طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس (9)

الصورة في الأعلى: مبنى السكن الجماعي في أعلى الصورة كما بدا في نهاية الثمانينات من القرن الماضي في مقارنة مع ما آل إليه أسفل الصورة، بعدما تم تحويله إلى فندق الثلاثة نجوم……. الصورة في الأسفل: سكتش بيد نيماير يبين فكرة الحديقة اللوجيا لكل وحدة سكنية في البناية – الفيلا
لقد تزامن إطلاق فكرة معرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس في مطلع ستينات القرن المنصرم، مع ما اعتبره المنظرون والمؤرخون في العمارة، مرحلة الذروة، وبداية النهاية للجيل الثاني من عمارة الحداثة (Modernism)، العمارة التي إنطلقت في مطلع القرن العشرين وبدأت بالإنتشار بعد العام 1925، حيث لعب التطور الصناعي وإزدهار إستخدام الباطون الإسمنتي المسلح، بعد اكتشاف الإسمنت الأسود وتطور النظريات الرياضية والفيزيائية في هيكل البناء الخرساني المسلح، كما اعتمدت هذه العمارة على الخروج من النمط الكلاسيكي في العمارة، الذي بدأ في عصر النهضة واستمر حتى نهايات القرن التاسع عشر، حيث تم الإستغناء عن كل ما هو غير ضروري في العمارة، كالعناصر الزخرفية وتكسية الحجر الطبيعي لكامل واجهات المباني، وإخفاء كل العناصر الإنشائية، واعتماد البساطة والعملانية، ضمن عناوين ذات تأثيرات تقنية، فلسفية وإجتماعية وحتى إقتصادية.
ومن رواد الجيل الأول للحداثة المعمار السويسري – الفرنسي الشهير لوكوربوزيه (1887 – 1965)، الذي قال المعمار أوسكار نيماير (1907 – 2012) مصمم معرض رشيد كرامي الدولي، إنه تأثر به كثيراً، خاصة أنهم قد عملوا سوياً في عدة مشاريع، وكان نيماير يكن له إحتراماً وتقديراً، حتى أنه كان يسميه المعلم الكبير، الأمر الذي يعكس تواضع نيماير وإنسانيته وحسن خلقه، برغم ما كان يعرف عن لوكوربوزيه من فوقية في التعامل وطباع حادة وإعتداد بالذات.
كان لابد من هذه المقدمة، قبل التحدث عن قطاع مهم، قام المعمار نيماير بتصميمه من ضمن منشآت معرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس، ألا وهو منظومة السكن التي تقع عند نهاية الطرف الشمالي الغربي للمعرض، وهي مؤلفة من ثلاثة معالم رئيسية وهي :
1- مبنى السكن الجماعي Habitation collective (حالياً فندق كواليتي-إن)
2- مبنى السكن النموذجي Residence Type
3- متحف السكن Museé de l’ Habitation
مبنى السكن الجماعي
Habitation collective

(المعلم رقم 16 ):

من الناحية الوظيفية، فإن هدف نيماير من لحظ هذه المنشأة كان تأمين السكن الدائم لكبار موظفي المعرض مع عائلاتهم، خاصة أن منهم من قد يكون من خارج طرابلس، إن لم يكن من جنسيات عربية وأجنبية، لأن تنظيم المعارض الدولية يتطلب كفاءات من خلفيات ثقافية متنوعة ويستوجب إقامة شبه دائمة بالقرب من مكان العمل.
إن تأثر نيماير الكبير بمدارس الحداثة، وخاصة تلك التي أسسها المعمار لوكوربوزية، الذي إشتهر كثيراً بتطوير مباني السكن الجماعية والإفرادية، وخاصة فكرة «البناء-الفيلا» (Immeuble Villa) سنة 1925، فبرغم عشق نيماير للخطوط الحرة والمنحنيات والأشكال المستقبلية التي اعتمدها في معظم تصاميم منشآت المعرض في طرابلس، إلا أنه قد خرج عن القاعدة في بعض منها، وخاصة في مبنى السكن الجماعي، الذي اعتمد فيه الخطوط المستقيمة والنمطية الشبيهة بمدارس الجيل الأول من الحداثة، كمدارس Bauhaus))، (Le Corbusier) و ((Mies van de Rohe
فكان المبنى المستطيل الشكل ذو الإمتداد الطولي (Linear)، هو عبارة عن بناية سكن تضم عشر وحدات سكنية ذات نمط الفيلا الدوبلكس على طابقين لكل وحدة، ضمن مبنى مؤلف من طابق أرضي للأعمدة والفسحات، وأربعة طوابق علوية، الطابقين الأول والثاني لخمس وحدات، كل واحدة من طابقين، والثالث والرابع لخمس وحدات أخرى على طابقين أيضا، كلها متشابهة في المساحة والتصميم والتوزيع والتجهيز.
