحول إلى فندق كواليني إن)HABITATION COLLECTIVE
17- مبنى السكن النموذجي (خلف فندق الكواليتي إن)RESIDENCE TYPE
22- مبنى شبابيك التذاكر (تحت برج الإنارة-المدخل الرئيسي)
CAISSESالمجموعة: D
10-خط القطار الدائري (لم ينفذ) ومواقف السيارات
CIRCULATION TRAIN ELECTRIQUE, PARKING, ETCٴ
20- غرفة المحولات الكهربائية والمولد الرئيسي
TRANSFORMATEUR GENERALE
21- السور الخرساني لمحيط المعرضCLOTURE GENERALE CLOTURE
23- الشارات واليافطات SIGNAL
و قد تمّ مباشرة الدراسات وبعدها أعمال التنفيذ على الأرض بحسب هذا الترتيب، فبعد أن قامت شركة المهندسون الإستشاريون المتحدونACE ، بإعداد ملف التلزيم للمجموع A، بدأ التنفيذ بمبنى قاعات العرض رقم 1 وذلك بعدما تمّ جرف مساحة كبيرة من الأرض على شكل مستطيل قياس 500 *800 متر مربع وإزالة أشجار الليمون والبرتقال منها، تلاها تلزيم شركة دار الهندسة المجموعةB ، التي التزمت تنفيذها شركة معوض وغزال، حيث كان للمتعهد السيد ميلاد الغزال، فضل كبير على الجهد الذي بذله على الأرض خلال التنفيذ وتذليل كافة المصاعب اللوجستية والتقنية في التنفيذ، حيث جاءت النتائج ممتازة على المستوى الفني، ما ضمن تماسك هذه المباني حتى يومنا هذا برغم كل الظروف السيئة التي رافقت مسيرة وجودها.

المعلم رقم -1- الغطاء الكبير

LA GRANDE COUVERTURE 

إن أول الرسومات اليدوية لتصميم المعرض، كان يظهر المبنى الرئيسي للمعرض، وهو المعلم رقم -1- بحسب الترتيب في كل المخططات الهندسية العائدة للمعرض والتي أعدت في سنة ( 1963و 1964)، والذي تم تسميته باللغة الفرنسية، التي كانت اللغة الثانية للمعمار نيماير، واللغة الثانية الرسمية المعتمدة في لبنان بعد العربية، بإسم الغطاء الكبيرLa Grande Couverture ، وهو على شكل جناح الطائرة، أو الـ Boomerangالأسترالي، وهو يشبه الى حد كبير الخطوط الرئيسية لمخطط مدينة برازيليا.
وتظهر رسومات نيماير الأولية، أنه لم يرد لهذا الجناح أن يكون مستقيماً لتجنب الرتابة والصلابة، وإضافة شيء من الإستكشاف التدريجي للفراغ الداخلي أثناء تجول الزائرين تحت هذا الغطاء، حيث سيتم تركيب أجنحة الدول العارضة PAVILLIONS، بشكل منفصل تماماً عن هذا السقف الكبير، وجاء هذا الجناح بطول 750 متراً وعرض سبعين متر وإرتفاع ستة أمتار.
تميز هذا المعلم بالجرأة الإنشائية حيث أن المسافات الحرة بين الأعمدة ناهزت الستة وأربعين متراً وبلغ طول الجسور الحرة كابولي -Cantilever ، وهي مقاييس هندسية لا تزال تمثل تحدياً إنشائياً للنظم التقليدية المعتمدة حتى يومنا هذا.
وبرغم أن هذا البناء وهو المرفق الرئيسي لمنظومة منشآت المعرض، وهو اول ما تمّ البدء به عند مرحلتي التصميم والتنفيذ، إلا أنه لم يكتمل تجهيزه وتحضير أرضياته، لأنها كانت مرتبطة بمنشآت أجنحة الدول العارضة، التي وللأسف لم ترَ النور، ولا حتى بمعرض دولي واحد، رغم الإمكانات الضخمة والمساحة الحرة تحت السقف، التي ناهزت الإثنين وخمسين الف متر مربع، وهي حتى يومنا هذا تُعَدّ أكبر من كل قاعات المعارض الموجودة في لبنان، حيث أن مساحة العرض داخل مجمع البيال للمعارض في بيروت على سبيل المثال، والتي أُنشئت بعد حوالي الأربعين سنة من تاريخ بناء المعرض لا تتعدى الخمسة عشر الف متر مربع، أي حوالي ربع مساحة العرض الموجودة في المعرض الدولي في طرابلس.

