طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس (10)

الصورتان في الأعلى: مقارنة بين منزل نيماير في الريو في أعلى الصورة والسكن النموذجي في المعرض عند أسفلها… الصور في الأسفل: أوجه التشابه في ملامح سكن نيماير الخاص في الريو على يسار الصورة ومبنى السكن النموذجي عي معرض طرابلس عند يمين الصورة
لقد كان رجلاً لائقاً ومحترماً جداً، قصير القامة، متواضع الملبس، حتى أنه كان يحب أن ينتعل حذاءً رياضياً دون جوارب، وكان يهوى النساء، حتى أنه كان لا يجلس على طاولة الرسم أثناء تصميم مشاريعه دون جلوس مساعدته الشخصية الفارعة الطول والفائقة الجمال، وكأنها مصدر الوحي والإلهام.
كانت ترعبه فكرة ركوب الطائرة، ولم يسافر إلا بالباخرة حتى أنه عندما حجزت له إدارة معرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس، تذكرة السفر الأولى للقدوم إلى طرابلس بهدف معاينة الموقع المقترح والبدء بوضع التصاميم الأولية سنة 1962، وصلت الطائرة ولم يكن نيماير على متنها.
بهذه الكلمات وصفت السيدة «أوديس نجم بيطار» اوسكار نيماير، وهي كانت الموظفة المحررة في إدارة معرض رشيد كرامي الدولي منذ العام 1962 ولغاية نهاية تسعينات القرن الماضي، والمساعدة الشخصية لأول مدير عام للمعرض، الراحل أمادو شلهوب (المولود في البرازيل)، صاحب فكرة تكليف المعمار العالمي نيماير تصميم منشآت المعرض.
وهنا يصل بنا الحديث عن المَعلَم رقم 17، الواقع ضمن منظومة السكن في المعرض، وهو البيت النموذجي الذي كان مخصصاً لسكن مدير المعرض وعائلته.
هذا البيت الفريد في تصميمه والذي يعج بالحكايات والذكريات الجميلة للراحل نيماير، حيث أنه عن قصد أو غير قصد، كان يصمم البيت المستوحى من سكنه الخاص في مدينة الريو والعزيز على قلبه Casa das Canoas، والذي صممه سنة 1951 وسكنه سنة 1953، أي قبل حوالي العشر سنوات من تكليفه تصميم معرض طرابلس، فظهر وكأنه يتفاعل مع عدة معطيات وهي بحسب تحليلي الخاص، حالة نوستالجيا وحنين لبيته في الريو والذي أراد أن يرى له شبيهاً على بعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر، وهو توقيع خاص به لكامل منظومة منشآت المعرض، وهو أيضاً الهدية الخاصة للسيد أمادو، كعربون شكر وإمتنان عن إعطاء نيماير هذا التكليف بواسطة جهوده ومساعيه فأراد له أن يتمتع بهذا النوع من السكن الذي ارتضاه نيماير لنفسه وزوجته وعائلته الخاصة.

