طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«أسطورة» نيماير في طرابلس (الحلقة 5)

بعدما قام المعمار الراحل أوسكار نيماير، المعروف بآخر عظماء عمارة القرن العشرين، بتسليم الدراسة المعمارية الكاملة لمعرض لبنان الدولي في طرابلس، قامت الجهة المكلَّفة من قبل الحكومة اللبنانية آنذاك، وهي مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى (مجلس الإنماء والإعمار حالياً)، بتلزيم إعداد الدراسات التفصيلية وملفات التلزيم إلى عدة شركات ومكاتب هندسية في لبنان لتحقيق هدفين:
الأول هو أسلوب نيماير في العمل والذي اتَّبَعه في معظم مشاريعه الكبرى، بأن يقتصر عمله على إعداد الدراسة المعمارية فقط، والتي تظهر بالتفصيل الحيِّز المعماري والأشكال الخارجية للواجهات والكتل ومواد البناء بالإضافة إلى بعض التوصيفات المعمارية العامة. والسبب الثاني هو إعطاء الفرصة إلى المكاتب والشركات الهندسية الناشئة، والتي لم يمض على تأسيسها ولأول مرة في لبنان، إلا حوالي عقد من الزمن، وخاصة أن الحكومة اللبنانية قد أعطت الرصيد الكبير في تصميم هذا المرفق الكبير إلى معمار من البرازيل، نظراً لشهرته وكفاءته وخبرته الطويلة في المشاريع الضخمة،Mega Projects .
لقد كان لشركة دار الهندسة للتصميم والإستشارات، حصة الأسد في إعداد الدراسات التفصيلية للمجموعةB من المشروع وهي التي تحتوي على أهم وأجمل المنشآت في المعرض، من ضمنها المسرح المكشوف والمسرح الدائري الإختباري ( تحت القبة ) والجناح اللبناني.
المعلم رقم -6- الجناح اللبناني Pavilion du Liban
أراد أوسكار نيماير أن يلحظ في تصميمه العام للمعرض تخصيص لبنان، البلد المضيف للمعارض الدولية، بجناح خاص، منفصل تماماً عن أجنحة العرض الخاصة بدول العالم، والموجودة تحت الغطاء الكبير La Grande Couverture
وذلك بهدف إرضاء الحكومة اللبنانية، لكي توافق على التصميم العام، ولأن نيماير بلباقته المعهودة، أراد أن يقول أن للبنان ميزة خاصة، تتجلى في إستقلالية عن الأجنحة الأخرى، وأن يحمل البناء الخاص بهذا الجناح ملامح معمارية لعناصر محلية الطابع، ومن هنا جاءت فكرة الأقواس المدببة التي تحيط بهذا الجناح على شكل أعمدة لتحمل السقف الذي يغطيه.
تم تصميم وبناء الجناح اللبناني لكي يكون ضمن تكوين لعدة معالم أرادها نيماير أن تشكل وحدة متكاملة من ستة مبانٍ وهي: 1- المسرح المكشوف. 2- برج خزان المياه. 3- المسرح الدائري الإختباري. 4- متحف الفضاء. 5- الجناح اللبناني.صممت هذه المجموعة على صفيح واحد Plaquette يجمعها مع بعضها وهو المعلم رقم 7 في جدول المخططات التنفيذية، المسطح المائي Plan D’eau أو حوض المياه العاكسة لهذه المباني Reflective Pool والذي تبلغ مساحته حوالي ثلاثة وثلاثين الف م.م.. وتعتبر مساحة هذا المسطح المائي، فكرة بالغة الجرأة، نظراً لكبرها وكلفتها الباهظة، وإشكالية عزلها لمنع تسرب المياه إلى باطن الأرض، بالإضافة إلى ضرورة معالجة هذه المياه، المقدرة كميتها عند التعبئة الكاملة بحوالي 16000 م3.