أشغال 1993

بقي هذا المعلم على حاله منذ سنة 1973 ولغاية سنة 1993، حيث كان يستخدم لتخبئة الآليات العسكرية والدبابات وخيم الجنود من قبل الميليشيات والجيوش التي تعاقبت على احتلاله وتخريبه وسرقة تجهيزاته طوال مدة الحرب الأهلية في لبنان.
لقد جاءت المداخلة الأولى من خلال تحضير الأرضية الخرسانية لجزء من مساحته، حوالي الربع، وإضافة خيم من الألياف الزجاجية على شكل خيم وستائر خفيفة، بهدف حماية المساحة الداخلية من الرياح وعوامل المناخ، حيث أن تصاميم نيماير لم تلحظ أي نوع من الغلاف الخارجي لها، وتركها كغطاء من الباطون المسلح، يطفو مستقلاً، خفيفاً، على أن تكون الأجنحة الخاصة بالدول المشاركة في المعرض، مشيَّدة تحته وبشكل مستقل تماماً، إلا أن هذه الخيم البلاستيكية لم تصمد طويلا، ولم تكن على مستوى الأداء المطلوب.

أشغال 1997

المداخلة الثانية كانت سنة 1997، عندما تم تلزيم تأهيل نصف المساحة تحت الغطاء الكبير، حيث قامت شركة دار الهندسة، شاعر ومشاركوه، بإعداد الدراسة الهندسية لتأهيل كل منشآت المعرض، بطلب من حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقام بتنفيذ المشروع، شركة جان لويس قرداحي والسيد كريم الأحدب.
نتائج هذا التأهيل كانت كارثية على المستوى المعماري لعدة أسباب أهمها:
1. إغلاق جانبي المبنى بالستائر الزجاجية (وهو أمر لا يمكن إنكار أهميته لنواح عملية بهدف التدفئة والتبريد والحماية من الرياح والغبار)، وإخفاء الأعمدة الحاملة التي أصرّ نيماير في مخططاته على إبقائها ظاهرة للعيان، بما يخدم فكرة التكرار الجمالي.
2. إغلاق المبنى من الخلف وعند طرف الغطاء، بواسطة الجدران الصلبة من الحجر الإسمنتي، وإخفاء فكرة السقف الطائر لمسافة 12 متراً، الأمر الذي أخفى جمالية وخفة سقف المبنى.
3. عدم احترام فلسفة التصميم لجهة إبقاء المدخل الرئيسي عند طرف هذا الغطاء والخروج من الطرف الآخر عند انتهاء الجولة (بسبب إضافة قاعة المؤتمرات الحالية على أهمية وضرورة وجودها)، الأمر الذي حدد فيه نيماير المسار المتواصل لزوار أجنحة العارضين على طول المبنى، حيث تم تعديل المداخل والمخارج لقاعة العرض، وجعلها من الجهة الجانبية، ما تسبب بحدوث الكثير من الإرتباك لزوار المعارض العربية والمحلية التي تتالت بعد هذه المداخلة، حيث كان يسود لغط دائم لجهة تحديد أبواب الدخول والخروج للزوار، بما يتماشى مع طبيعة توزيع أجنحة العرض حسب تخصص كل معرض.
4. إضافة الإنارة الظاهرة ذات الطابع الصناعي، مع العلم أن التصاميم الأصلية لحظت إنارة مخفية داخل السقفRecessed light fittings
5. إضافة أجهزة وتمديدات التبريد تحت السقف وبشكل ظاهر وفاضح (رغم ضرورة وجودها، إلا أنه كان يمكن أن تعالج بطريق مختلفة تماماً)، الأمر الذي أفقد المكان والفضاء الداخلي، كل مميزات الرشاقة والإنسيابية والخفة التي أرادها المصمم نيماير.
6. تنفيذ أعمال عزل سطح المبنى عبر استخدام لفائف الزفت الأسود، ما أفقد المبنى من الأعلى اللون الرمادي للباطون، اللون الذي أراده نيماير أن يكون سائداً في كل منشآت المعرض إلى جانب الواجهات الزجاجية (باستثناء مبنى السكن الجماعي الذي أضاف إليه اللونين الأزرق والقرميدي الطبشوري)، حيث كان بالإمكان إستخدام مواد عزل إسمنتية، إلا أنه تم تجنبها لكلفتها العالية نسبياً.
لقد كان من الواضح أن التعامل مع منشآت المعرض خلال تلك المداخلة، لم يحترم توقيع المعمار نيماير، رغم أنه كان لا يزال على قيد الحياة، وكان من الممكن دعوته مجدداً إلى لبنان، وتكليفه بإعادة النظر بهذه المباني، لتتماشى مع المتطلبات الجديدة للمعارض، بعد مرور أكثر من ثلاث وثلاثين سنة على وضعه التصاميم المعمارية لها، فبعد ثلاثة عقود طرأ تغييرات كبيرة على مفاهيم وأسس ومتتطلبات ومواصفات صالات المعارض، وكان أهمها وأصعبها على المعالجة، أن الارتفاع الحرّ تحت السقف والذي ينحصر بستة أمتار في المعرض، لم يعد يستجيب للمواصفات الجديدة التي لا تقل عن عشرة أمتار وتفوق الخمسة عشر متراً في بعض الحالات، إضافة إلى الشكل الطولي (750 متراً)، حيث بات يفضل الأشكال المربعة أو المستطيلة، ذات نسب أكثر ملائمة، لتقسيم الأجنحة والمسارات داخل المعارض.
Loading...