طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس(11)

من الأعلى يميناً: متحف السكن من الخلف ويظهر غياب الفتحات الخارجية وبساطة التصميم… الواجهة الجنوبية وتبدو فتحات المدخل والمخرج… صورة يظهر فيها على السطح نتوء الجدران الحلزونية للتقطيع الداخلي… المسطح العام لمتحف السكن بيد نيماير… منظور سكتش يدوي لداخل متحف السكن بتوقيع أوسكار نيماير
لقد تأثر أوسكار نيماير كثيراً بالمعمار السويسري / الفرنسي شارل إدوار جانيريه كريز Gris- Charles Edouard Jeanneretأو كما عرف بإسم لوكوربوزييه (1965-1887)Le Corbusier ، الذي يعتبر أحد أهم رواد الحداثة في عمارة القرن العشرين، فكان رائداً في الدراسات النظرية للتصميم السكني الحديث، وجاءت معظم إنجازاته في النصف الأول من القرن العشرين في مجال المباني السكنية حصراً.
ومن هنا، شأنه شأن أي معمار مبدع، كان للبناء السكني الحيّز الأكبر من الإهتمام والبحث والتطوير والإبتكار في مسيرة أوسكار نيماير، إلى جانب إبداعاته الأخرى في مجالات التخطيط والرسم والنحت والكتابة وحتى تصميم الأثاث والمفروشات، وقد بلغ عدد المشاريع السكنية التي صممها نيماير حوالي ثلاثة وثلاثون فيلا سكنية خلال الأعوام الممتدة من 1936 وحتى عام 2005، عندما صمّم المنزل الخاص بإبنته «أنا إليزا نيماير» في الريو دي جانيرو.
وفي هذا المجال، أراد نيماير أن يلحظ ضمن منشآت معرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس، منبى متحف السكن(Musee de l’Habitation) ، ليعرض فيه تاريخ تطور البناء السكني عبر الأزمان في لبنان والعالم.
وهنا يأتي الحديث عن معلم متحف السكن، البناء الثالث والأخير ضمن منظومة السكن المؤلفة من مبنى السكن الجماعي ( فندق «كواليتي إن» حالياً ) ومبنى السكن النموذجي ومتحف السكن.