المعلم رقم 17، السكن النموذجي Residence Type

يقع هذا المبنى عند الطرف الشمالي الغربي وتحديداً ضمن منظومة السكن التي تجمعه مع مبنى السكن الجماعي الذي تحول إلى فندق الثلاثة نجوم ومبنى متحف السكن.
يشغل هذا المبنى المتميز مساحة حوالي 300 متر مربع تقسم إلى قسمين رئيسيين، الأول هو عبارة عن غطاء كبير ذو شكل هندسي حرForm Freeيعمل كمظلة حاجبة لأشعة الشمس ليحمي تحته مساحة مستطيلة الشكل بطول حوالي تسعة وعشرين متراً وعرض عشرة أمتار ونصف، و هو مقفل بالزجاج الكامل على ثلاث جهات ومخصص لصالة المعيشة والطعام، ويطل بشفافية كاملة على التراس الخارجي المسقوف جزئيا بالغطاء الخرساني، ويحضن هذا التراس مسبحاً متميزاً ذا شكل حرّFree Form مكسواً بالسيراميك الأبيض ويشبه المسبح الموجود في سكن نيماير الخاص في الريو والذي يندمج مع صخرة طبيعية موجودة في غابة الريو، لدرجة أن نيماير صمم صخرة إصطناعية نفذت من الباطون والدبش الصخري لهذا المسبح في المعرض، لتعزيز محاكاة مسبحه الخاص في الريو.
أما القسم الثاني والخلفي من هذا المبنى، فهو عبارة عن مستطيل الشكل بطول حوالي تسعة وعشرين متراً وعرض عشرة أمتار ونصف، وهو يحتوي على ثلاث غرف للنوم، واحدة منها رئيسية تحتوي على حمام خاص وحمام آخر للغرفتين المخصصتين للأولاد، كما يحتوي على قسم المطبخ وسكن الخدم وملحقاته ويربط الغرف ممر يتميّز بجداره المكسو بالحجر الكلسي الطبيعي.
يتصل القسمان بممرّ مقفل بالزجاج الكامل على جانبيه ويطل على الحديقة الخارجية وعلى الدرج الدائري الذي يؤدي إلى سطح القسم الأول وإلى الطابق التقني السفلي.
يعتبر هذا البناء السكني، تحفة معمارية نادرة ليس لها شبيه أو مثيل في المنطقة، كونها تحاكي عمارة الحداثة العائدة للنصف الأول من القرن الماضي، من خلال اعتماد البساطة والمزج بين الجدران المكسوة بالحجر الطبيعي دون أي زخارف أو تفاصيل، وبين الواجهات الزجاجية الكاملة التي ميزت ذلك النوع من العمارة السكنية في تلك الفترة.
وللحديث عن الفرادة المعمارية والجمالية في هذا السكن النموذجي لا بد من ذكر خاصية الإنارة والتهوئة الطبيعية للقسم الخلفي المخصص لغرف المنامة والمطبخ والخدمة، والتي خلت تماماً من النوافذ والفتحات في جدرانها الخارجية، حيث اكتفى نيماير بلحظ فناء سماوي خاص لكل غرفة، لتأمين الإنارة والتهوئة من الأعلى، الأمر الذي أعطى الخصوصية الكاملة لساكني هذا البيت وهذا القسم الحميم نسبياً والممتد على طابق أرضي فقط، والواقع ضمن مرفق عام مملوء بالزوار والمشاة المتجولين في أرجائه.
والجدير ذكره، أن هذا المعلم كان من الأبنية المنتهية والجاهزة للإستخدام نهاية العام 1974، كيف لا، وهو كان السكن الحلم الموعود للراحل السيد أمادو شلهوب، المدير العام السابق للمعرض، وهو كان يتحدث عن هذا السكن بشغف لأنه يعلم أهمية لمسات نيماير في تصميمه المشابه لسكنه في الريو دي جانيرو، لكن وللأسف الشديد كان للقدر ولمشيئة الله كلام آخر، فبعيد نشوب الحرب الأهلية في نيسان 1975 وتوقف الأعمال بالكامل داخل المعرض، ودخول البلاد في نفق المجهول، إستشعر السيد أمادو بالخطر وقرر أن ينتقل وعائلته للسكن في مدينة جبيل سنة 1977، وبينما كان مغادراً في سيارته من طرابلس وتحديداً عند نفق شكا، تعرض لحادث سير مروع أودى بحياته، وذلك إثر إصطدامه بشاحنة عسكرية للجيش السوري أو ما سمي آنذاك «قوات الردع العربية».
ولتتجلى سخرية القدر، دخل الجيش السوري إلى المعرض الدولي في طرابلس في نفس الفترة الزمنية وقام بأحتلاله وإشغال منشآته، فكان لأحد ضباطه من ذوي الرتب العالية، أفضلية الإقامة والسكن في هذا المبنى الإستثنائي والتمتع بمميزاته من ضمن كل المنشآت الأخرى، التي عملوا على تخريبها ونهبها تباعاً دونما رقيب أو حسيب، حيث كلما تغير فوج كان يعمل على تفكيك وأخذ كل ما يمكن حمله من منجور أبواب ونوافذ وخزائن وإنارة وحتى البلاط تم تفكيكه وكذلك التجهيزات التقنية والقساطل.
إن سكن أوسكار نيماير الخاص في الريو (Casa das Canoas) والذي يشكل النواة الأولى لهذا النمط من الفيلا، قد تحول اليوم إلى المقر الدائم لمؤسسة نيماير Niemeyer Foundation وهو مدرج على لائحة التراث العالمي للأونيسكو.
يقول نيماير في حديثه عن فلسفة تصميم منزله في الريو ما يلي : «كان هدفي تصميم مسكن متحرر في الشكل، ومندمج مع محيطه بواسطة الخطوط المنحنية، حتى تتداخل بشكل طبيعي، وجعلت غرفة المعيشة تحت المظلة لتفادي إستخدام الستائر الحاجبة لأشعة الشمس، ما يؤمن الشفافية في مجال الرؤية، كما أحبها دائماً أن تكون».
وهذا ما نراه محققاً بالكامل في السكن النموذجي داخل المعرض، ما يطرح السؤال عالياً :
إلى متى سيبقى هذا البيت المهجور، مهملاً ومليئاً بالأعشاب البرية ومستخدماً كمستودع لأنقاض فندق «الكواليتي إن»، ويتعرض للتهالك عبر الزمن بسبب غياب الصيانة منذ تاريخ بنائه؟، في الوقت الذي يجب أن يعامل كتحفة معمارية نادرة وأن ينضم مع شقيقه الأكبر في الريو «كازا داس كانواس» الذي يشكل محجة للسواح الذين يتوافدون إليه بالمئات يومياً وعلى مدار السنة، بهدف معاينة هذا النوع الفريد والنادر من السكن الخاص لعمارة الحداثة في النصف الأول من القرن العشرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.