طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس (7)

منظومة المسرح المكشوف في الهواء الطلق
خلال إقامة المعمار العالمي الراحل أوسكار نيماير في طرابلس سنة 1962، لمدة حوالي الشهر، حيث رافقه فريق من المهندسين والرسامين والتقنيين في صناعة المجسمات، بالإضافة إلى مساعدته الشخصية (حوالي ستة أشخاص بالإضافة لنيماير)، كان التواصل على أشده فيما بينه وبين المدير العام للمعرض آنذاك، المحامي الدكتور أمادو شلهوب رحمه الله، حيث كان لهذا الأخير الدور الأبرز في تسمية المعمار نيماير لهذه المهمة، وقد عرف عن أمادو شغفه الكبير بالثقافة العامة والمطالعة ومتابعة ما يجري حول العالم، الهواية التي أوصلته إلى معرفة أهمية وشهرة أوسكار نيماير، الذي إنتهى لتوه من إنجاز مشروع بناء مدينة برازيليا، العاصمة الجديدة للبرازيل سنة 1959.
أمادو شلهوب، إبن زغرتا العائد من المهجر، والرجل المثقف الراقي والمحبوب من كل من عمل معه، كيف لا وهو إسم على مسمى حيث كلمة «أمادو» القادمة من اللغة البرتغالية تعني «المحبوب»، وهوالعاشق لمدينة طرابلس، التي أقام فيها بعد عودته من البرازيل، حيث ولد في مدينة باهيا ونشأ فيها، فكانت البرازيل موطنه الثاني، وهذا سبب آخر لميله نحو تسمية أوسكار نيماير إبن مدينة الريو، فكان أمادو المرافق الدائم للمعمار نيماير خلال إقامته في طرابلس، بمساعدة زوجته السيدة لوريس شلهوب المولودة أصلا في مدينة ساو باولو البرازيلية أيضا، حيث كانا المترجمين الدائمين في جولات وزيارات نيماير بين مدينتي بيروت وطرابلس وجبل لبنان، حتى أن نيماير الذي إتخذ من أول مكتب خصص للمعرض في شارع عزمي مقراً لفريق عمله، قرب شركة كهرباء قاديشا سابقاً، كان يتردد الى منزل الراحل أمادو شلهوب الكائن في شارع المدارس، بناية شلهوب، المجاورة لمبنى مستشفى البيسار، في الطابق العلوي أول، فكان يستخدم المكتب الخاص بالسيد أمادو، حيث جلس على مكتبه الخشبي وراح يضع أولى الرسومات والخطيطات المعمارية لتصاميم المعرض ومنشآته.
وروت السيدة لوريس شلهوب خلال مقابلة أجريتها معها مؤخراً، أنها كانت تستغرب كيف كان نيماير يرسم الخطوط ويتأملها ثم يقوم بإتلاف الأوراق ورميها في القمامة الواحدة تلو الأخرى، خلال رحلته في البحث عما يريده تماماً، وهذا هو الأسلوب الذي أشتهر به بحسب إعترافه وشهادة كل العاملين معه، فأوسكار نيماير كان دائماً يبدأ برسم ما لا يريده، ليصل في النهاية إلى هدفه ومبتغاه، والوصول إلى التصميم الأمثل الذي يحاكي مخيلته ويرضي قناعاته في آن معاً.
وبرغم معاناته من عوارض فوبيا ركوب الطائرات، إلا أن نيماير طلب من أمادو شلهوب رؤية طرابلس من الأعلى، وذلك قبل إعتماد الحيز المكاني النهائي لموقع المعرض، فالموقع هو السقي الغربي، لكن أين بالضبط وعلى أي شكل لمجموعة العقارات المطلوبة للإستملاك، فتلك كانت أمور لم يُبت بها بشكل نهائي حتى وصول نيماير إلى طرابلس، وصعوده بالحوامة الخاصة بالجيش اللبناني مع مساعديه، ومع المسؤول الفني من قبل إدارة المعرض آنذاك السيد نزيه كبارة، الذي روى أن الطائرة الهليكوبتر قامت بدورتين فوق مدينة طرابلس، قال بعدها نيماير وبصوت حازم «هذه هي، لقد وجدت الموقع المناسب تماماً للمعرض …» وعادت الطائرة أدراجها، لتبدأ رحلة التصميم المعماري للراحل نيماير سنة 1962، أنهى فيها وخلال مدة الشهر تقريباً، كل التصاميم الأولية والأفكار الرئيسية، متنقلاً بين مقر إقامته في قصر المنتزه، الذي كان في آخر شارع عزمي، وبين مكتب إدارة المعرض في وسط شارع عزمي، بناية المنلا، وبين السكن الخاص للمدير العام السيد أمادو شلهوب في شارع المدارس، بالإضافة إلى جولاته في منطقة بساتين السقي الغربي والميناء وأسواق مدينة طرابلس القديمة، المدينة التي عشقها نيماير وقال إنها أجمل مدن لبنان على الإطلاق، بتخطيطاتها وشوارعها المستقيمة، ووسطها التاريخي ومينائها وبحرها وهوائها المعطر بزهر الليمون، وبطبيعة أهلها وكرمهم ولياقتهم ولباقتهم.
