طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس(12)

الصورة في الأعلى: مبنى الإدارة في صورة حديثة من الناحية الشرقية – تصوير الكاتب…. الصورة في الأسفل: جانب من الواجهتين الغربية والجنوبية – تصوير الكاتب
صدرت مجموعة المراسيم المتعلقة بإنشاء معرض لبنان الدائم في طرابلس، وأولها المرسوم رقم 4027 في شهر أيار من العام 1960، أي منذ ستة وخمسين سنة بالتمام والكمال، ولقد أجاز هذا المرسوم وفي المادة الخامسة منه تحديداً، إنشاء شركة ذات إقتصاد مختلط، لعرض المنتجات بهدف تعريف الجمهور بثروات لبنان والبلاد العربية، كما نصت المادة السادسة منه على إستفادة المنتجات الأجنبية التي يرغب عرضها من نظام الإدخال المؤقت المنصوص عنه في المادة 232 من قانون الجمارك.
وفي 25 شباط من العام 1961، اي بعد حوالي التسعة أشهر من صدور المرسوم الأول، صدر المرسوم رقم 6247، الذي نص على إنشاء مؤسسة تدعى «مصلحة المعرض الدولي الدائم في طرابلس» غايتها إدارة وإستثمار المعرض، وتتمتع بالشخصية المدنية وبالإستقلال الإداري والمالي وتلحق بوزارة الإقتصاد، ويتألف مجلس إدارتها من رئيس وستة أعضاء يعينون من قبل مجلس الوزراء وتقسم نفقاتها إلى إنشائية وإدارية، ويتألف ملاكها من موظفين دائمين وأجراء وخبراء متقاعدين.
وفي تاريخ 25/9/1980 صدر القانون رقم 30/80 والذي ينص على تعديل التسمية لتصبح «معرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس» (قبل أن تُعدَّل لاحقاً سنة 1991 لتصبح «معرض رشيد كرامي الدولي»)، وعلى أن الغاية من المعرض التعريف بثروات لبنان والبلاد العربية والأجنبية وإطلاع التجار والصناعيين على التقدم الحاصل، في مختلف فروع الإنتاج، وله أهداف هي عرض صورة واقع لبنان الإقتصادي وخدمة التجارة وتنمية العلاقات بين لبنان والبلاد الأخرى، وإظهار ميزات لبنان الحضارية والثقافية والفنية والسياحية وعقد المؤتمرات واستضافة المنظمات العالمية… وإفساح المجال أمام المنتجين والمصدرين والمستوردين اللبنانيين والعرب والأجانب للإتصال المباشر وإنشاء علاقات تجارية فيما بينهم.
كما نص هذا القانون أيضاً على إخضاع المعرض للمرسوم 4517/72 أي النظام العام للمؤسسات العامة، ولوصاية وزير الإقتصاد والتجارة بواسطة مفوض الحكومة الذي يعينه.
كان لا بدّ من تلك المقدمة في سرد مراسيم إنشاء المعرض، لإبراز هيكلية إدارة المعرض وطبيعة المهام الموكلة إليها، وفق الفكرة الأساسية من إنشاء هذا المرفق، وطبيعة النشاطات والأعمال التي تقع على عاتق هذا الجهاز الإداري وهي بطبيعة الحال تستوجب توظيف كادر إداري من المتخصصين في مجالات عديدة، كالإدارة والمحاسبة والعلاقات العامة والقانون والصيانة والتشغيل والنقل والجمارك والإستيراد وما إلى ذلك من مهام مرتبطة بتنظيم المعارض والحفلات والمؤتمرات وورش العمل والفعاليات الثقافية والفنية والسياحية، فكان من المنطقي أن يلحظ التصميم المعماري العام منظومة خاصة لإيواء مكاتب الإدارة وتوابعها، فكان قرار المعمار أوسكار نيماير، أن الموقع المثالي لهذه المنظومة هو خلف جناح المعرض الدولي المسمى بالغطاء الكبير، من الناحية الغربية، على قاعدة وجود الأقسام الخدماتية خلف المساحات العامة المخصصة للزوار وبعيدا عن حركتهم
.(Back of House)
والجدير ذكره في هذا السياق، أن مكاتب إدارة المعرض، ومنذ أن تأسست وتم توظيف كوادرها مطلع ستينات القرن العشرين، وقبل أن تُصمم وتُنفذ منشآت المعرض، كان مقرّها المؤقت قد تنقل عدة مرات من شقة في شارع عزمي قرب المبنى السابق لشركة كهرباء قاديشا الذي تمت إزالته في ثمانينات القرن الماضي، ثم إلى بناية البنك العربي في شارع المصارف، وبعدها إلى داخل منشآت المعرض، ولكنها لم تشغل أبداً المبنى المخصص لها حسب دراسة نيماير، والمبنى الذي تشغله حاليا ومنذ مطلع التسعينات وحتى يومنا هذا، والواقع عند المدخل الرئيسي، هو أيضاً إجراء مؤقت، كونه صغير المساحة نسبياً في حال تم تشغيل كل منشآت المعرض بحسب المخطط الذي كان موضوعاً له عند القرار بإنشائه، وكونه أيضا كان مخصصاً لإستقبال الزوار وتوجيههم، ولخدمات رجال الأعمال.