المعلم رقم 11: متحف السكن

حالياً من يمرّ بقربه ويشاهد شكله الدائري البيضاوي، وبناءه البسيط المكون من الخرسانة المسلحة دون أي زخارف أو فتحات أو نوافذ، يخاله خزاناً للمياه أو غرفة للصيانة والتجهيزات التقنية ربما، وخاصة أن بابَي المدخل والمخرج مخفيان خلف ستائر من الخرسانة على شكل جدران ناتئة بطريقة منحنية.
لكن، هذه الجدران تخفي خلفها متحفاً مخصصاً لعرض تطور البناء السكني عبر التاريخ، وقد صمّم هذا المتحف ( الذي تبلغ مساحته 200 م2) المعمار أوسكار نيماير بطريقة إبداعية وبسيطة في آن معاً، فالمسطح العام بيضاوي الشكل، والتقسيم الداخلي مكون من جدران متداخلة بشكل حلزوني بارتفاع حوالي الأربعة أمتار، تؤمن مساراً متواصلاً لزائري هذا المتحف، على نسق معظم المتاحف التي تلحظ تنظيم معيّن لسير الزوار، دون أن يحدث أيّ تداخل أو تكرار في زيارة المعروضات التي هي عبارة عن لوحات تحتوي رسومات ومعلومات توضيحية حول تطور مفهوم السكن وعناصر وتقنيات تنفيذه، بحسب مفهوم أوسكار نيماير، إلا أن مصدر هذه المعروضات بشكلها النهائي لم يكن معروفاً ما إذا كانت ستكون معدة من قبل نيماير نفسه أو على يد معماريين وباحثين لبنانيين.
لقد تميز هذا البناء المقفل بالكامل (ما عدا وجود فتحتي منفذي الدخول والخروج المحاذيين لبعضهما البعض، ويفصل بينهما جدار من الباطون المسلح) بأن كل جدرانه مبنية على منظومة هندسية مرتكزة على المنحنيات والشكل البيضاوي الحلزوني، فجاء المسطح المتداخل وكأنه شبيه بالمتاهة، ما يضفي إحساساً بالتشويق أثناء معاينة المعروضات، وما يوحي بأن المساحة أكبر بكثير مما هي عليه فعلياً، إضافةً إلى الإحساس بانسيابية حركة الزوار داخل هذا المتحف الصغير.
واحتوى السقف على وحدات إنارة تمتد على كامل محيط الجدران الداخلية، بهدف تأمين الإضاءة اللازمة على اللوحات المعروضة والمعلقة بطريقة خاصة.
كما اكتفى نيماير بمظهر الخرسانة الناعمة للجدرانBeton Brut وبطلاء الأسقف الداخلية بالطرش الأبيض، مع لحظ نوع من البلاسيك الأخضر للأرضيات,Linoleum الذي كان يُعَدّ في تلك الفترة من أهم وأحدث تقنيات تغطية الأرضيات بطريقة عصرية وعملية، كونه يتمتع بخصائص مقاومة الإحتكاك وسهولة التنظيف وله رونقه الخاص وألوانه متميزة تحاكي الذوق الحداثي لتلك المرحلة.
وقد استعمل نيماير هذه المادة في تغطية أرضيات المطعم الموجود في أعلى برج خزان المياه (المعلم رقم 3)، وربما في أماكن أخرى كالبيت النموذجي والسكن الجماعي والجناح اللبناني، ولكن لا يمكن تأكيد ذلك دون الرجوع إلى المخططات التفصيلية (غير المتوفرة حالياً).
مع العلم أن الأثر الوحيد المتبقي على أرض الواقع من هذه الارضيات، هو داخل المطعم في برج خزان المياه.
وهذا المعلم أيضاً، كان من ضمن المباني التي كانت منجزة بالكامل، مع التجهيزات والتشطيبات النهائية، وكان جاهزاً ليوضع في الخدمة في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، إلا أنه، شأنه شأن كل منشآت المعرض، تعرّض للإحتلال العسكري والتخريب والنهب، فكان قدره أن يتحول إلى محطة للمحروقات، تزود آليات وشاحنات الجيش السوري بمادتي المازوت والبنزين، ولا تزال آثار ذلك الإستخدام واضحة من خلال الكتابات والإشارات المرسومة على الجدران الداخلية لهذا الممبنى حتى يومنا هذا.
وبعد إنسحاب الجيش السوري، لم ينل هذا المبنى نصيباً من الإهتمام والتأهيل والترميم، بل بقي على حاله، يقاوم عوامل الزمن ويشيخ ببطء حتى يلاقي مصيره المحتوم، لكن الحاجة الى مستودع لأنقاض فندق الثلاثة نجوم، دفعت بالجهة المستثمرة إلى إضافة ابواب من الحديد في واجهته الجنوبية، وقامت بتحويل هذا المتحف الراقي المذيَّل بتوقيع شاعر العمارة وآخر عمالقة الحداثة، إلى مرتع للأثاث المتهالك والأنقاض المعدة للتلف من بقايا معدات الفندق والمطاعم الملحقة به، ليكتمل المشهد التراجيدي في مسيرة حياة هذه المنشأة العاثرة الحظ.
في نهاية الحديث عن هذا المعلم، فأنه وبحسب رأيي الشخصي، يجب أن يرمّم ويؤهل وبأقصى سرعة ليتحول إلى متحف «أوسكار نيماير وتاريخ المعرض»،
Museo Oscar Niemeyer
& Tripoli Fair History
حيث يمكن أن تعرض فيه سيرة حياة نيماير وإنجازاته حول العالم لتأكيد أهمية دوره وتوقيعه في تصميم منشآت معرض طرابلس وما لذلك من اهمية ثقافية ومعمارية وتراثية، بالإضافة إلى صور قديمة ومخططات أصلية ورسومات يدوية بيد نيماير نفسه عن التصاميم الأولية لمنشآت المعرض وعرض المستندات الداعمة التي توثق تاريخ المعرض ومنشآته ومراحل بنائها وما تعرضت له خلال سنوات الحرب.
ومشروع كهذا لن يتطلب الكثير من التكاليف بسبب صغر المساحة (مئتا متر مربع)، وسهولة تحضير المعروضات، خاصة بعد إتمام مشروع التوأمة مع مدينة برازيليا المرتقب قريباً جداً، فيتحول بذلك هذا المبنى الساحر إلى نقطة جذب سياحي، ونقطة إنطلاق كتجربة نموذجية، لإعادة هذا المرفق إلى المستوى الذي يليق به وبأهل مدينة طرابلس واللبنانيين بشكل عام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.