طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس (8)

الإطلالة من خلف متكأ التراس في السطح الأخير لبرج المطعم وخزان المياه
أوسكار نيماير، المعمار النجم، صاحب المئات من المشاريع المعمارية الرائدة المنتشرة عبر القارات، خاصة في الأميركيتين الشمالية واللاتينية، أوروبا، أفريقيا وآسيا حيث يوجد معرض طرابلس الدولي، الذي يعتبر مشروعه الأكبر بعد تصميمه لمدينة برازيليا، وهو مشروعه الأول خارج القارة الأميركية، والثالث خارج البرازيل، ونيماير العاتب على السلطات اللبنانية التي لم تراعِ أصول التعامل مع المنشآت التي صممها خلال مشاريع التأهيل والتعديل التي نفذت في نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، كان كثير الحديث عن هذا المشروع ضمن محيطه الضيق في مكتبه في مدينة الريو، ولقد روى لي مساعده المباشر ومدير مكتبه المعمار ( جائير فاليرا ) الذي عمل معه لأكثر من ثلاثين سنة، من خلال مراسلات خطية جرت بيني وبينه في نهاية 2015 ومطلع 2016، أن نيماير كان فخوراً جداً بهذا الإنجاز في طرابلس، وكان يتمنى أن يكتب لهذا المرفق الحياة وأن يراه يعمل بكافة قطاعاته الإقتصادية، السياحية والثقافية، كما كان يحلم به أن يكون، عندما وضعه تصاميمه خلال إقامته في طرابلس سنة 1962، المدينة التي أحبها وتوقع لها مستقبلا زاهراً.
وبالعودة إلى إستكمال الحديث عن المنشآت الثقافية والترفيهية المنتشرة داخل وعند محيط منظومة الصفيح (Plaquette) المكونة من المسطح المائي الكبير، لا بد من الحديث عن مصادر التغذية بالماء لهذا المستنقع الصناعي ذي مساحة الإثنين وثلاثين الف متر مربع من المياه العاكسة للمنشآت ولكل ما حولها، فالمياه الجوفية هي المصدر، وبرج خزان المياه (الحاووظ) هو الذي ستخزن فيه المياه عمودياً بهدف المعالجة والتكرير والتوزيع.
برج خزان المياه (الحاووظ)
إنه المعلم رقم 3 على لوحة المخططات التنفيذية، وهو المعلم الأسطواني الذي قطره تسعة أمتار وارتفاعه خمسة وعشرون متراً، والذي يتوسطه درج حلزوني من الباطون المسلح، وهو مزود بمصعد كهربائي، يصل الطابق الأرضي بالطوابق العلوية، حيث يتألف هذا البرج من ستة قطاعات أو طوابق رئيسية وهي :
1- الطابق السفلي التقني حيث غرفة محرك مصعد الزوار وغرفة مستودع خاص بالمطعم العلوي.
2- الطابق الأرضي حيث مدخل البرج والمصعد وبداية الدرج الحلزوني المؤدي إلى الطوابق العلوية، ودرج النزول إلى الطابق السفلي.
3- الطابق الأول حيث يبدأ القطاع الرئيسي الذي يحتوي خزان المياه.
4- الطابق التقني حيث توجد فتحات علوية لصيانة خزان المياه ومحركات المصعد المخصص لخدمة المطعم .Dumb Waiter
5- الطابق العلوي ثاني، المحطة الأخيرة لمصعد الزوار، والذي يؤدي إلى صالة إستقبال صغيرة، تتصل بالمطعم في الطابق الثالث بواسطة الدرج الحلزوني، ولم يتم إيصال مصعد الزوار إلى طابق المطعم بهدف تخصيص كامل المساحة الصغيرة نسبياً لإستيعاب أكبر عدد من الزبائن، وفي هذا الطابق أيضاً يوجد المطبخ الخاص بالمطعم وحمامات الزائرين ويوجد أول محطة توقف لمصعد الخدمة المخصص لربط المطبخ بالمطعم.
6- الطابق العلوي ثالث حيث يوجد المطعم، المحطة الأخيرة لمصعد الخدمة، والصالة الدائرية بمساحة خمسة وستين متراً التي تستوعب حوالي الخمسين شخصاً، موزعين على ترتيب شعاعي للطاولات والكراسي بمحاذاة الفتحات الطولية التي تمثل الشبابيك المطلة على محيط البرج، ويتوسط هذا الطابق درج حلزوني على شكل مروحة مكشوفة يربطه بالطابق الأخير.