وقد قال المهندس الدكتور نزيه طالب، صاحب ومدير عام شركة دار الهندسة ( طالب وشركاه )، خلال مقابلة أجريتها معه في شهر شباط من العام 2014، حيث كان له العديد من اللقاءات مع المعمار الراحل أوسكار نيماير في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، خلال إعداد الدراسات التفصيلية للمعرض، وخلال الزيارات الميدانية لمتابعة الإشراف على تنفيذ المشروع، بأنه قد تمّ مراجعة المعمار نيماير عدة مرات بشأن هذه المسطحات المائية، التي كان لنيماير قصة عشق وغرام معها، حيث رافقت معظم مبانيه في برازيليا وأوروبا، فتراها تلفّ المباني وتعكس واجهاتها وكأنها في حالة غزل دائم ونرجسية أبدية، تبرز روعة وأناقة هذه المعالم وتحاكي مشاعر أي مشاهد لها، بحسب تغيُّر كمية ضوء الشمس، أو تأثيرات الإنارة الليلية، وبحسب تغيُّر المناخ في الفصول الاربعة.
هذه المراجعات والمناقشات مع نيماير تمحورت حول إمكانية إلغاء هذه المسطحات المائية أو التقليل من مساحتها، بهدف تخفيض الكلفة والصيانة، حيث أخبروه بأنها ستتسبّب بجلب الحشرات والبعوض والضفادع، وخاصة تلك المحيطة بالمسرح المكشوف المعروف اليوم بإسم المسرح العائم. إلا أنه أصر على إبقائها وقال لهم جملته الشهيرة بحسب شهادة الدكتور نزيه طالب:
«هذا مسرح للشعب، وإنما هي الطبيعة».
C’est un theatre pour le peuple, et c’est juste la nature. أي أن هذا المكان وهذه المعالم هي لإمتاع الناس وهي جزء من الطبيعة، وبرك المياه جزء من الطبيعة أيضا التي يحبها الناس، كذلك الحشرات والضفادع.
وبالفعل، فمن يراقب منشآت المعرض عندما تكون المسطحات المائية مغطاة بمياه الأمطار لأيام قليلة في فصل الشتاء، يستطيع أن يرى هذا البعد الإضافي، الذي يشعرك بخفة هذه المباني ورومنسياتها، وكأنها تطفو وتكاد تطير فوق الأرض وكأنها معلقة في الفراغ.
والجدير ذكره في هذا السياق، أن هذه المسطحات لم تتمّ صيانتها بالشكل المطلوب خلال أعمال التأهيل التي جرت منتصف تسعينيات القرن الماضي، حيث لم يتمّ تنفيذ العزل بالشكل المناسب، فمعظم أرضياتها متشققة ومتصدّعة ولا تسمح ببقاء الماء فيها لأكثر من أيام معدودة كما أنها لم تُزَوَّد بالمضخّات ومعدّات التكرير والمعالجة بالكلور وفق المواصفات المعتمدة عالمياً.
كما تمّ ارتكاب حماقة هندسية كبيرة، عندما أُضيف لها نوافير للمياه (عند مدخل المعرض )، الأمر الذي نسف كلياً فكرة المسطح المائي العاكس للواجهات، وهو دليل فاضح على عدم احترام الهدف الذي صُمِّمَت ونُفِّذت لأجله، بناءً لرغبة وفكر وفلسفة الراحل نيماير.
صمَّم نيماير الجناح اللبناني على قاعدة مربعة الشكل وبطول 35 متراً لكل ضلع منها، وبارتفاع أحد عشر متراً ونصف 5،11م (حوالي ضعف ارتفاع السقف في الغطاء الكبير المخصص لأجنحة دول العالم)، وتمّ تحميل سقف هذا المبنى على جدار من الأقواس الخرسانية المسلحة تحيط به من على جوانبه الأربعة، وعددها الإجمالي ثمانية وعشرون قوساً، بمعدل سبعة أقواس متساوية لكل واجهة.