المبنى بالإجمال، الذي تغيرت ملامحه كثيراً، بعد التحوير الكبير والمداخلة القاسية التي حولته في مطلع الألفية الثالثة (سنة 2000 تحديداً)، إلى فندق الثلاثة نجوم، المعروف حالياً بفندق «الكواليتي-إن»، هو بمساحة بناء إجمالية قدرها أربعة آلاف وستمائة متر مربع، على مسطح مستطيل بطول 3،128م، وإرتفاع إجمالي 4،15 م، على اربعة طوابق علوية، وطابق ارضي. وكان للبناء طابق سفلي مؤلف من ثلاثة أقسام منفصلة عن بعضها مخصص للتخزين وللتجهيزات التقنية، بمساحة إجمالية حوالي ستة وتسعون متراً مربعاً.
إن التصميم الاستثنائي الذي كان يتميز به هذا البناء، يتجلى بكونه نموذجاً متطوراً من نمط السكن الجماعي الذي كا من أهم سمات ثورة الحداثة في مطلع لاقرن العشرين، ولقد اراد نيامير رفع هذه الوحدات السكنية العشر عن مستوى الأرض بواسطة طابق أعمدة، بهدف تأمين أكبر قدر ممكن من المساحات العامة المفتوحة، وعدم خجب الرؤية عند مستوى الطابق الأرضي، وتأمين مساحات لعب لولاد ساكني هذه العمارة الراقية.
في الطوابق العلوية، إندمجت عشر فيلات دوبلوكس، بمساحة مائتين وستة وخمسون متراً مربعاً لكل واحدة، يتم الوصول اليها بواسطة أدراج، حيث إحتوى المبنى على ستة عشر مطلع درج:
∎ ثلاثة مطالع درج رئيسية، تؤدي إلى عشرة حدائق علوية على شكل لوجيا مفتوح من جهتين (الشرقية المطلة على المعرض والغربية المطلة على الجهة البحرية والأوتوستراد الدولي)، بمعدل حديقة لكل دوبلكس، حيث تشكل كل حديقة المدخل الرئيسي لكل فيلا أو وحدة سكنية.
∎ ثلاثة مطالع درج دائرية للخدمة تؤدي إلى مطابخ الوحدات السكنية مباشرة.
∎ عشرة مطالع أدراج، بمعدل درج واحد لكل دوبلكس ليربط الطابقين (طابق غرف المعيشة والطعام والمطبخ وغرفة الخادمة، وطابق غرف المنامة الذي يعلوه، حيث يوجد غرفتان للأولاد مع حمام مشترك وغرفة رئيسية للأهل مع حمام خاص بها ونوافذ تطل على المعرض وعلى الحديقة اللوجيا الخاصة بها.
وكان لهذا المبنى فرادة معمارية، تجلت في واجهاته الخارجية المطلة على المعرض والغربية المطلة على الجهة البحرية، حيث كانتا مكسوتين بما يعرف بالورقة الإسمنتية الملونة (Pigmented Plaster) باللونين القرميدي والازرق السماوي، وذلك لضمان عدم إندثار تلك الألوان بفعل عوامل المناخ، كما هو الحال لأعمال الطرش والدهان الخارجي التقليدي المعروف، فكانت منفذة بطريقة لا تتطلب الصيانة على الإطلاق.
أما من الداخل فكانت جدران مطالع الأدراج الرئيسية مكسوة بحجر القرميد، حيث لم يلحظ نيماير أي مصاعد كهربائية مع العلم أنها كانت رائجة في تلك الفترة، حيث أنه أستخدمها في برج خزان المياه والمطعم، وذلك بهدف محاكاة نموذج السكن الشعبي المتواضع على الطريقة التي كانت سائدة في اوروبا في تلك الفترة.
أرضيات الوحدات السكنية كانت من بلاط الموزاييك أما الحمامات والمطابخ فكانت من رخام الكارارا الأبيض الذي إستعمله نيماير بكثرة داخل منشآت المعرض، وكانت جدران الحمامات والمطابخ مكسوة بالسيراميك الأبيض قياس 20سم * 20سم.
ويلاحظ من خلال الرسومات اليدوية للمعمار أوسكار نيماير، الجو الساحر الذي أراده لساكني هذه الوحدات، والتي وللأسف الشديد لم يسكنها سوى ضباط وعناصر الميليشيات وخاصة تلك التابعة للجيش السوري إبان الحرب الأهلية، حيث قاموا بتخريبها ونهبها تباعاً، مع العلم أن هذا المعلم كان من المباني التي إكتمل بناؤها وتجهيزها بالكامل قبل توقف الأعمال ونشوب الحرب سنة 1975.