إن النظرة المستقبلية التي ارادها نيماير لمدينة طرابلس، تم ترجمتها عبر مسارين، الأول كان من خلال وضعه الرؤية العمرانية لإمتداد مدينة طرابلس في السقي الغربي، خلف المعرض مباشرة، ولغاية منطقة رأس الصخر، حيث إعتبر في مخططه الشعاعي (Radial Arrangement)، المنطلق من مركزه في داخل حرم المعرض، أن هذا الإمتداد هو مدينة طرابلس السياحية، حيث يجب أن تبنى الفنادق والمباني الخدماتية والمنتجعات، أما المسار الثاني كان من خلال لحظه للمباني الخدماتية من ضمن منشآت المعرض التي وضعها على الصفيح (Plaquette)، المكون من المسطح المائي الكبير بمساحة 33 الف متر مربع، حيث جمع فيها المنشآت الخمسة التي تكمل وظيفة المعرض الدولي، وتخدم مدينة طرابلس بشكل مباشر.
بعد الحديث عن الجناح اللبناني، والمسرح الإختباري، يأتي الحديث عن المعلم رقم «2» على لائحة المخططات التنفيذية، وهو المسرح في الهواء الطلق (Theatre en plain air)، الذي يقع عند نهاية الطرف الغربي للمسطح المائي، وهو محاط بالمياه بالكامل من ثلاثة جوانب، وبشكل جزئي من الجهة الجنوبية، ومن هنا جاءت تسميته بالمسرح العائم ولسببين رئيسيين، الأول هذه الإحاطة الهائلة بالمسطحات المائية التي تعكس كتلته المعمارية بشكل إستعراضي مهيب، والسبب الثاني لتشابه شكله الخارجي مع شكل السفينة البحرية.
تتألف منظومة المسرح المكشوف من ثلاثة قطاعات رئيسية، وعلى إمتداد طوله مئة وخمسة وخمسون متراً وعرضه خمسون متراً وهي :
1- المنحدر الذي يؤدي صعوداً إلى مدرجات هذا المسرح ويعلوه القوس الخرساني الكبير بإرتفاع 33 متراً وعرض 28 متراً عند مستوى القاعدة، وبشكله الإنسيابي الذي يشبه الى حد كبير قوس الـ Gateway الموجود في مدينة «سانت لويس» في ولاية «ميزوري» الأميركية (من تصميم المعمار الأمريكي من اصل فنلندي Eero Saarine سنة 1947)، وهو يعتبر أعلى منشأة خرسانية في المعرض، وقد أراده نيماير بمثابة معلم إرتكاز (Landmark)، في وسط هذه الواحة الخرسانية، يمكن رؤيته من كل نواحي المعرض ومن خارج الأسوار، ليدل على مكان المسرح، وليحاكي عظمة وأهمية هذه المنشأة.
2- قسم المدرجات بقدرة إستيعابية لحوالي 1240 متفرجاً، مع مصطبات للجلوس من الخرسانة المسلحة وممرات وسطية وجانبية، وهذا القسم يستند على أربعة عشر عاموداً خرسانياً، ولكن بشكل منفصل تماماً عن البلاطة، مع وجود فاصل من الكاوتشوك الخاص Supported Simply، مما يشكل تحدياً إنشائياً بغاية الجرأة والإبداع.
أما المساحة العلوية لهذه المدرجات فهي حوالي الـ 2500 متر مربع، ويوجد أسفل منها، وعلى نفس المساحة، طابق شبه سفلي مفتوح من الأعلى ومن جوانبه الأربعة، وهو يحتوي على وظيفة مختلفة، قليل من الناس على علم بها، فهي صالة كبيرة لـ«البولينغ» مع مدرجات تتسع لحوالي مئتي متفرج، وصالة «بولينغ» أخرى صغيرة مخصصة للأطفال من الناحية الخلفية للمدرج، حيث يوجد درج يؤدي إلى الحمامات العامة في الطابق السفلي الثاني، وحيث توجد أيضاً غرف الخدمات التقنية.