ولهذا التصميم إعجاز علمي إنشائي، لأنه لا يوجد أي عمود حامل في وسط هذه المساحة، والتحميل يرتكز فقط على الأقواس الرشيقة التي تحيط بالبناء، وهنا يتساءل كل مهندس إنشائي، كيف لنا أن نبني قاعة بطول 35 متراً وعرض 35 متراً بالإستناد على أعمدة محيطة بأطرافها دون أي مساعدة من أعمدة إرتكاز أخرى في الوسط ؟؟؟…
لم يكن لنيماير أن يتجرأ على اعتماد هكذا تصميم لولا خبرته الطويلة مع الخرسانة المسلحة، مع العلم بأنه مهندس معماري ولم يتخصص في الهندسة المدنية، وبالمقابل لم يكن لهذا المبنى أن يرى النور، ويتم تنفيذه بكفاءة ودقة متناهية، لولا فضل مهندسي شركة دار الهندسة، الذين أعتمدوا إحدى أهم نظريات الهندسة الإنشائية لعالم الرياضيات الروسي «تيموشينكو» وهي نظرية الصفائح والمغلفات Theory of Plates and Shells والتي بدونها لكان بناء الجناح اللبناني من الخرسانة المسلحة وبالشكل الذي أراده نيماير، مهمة مستحيلة.
وكيف لأوسكار نيماير ألاّ يتجرأ على هكذا تصميم، وهو الذي قام بتصميم وتنفيذ الشقيق الأكبر للجناح اللبناني الموجود في مدينة برازيليا، والذي ولد قبله بحوالي العشر سنوات (بُني بين سنتي 1957 و1958)، ألا وهو مبنى السكن الدائم للرئيس البرازيلي آنذاك جوسيلنيو كوبيتشيك المعروف بإسم «قصر الفجر» حيث تظهر الأقواس المحيطة بالبناء شبيهة بتلك الموجودة في الجناح اللبناني، لكنها مقلوبة رأساً على عقب.
وتتشابه النمطية في وجود الجدار الزجاجي المثبت على أعمدة من الحديد، بإرتداد حوالي 5،4 م. خلف الأقواس، ليشكل الحيز المكاني الداخلي لعرض المنتوجات اللبنانية المتنوعة وعلى ثلاثة مستويات، أرضي، سفلي و«ميزانين» (طابق وسطي)، متصلة ببعضها عبر منحدر يؤدي إلى «الميزانين» ودرج إلى الطابق السفلي المكشوف، كما خصص هذا الجناح بقسم الحمامات الخاصة به.
وكعادته أراد نيماير للسقف من الداخل أن يكون حراً من أي نتؤآت للتجهيزات الكهربائية والميكانيكية، فكانت نقاط الإنارة مخبأة داخل السقف الخرساني Recessed، وكان نظام التهوئة والتبريد مدمج مع ارض الطابق السفلي بطريقة هندسية رائعة، تضاهي أرقى التصاميم العصرية في يومنا هذا، كل ذلك بهدف إضفاء الخفة والرومنسية للفراغ الداخلي.
وتم تبليط الارضيات والجدران الداخلية لهذا الجناح بالرخام الأبيض، بهدف تمييزه عن باقي الأجنحة.
أما تصريف مياه الأمطار عن السطح فكانت تختلف عن كل المباني الأخرى في المعرض، فلقد لجأ نيماير لإعتماد أسلوب المزاريب الظاهرة (Gargouilles)، وعلى أربع واجهات بمعدل أثنين في طرفي كل واجهة، بهدف محاكاة العمارة التراثية المحلية التي أعتمدت هذا الأسلوب التقليدي.
وللجناح اللبناني، خدعة بصرية إعتمدها نيماير بذكاء فائق، لإثارة الدهشة والصدمة بخفة المبنى ورشاقة هيكله الإنشائي، مع العلم أن قليل من الناس وحتى المهندسين المتخصصين بالكاد ينتبهون إليها، وهم تحت هول التأمل والتمتع بجمالية المكان وسحره.
تتجلى هذه الخاصية بأن رؤوس الاقواس المحيطة بالبناء تلامس السقف من الداخل وهو أمر إعتمده نيماير في عدة مبانٍ ذات أقواس في برازيليا مثل قصر الإيتاماراتي الخاص بمقر وزارة الخارجيةPalacio do Itamaraty ، وجاء فوق هذه الأقواس مباشرة مزاريب مياه الأمطار بمسافة حوالي الـ 25 سم. الأمر الذي يجعلك تظن بأن سماكة السقف هي 25 سم. فقط، لأن تصريف مياه الأمطار يفترض له أن يكون بتماس أرض سطح المبنى، وهنا يندهش كثير من المتأملين في هذا المبنى، فكيف لسقف سماكته 25 سم. أن يتماسك بتغطية مربع كامل بقياس 35 م. لكل ضلع دون اي أعمدة وسطية، وبالإرتكاز فقط على هذه الأقواس الرشيقة المحيطة به فقط ؟؟.