وبعد كل ما تعرض له مبنى السكن الجماعي من تخريب ونهب، جاءت بداية نهايته سنة 1994، خلال جولة ميدانية لرئيس الحكومة آنذاك، الراحل الشهيد رفيق الحريري، مع مجموعة من موظفي المعرض ومجلس إدارته، بهدف تفقد المنشآت ومعاينتها، حتى يتم إطلاق مشروع التأهيل والتطوير للمعرض، بعد إنتظار دام حوالي العشرين سنة، حيث وصل الموكب إلى مقابل مبنى السكن الجماعي سأل حينها الرئيس الحريري الوفد المرافق عن ماهية ووظيفة هذا المبنى، فجاءه الجواب بأنه مبنى السكن الجماعي لموظفي المعرض وأنه بات بحالة يرثى لها من التخريب، فكان جوابه السريع حينها، أن هذا النوع من المباني قد أثبت فشله من الناحية الوظيفية في دول الخليج العربي، حيث أنه من غير المرغوب فيه لدى أي موظف أن يسكن داخل مكان عمله.
وحينما سأل الرئيس الحريري بعدها عن ما ينقص المعرض من وظائف حيوية، أتاه الجواب أن طرابلس عموماً والمعرض خصوصاً بحاجة إلى فندق لإيواء الزائرين، فأعطى الرئيس الحريري أوامره المباشرة بتكليف شركة دار الهندسة (شاعر ومشاركوه) بإعداد دراسة هندسية لمعاينة كافة المنشآت بهدف تأهيلها ولتحويل مبنى السكن الجماعي إلى فندق سياحي، وهكذا كان.
وأنا هنا أود أن أذكر رأياً شخصياَ، مفاده أنه لو كان لأي من المرافقين والمستشارين للرئيس الحريري حينها، الحسّ بأهمية التراث المعماري والقيمة الفكرية والثقافية والفلسفية لهذا المبنى وعلاقته بمنظومة المباني والمنشآت الأخرى كوحدة متكاملة، وأن تصميمه مذيل بتوقيع المعمار العالمي أوسكار نيماير، مصمِّم وباني مدينة برازيليا، وأنه لا يزال على قيد الحياة، ويجب من باب اللياقة أخذ رأيه بالموضوع، أو على الأقل عدم المساس بهذا المبنى وبناء فندق على مساحة ارض شاغرة، وما أكثرها ضمن حرم المعرض، الذي تقدر المساحات غير المبنية فيه بحوالي الأربعمائة الف متر مربع، وكان لهذا الشخص المفترض، المبادرة بإبلاغ الرئيس الحريري بفحوى هذا الكلام، لكان عدل عن قراره دون تردد، ومنع المساس بهذا المبنى لحين أخذ راي المصمم نيماير الذي كان حينها في عمر ال 87 عاماً حيث كان لا يزال على رأس عمله في الريو، الذي استمر لغاية بلوغه سن ال 104 سنوات.
وبناء على ذلك القرار، صرف للمعرض حينها مبلغ خمسة ملايين دولار من موازنة مجلس الوزراء، فكان أول مبلغ يرصد له منذ توقف الأعمال فيه سنة 1975.
وجاء أمر التنفيذ بتحويل المبنى إلى فندق الثلاثة نجوم في شهر آذار من سنة 2000، وكنت حينها ما زلت على رأس عملي في شركة دار الهندسة، شاعر ومشاركوه، الشركة التي أعدت دراسة التحويل، حيث واجهتها صعوبات كثيرة بسبب قلة الإرتفاع الحر في الطوابق (8،2 متر)، ما شكل تحدياً كبيراً في تأمين تمديدات التدفئة والتبريد مع لحظ سقف مستعار، وتم تكليف الشركة بعد ذلك، الإشراف على متعهد التنفيذ.
وكان لسخرية القدر، أن تم تكليفي شخصياً من قبل الشركة، لأكون المهندس المسؤول على عملية الإشراف، فكان الخيار الوحيد المتاح حينها هو تقديم الإستقالة من الشركة، والسفر إلى دول الخليج العربي للعمل هناك لمدة أربع سنوات، كانت كفيلة بعدم مشاهدة تلك المجزرة بحق واحدة من أجمل التحف المعمارية للراحل نيماير، التي كانت النموذج الوحيد في لبنان والمنطقة لما كان يسمى بالعمارة – الفيلا (Immeuble Villa)،
فكانت خسارة فادحة، حرمت كل الأجيال التي أتت وستأتي بعدها، من مشاهدة تلك التجربة الفريدة وذلك النمط الساحر من مباني السكن الجماعي لعمارة الحداثة في النصف الأول من القرن العشرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.