3- القطاع الثالث يتالف من منصة المسرح، المنفصلة تماماً عن المدرجات، حيث تفصل بينهما مياه المسطح المائي، ويعلوها غطاء إنسيابي على شكل الصدفة (Voile Mince)، مبني من الخرسانة المسلحة، ومصمم ومنفذ بإبداع وحرفية عالية، وله دور الحاضن لمساحة الأداء على منصة المسرح، وإحتواء الصوت الناتج عن الأداء الفني أو الإستعراضي وتوجيهه نحو المشاهدين الجالسين على المدرجات.
تتصل هذه المنصة بدرج مخفي خلف غطاء الصدفة يؤدي مباشرة إلى الطابق السفلي بمساحة حوالي الألف متر مربع، والذي يحتوي بدوره على غرف تقنية وغرف الكواليس والمشالح والحمامات الخاصة بالفنانين والعارضين الذين يصلون إلى هذا الطابق بواسطة نفق تحت الأرض وتحت المسطح المائي تحديداً، له مدخل ودرج منفصلان خارج المسطح المائي من الجهة الشمالية يتم الوصول إليه بالسيارة عبر طريق خاص ينتهي بمستديرة، ما يؤمن لهم الخصوصية الكاملة، وما يشكل حالة من المفاجأة لدى الجمهور، بسبب الظهور المفاجىء للمؤدين على منصة المسرح.
ويعتبر هذ المعلم من المنشآت التي لم يكتمل تجهيزها وتشطيبها، خاصةً قسم صالة البولينغ، وهو يحمل في طياته إشكالية كبيرة، تتجلى في عدم فعالية زاوية الإنحدار في المدرج مع مستوى منصة المسرح، الأمر الذي يشكل تأثير مباشر على قدرة المتفرجين الجالسين على المدرج من مشاهدة المنصة بشكل مريح، ولقد شهد هذه المعلم عدة إضافات وتعديلات في معظم الحفلات والعروض التي احتضنها، كمهرجانات طرابلس السياحية وغيرها، حيث لجأ المنظمون إما إلى رفع منصة المسرح عبر إضافة عناصر من الحديد والخشب أو إلى إقامة سقالات خشبية لرفع منسوب المدرجات المخصصة للمشاهدين، و في الحالتين كانت تلك الإجراءات مؤقته ومنفذة بمواد خفيفة يتم تفكيكها فور انتهاء الفعالية، فأدت إلى تحسين الجانب الوظيفي، لكنها بالتأكيد تسببت بتشويه المشهد المعماري للمعلم ولو بشكل مؤقت.
وهنا السؤال، من المسؤول عن هذا الخطأ الهندسي؟ المعمار أوسكار نيماير، أم الشركة الهندسية اللبنانية ومهندسوها الذين تولوا زمام مسؤولية المخططات التنفيذية لتصاميم نيماير، وأعني هنا شركة دار الهندسة للتصميم والإستشارات، المسؤولة عن المجموعة B، التي من ضمنها المسرح المكشوف؟ مع العلم أنه لم يكن لأي من المهندسين المعماريين اللبنانيين الجرأة على تعديل تصاميم نيماير، إلا أن هذا الأخير، قد عرف عنه التواضع، والتراجع عن الخطأ فيما لو تم لفت إنتباهه إلى هذه المشكلة، هذا لو كان قد تم رصدها أصلاً خلال إعداد المخططات التنفيذية.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة، إلى أن الراحل نيماير، قد أبدى خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان، أثناء تفقد سير الأعمال في ورشة بناء المعرض، إنزعاجه وعدم رضاه عن عدة أمور رافقت عملية التنفيذ، ولا يزال البحث والتدقيق جارياً لمعرفة ماهية هذه البنود.
إلا أن ما جرى لاحقاً من مشروع تأهيل بعض المنشآت في المعرض، خلال تسعينات القرن المنصرم، عقب أفول الحرب الأهلية عام 1990، وما رافقه من تعديلات دون الرجوع إلى المعمار الأساسي أوسكار نيماير، يضاف إليها المداخلة العنيفة التي حولت مبنى السكن الجماعي إلى فندق ثلاثة نجوم (كواليتي إن)، دون أي إعتبار أو إحترام لمكانة نيماير الذي كان حينها لا يزال يمارس أعماله من مكتبه في الريو، كلها أمور تعكس غياب ذكر المعرض عن معظم الكتب والدراسات والتقارير التي وثقت أعمال نيماير (المدرجة بمعظمها اليوم على لائحة التراث العالمي لليونيسكو)، وربما لنيماير الحق بأن يكون عاتباً على الحكومات اللبنانية المتعاقبة، التي لم تراعِ أدنى مقاييس اللياقة والإعتبار المعتمدة في التعامل مع أصحاب الأعمال الإبداعية، خاصة تلك المذيَّلة بتوقيع آخر عمالقة الحداثة في عمارة القرن العشرين.
Loading...