والجواب هو أن المزاريب محفورة داخل طرف السقف والذي تزيد سماكته في الوسط لتصل إلى حوالي المتر وعشرين سنتيمترا، ولكن لا يمكن ملاحظة هذا الأمر بسبب ارتفاع وضخامة المبنى.
وهو في حالة إنعكاس واجهاته على مرآة المسطح المائي المحيط به، يجعلك تتساءل من يحمل من؟ هل السقف هو الذي يحمل الأقواس أم العكس؟؟ في حوارية سوريالية حالمة، كتب فصولها الكاملة شاعر العمارة اوسكار نيماير.
وبعد مرور خمسة عقود من الزمن على ولادة هذه السمفونية المعمارية المتمثلة بهذا البناء الساحر، وبرغم أن بناء هذا الجناح قد اكتمل بشكل تام مع كامل التجهيزات والإنارة والتهوئة والزجاج والتشطيبات الكاملة في مطلع سبعينات القرن الماضي، إلا أنه وللأسف الشديد، لم يشهد أي حدث أو معرض او أي نشاط يذكر لغاية هذا اليوم.
بل إنه وبعيد اندلاع الحرب الأهلية وتحوُّل المعرض إلى مقر عسكري، تعرض للسرقة والنهب والتخريب، فتم تفكيك الزجاج ونزع البلاط الرخامي وكافة التجهيزات الصحية والكهربائية والمتكّآت الحديدية، وتم تركه ليشيخ ويتهالك عبر الزمن دون أن يثير اهتمام اي جهة محلية، لجهة تشغيله أو استخدامه لأي وظيفة كانت، برغم كل الميزات المعمارية والجمالية والعملية بمساحة حوالي 1250 متراً مربعاً، مغلقة ولا يعيقها اي أعمدة وسطية، وتتمتع بالمرونة لاستيعاب عدة أنواع من الوظائف المحتملة، حيث لحظ لها المشروع السياحي الذي اقتُرح في مطلع القرن الحادي والعشرين تحت عنوانCedar Land أن يكون هذا البناء عبارة عن مطعم ذي طابع فينيقي ولحظ عدة مراكب فينيقية الشكل، طافية على المسطح المائي المحيطة به، كنوع من الترويج السياحي للحقبة الفينيقية في التاريخ اللبناني القديم، وبالطبع لم يتحقق المشروع لأسباب تمويلية.
إلا أن الإرادة الثابتة والإيمان العميق والرغبة الشديدة الموجودة عند الكثيرين من أهل المدينة، قد عبرت وخلال عدة مناسبات، عن إعجابها بهذه التحفة المعمارية المتمثلة بهذا الجناح، فقامت عدة جهات محلية بتنظيم المهرجانات وعروض الأزياء في محيط هذا المبنى، وتم تصوير العديد من الأفلام الوثائقية والدعايات الترويجية داخله، كما تحدث عنه العديد من الكتاب والباحثين، وسُحر بجماله الكثيرون من الزوار الأجانب والعرب، كما كان له حصة كبيرة في الحديث عن إمكانية تفعيل المعرض بشكل عام، إنما وبرغم كل ذلك بقي هذا المعلم في حالة السبات والنوم العميق، متروكاً ليواجه عوامل الزمن، والتقاعد المبكر، الذي قدر له قبل أن يسير بخطواته الأولى، رغم أنه وبإعتراف معظم الخبراء والمهندسين، لا يزال حتى يومنا هذا تصميماً حديثاً بطابعه المستقبلي، وهو بميزته الإنشائية الفريدة يشكل تحدياً هندسياً لأبرع المهندسين في عصرنا الحالي.
Loading...