7- الطابق الأخير حيث التراس الصيفي المفتوح والتابع للمطعم، ذو الإطلالة البانورامية الساحرة التي تطل على كل منشآت المعرض وخاصة المسرح المكشوف في الهواء الطلق المحاذي للبرج من الجهة الغربية، والذي تغطيه مظلة من الخرسانة المسلحة على شكل شمسية مفتوحة غاية في الروعة والرشاقة والإبداع الهندسي، حيث نفذت قوالبها الخشبية على يد أمهر المهندسين وصناع النجارة في لبنان.
والجدير ذكره، أن هذا المعلم كان من ضمن المنشآت التي اكتمل بناؤها بالكامل مطلع السبعينات من القرن الماضي، إلا أنه تعرض للنهب والتخريب، شأنه شأن باقي المنشآت، خلال الإحتلالات العسكرية إبان الحرب الأهلية الغابرة، ولم يبقَ منه إلا البناء الخرساني وبعض بقايا التجهيزات والمصاعد ومواد التشطيب التي يتآكلها الزمن والإهمال، وقد عمدت إدارة المعرض الى إقفال باب هذا البرج عند القاعدة، بهدف الحفاظ على السلامة العامة للزوار، كونه لم يعد مؤهلاً لإستقبالهم بسبب غياب الصيانة والتأهيل والحماية والإنارة وغيرها.
ولهذا البرج حكاية طريفة رواها لي الدكتور نزيه طالب صاحب ومدير عام شركة دار الهندسة للإستشارات – طالب، أنه خلال وضع المخططات التنفيذية لهذا البرج الذي ينتمي إلى المجموعة B، لاحظ فريق العمل الهندسي اللبناني أن رسومات نيماير الاساسية لم تلحظ له أي فتحات على شكل نوافذ خارجية لإضاءة وتهوئة صالة المطعم والحمامات والمطبخ، ولم يكن لأحد حينها الجرأة لإضافة أي عنصر أو تعديل أي تصميم، دون الرجوع إلى المصمم الأساسي الراحل نيماير، وتسبب هذا الأمر بحالة من الإرباك والقلق من إحراج المعمار عند إبلاغه عن هذه الهفوة، إلى أن جاء نيماير إلى بيروت خلال زيارة تفقدية لسير الأعمال، حين فاتحه أحد المهندسين بطريقة لائقة جداً، وبأسلوب إستفهامي غير مباشر، عن هذا سبب غياب الفتحات الخارجية لهذا البرج، فما كان من الراحل نيماير المعروف عنه تواضعه وسلاسة أسلوبه، إلا أن قال لا بأس هذا أمر بسيط، وقام حينها برسم تلك الفتحات الطولية الضيقة بمناسيب مختلفة لتعطي الشكل الإنسيابي وتوحي بضخامة هذا البرج، بالإضافة إلى كونها سمحت لأن يتم توزيع الطاولات داخل المطعم بطريقة دائرية وبين هذه النوافذ الضيقة التي تعطي لكل شخص جالس قربها مجال رؤية مركزه على أحد معالم ومنشآت المعرض المنتشرة حول البرج.
ومن أمتع المناظر التي يمكن رؤيتها من سطح هذا البرج هو مشاهدة الواجهة العمرانية لمدينة طرابلس التي تعلوها سلسلة الجبال الغربية وخاصة عندما تكون مكسوة بالثلوج خلال فصل الشتاء، ناهيك عن المشهد الساحر لمغيب الشمس فوق البحر الذي لا يبعد أكثر من اربعماية متر عن سطح هذا البرج الأنيق.

مهبط طائرات الهليكوبتر

أما البناء الأخير الذي ينتمي إلى مجموعة الصفيح المائي فهو المعلم رقم 5، وهو بناء ذو وظيفة مزدوجة، فهو مهبط لطائرات الهليكوبتر في الأعلى وقاعة عرض في الطابق السفلي، تحت المهبط مباشرة، خصصها نيماير لوظيفة متحف الفضاء، دون معرفة السبب وراء هذه التسمية، وما لطرابلس من علاقة بمجال الفضاء وأبحاثه، إلا أنه لا يوجد أي شك بأن لنيماير أسلوبه المعماري الخاص، الذي توحي خطوطه العامة بمحاكاة الأشكال المستقبلية، والكتل التي تتشابه مع ما يتناغم بما ارتبط بذاكرة الناس من أفلام وقصص الخيال العلمي وأشكال الصحون الطائرة والمستعمرات الفضائية، ويأتي خوف نيماير ومعاناته من فوبيا ركوب الطائرات، ليبرر هذه الحالة التي ربما جاءت على شكل «تعويض فرويدي» بحسب نظريات العالم «سيغموند فرويد»، ولكن لمَ لا، فليكن في معرض طرابلس متحف لعلوم الفضاء، وما كان لذلك من دغدغة لمخيلة الناس في ستينات القرن الماضي، حيث أن عصر إكتشاف الفضاء كان قد بدأ للتو في شهر أكتوبر من العام 1957، عندما أطلق ما كان يعرف بالإتحاد السوفياتي، أول قمر صناعي (سبوتنيك1) ليدور حول الأرض، وبعدها كانت أول رحلة طيران فضائية مأهولة في شهر نيسان (ابريل) من العام 1961، حين دار رائد الفضاء «يوري جاجارين» حول الأرض من السفينة الفضائية «فوستوك1» في رحلة إستغرقت 108 دقائق.
كل ذلك حصل قبل سنة واحدة فقط من تكليف نيماير وضع التصاميم المعمارية للمعرض، فربما كان لتلك الموجة العارمة عند البشر في تلك الفترة، والرغبة الجامحة لمعرفة وسبر أغوار الأرض والقمر والكواكب والشمس وغيرها من النجوم والمجرات، وجمع المعلومات القيمة عن الكون، كانت كلها مسببات لإقتراح نيماير لحظ متحف لعلوم الفضاء تحت مهبط الطائرات العمودية لما يرمز إليه من ترابط في فكرة الطيران والتحليق في السماء.
من الناحية المعمارية فإن هذا المعلم المبني بالكامل من الخرسانة المسلحة ذات السطح الأملس Face Concrete Fair كمعظم منشآت المعرض، مكون من قاعدة مربعة الشكل بمساحة أربعمئة وثلاثة وثلاثين متراً مربعاً محاطة بالمياه العاكسة للمسطح المائي من الجهات الأربع ويتم الوصول إليها بواسطة منحدر على شكل جسر رابط، كما يرتكز في وسطها وعلى عمود واحد وأربعة منظومات كونسولات حاملة كابولية على شكل المروحة، حاملة لمنصة دائرية بقطر أربعة عشر متراً تقريباً وبمساحة أربعمئة وواحد وتسعين متراً مربعاً، معدة كمهبط لطائرات الهليكوبتر، يتم الوصول إليها بواسطة درج معدني حلزوني الشكل، بينما يتم الوصول إلى الطابق السفلي بواسطة درج من الباطون المسلح، حيث توجد صالة متحف علوم الفضاء بمساحة ثلاثمئة وستة وثلاثين متراً مربعاً، يتوسطها عمود الإرتكاز الرئيسي الحامل لمهبط طائرات الهليكوبتر في السطح الأخير، ويحيط بجدران الصالة من الأعلى، فتحة إنارة طبيعية على كامل محيطها.
من الناحية الإنشائية، فإن روعة هذا المعلم تكمن في ارتكازه على عمود واحد فقط (Monopole)، ولنيماير العديد من المباني التي ترتكز على عمود واحد في الوسط، منها على سبيل المثال، المظلة التي تغطي سطح برج خزان المياه في معرض طرابلس الدولي، ومركز نيماير في في أسبانيا (Centro Niemeyer)، ومتحف الفن المعاصر في البرازيل (Niteroi Contemporary Art Museum)، ومتحف أوسكار نيماير في البرازيل .(Oscar Niemeyer Museum)
ومما يدعو إلى الحزن والقلق الشديد على هذا المعلم، الواقع المتردي وحالة التدهور الإنشائي لبلاطة سقف الطابق السفلي، التي تعاني من تشققات وتصدعات واهتراء في حديد التسليح وتلف في السطح الخرساني بسبب تسرب مياه الأمطار والرطوبة العالية وغياب الصيانة والترميم منذ تاريخ بنائها، الأمر الذي قد يؤدي وخلال مدة وجيزة وربما بشكل مفاجىء ودراماتيكي، إلى انهيار المعلم بكامله، كونه مترابط إنشائياً، ويعتمد على التوازن الذاتي بشكل لا يدع أي مجال لحدوث إنهيار جزئي.
وهنا السؤال الكبير، إلى متى سيبقى هذا المعلم الثقافي، أعني المعرض بكل منشآته، والذي يجسد إبداعات الحداثة في ذروتها إبان منتصف القرن العشرين، وبتوقيع شاعر العمارة أوسكار نيماير، والذي من المؤكد، لن يتمكن أحد من إعادة بنائه في حال زواله بسبب الإهمال المزمن، و حينها ستكون طرابلس الخاسر الأكبر، إن لم نقل الإنسانية جمعاء.
Loading...