منظومة المباني الإدارية في المعرض

تقع منظومة المباني الإدارية في المعرض عند نهاية الطرف الغربي للغطاء الكبير Grande Couverture، المخصص للأجنحة الدولية في المعرض ، ومن الناحية الخلفية، بحيث يتمّ الوصول إليها من داخل واحة منشآت المعرض عبر الممر الغربي العابر للغطاء الكبير والذي تعلوه الفتحة السماوية على شكل السمكة، أمّا المدخل الرئيسي لهذه المنظومة فهو يقع من الناحية الجنوبية الغربية من سور المعرض الخارجي، حيث توجد بوابتان خاصتان بالدخول إلى هذه المنظومة واحدة للموظفين والضيوف وأُخرى للخدمة وللآليات الكبيرة والشاحنات.
كما تمّ لحظ مرآب خاص للسيارات بقدرة إستيعابية لحوالي 150 سيارة مع باحة لوقوف الشاحنات تسمح بالتفريغ والحركة.
إن المساحة الكاملة لمنظومة الإدارة والجمارك هي حوالي 000،81م 2 وتحوي مبنيين رئيسيين، مبنى الإدارة الرئيسية ومبنى الجمارك، المعلم رقم 13، والدفاع المدني، المعلم رقم 14، بمساحة بناء كاملة تناهز السبعة آلاف وثلاثماية متر مربع.

المعلم رقم 13: مبنى الإدارة الرئيسية:

Administration
إن شغف المعمار الراحل أوسكار نيماير بتصميم المباني ذات الترتيب الطوليLinear Arrangement ، والتي تتميز بالواجهات المفتوحة تماماً من الجهتين الطوليتين والمقفلة تماماً من الجهتين العرضِيتين (كمبنى السكن الجماعي ومبنى الجمارك والدفاع المدني داخل المعرض، بالإضافة إلى العديد من المباني في البرازيل وحول العالم المذيَّلة بتوقيع الراحل نيماير)، تتجلى هذه النمطية بأبهى صورها في هذا البناء الرشيق والأنيق والذي يستند على قاعدة مستطيلة الشكل بطول 188 متراً وعرض 15 متراً وعلى طابقين، أرضي يتم الصعود إليه بواسطة الأدراج من الناحيتين الشرقية والغربية ( 12 درجة ) وطابق شبه سفلي أول (وسطي)، حيث أنه مزود بالنوافذ على طول الواجهات الشرقية والغربية، الأمر الذي زوده بالإنارة الطبيعية بشكل فعال جداً، بواسطة هذه النوافذ الموجودة في أعلى الجدار وبارتفاع حوالي المتر عن الأرض، بالإضافة إلى طابقٍ سفليٍّ ثانٍ على مساحة جزئية صغيرة نسبياً، مخصص للمعدات التقنية من تدفئة وتبريد وميكانيك ليتم الوصول إليه بواسطة درج خاص موجود عند الطرف الشمالي. مساحة البناء الإجمالية هي حوالي خمسة آلاف وستمائة وخمسة وعشرين متراً مربعاً، ( 2820 م2 لكل من الطابق الارضي والسفلي أول و375 متراً مربعاً للطابق السفلي ثاني).
خُصِّص الطابقان الأرضي والسفلي أول للمكاتب وغرف الإجتماعات وغرف الإستقبال ومطعم الموظفين وكافة الخدمات ذات الصلة، كما تمّ لحظ قسم الحمامات والمطبخ والبوفيه، الخاص بالمكاتب والموظفين، في أطراف الطابق السفلي ثاني مع تأمين مدخل مستقل يؤدي مباشرة إلى هذا الطابق بهدف تأمين الخدمة بشكل منفصل.
وككل منشآت المعرض بُني هذا المعلم من الخرسانة المسلحة، وتميزت الواجهات الشرقية والغربية بإضافة كواسر الشمس العمودية breakers Vertical Sun للتخفيف من حدة أشعة الشمس عند الشروق وعند الغروب، ولتفادي تأثير الوهج على مكاتب العاملين، بالإضافة إلى منح شيء من الخصوصية لهم.
يتألف الطابق الأرضي من مساحة مفتوحة مع سلسلة من القواطع تقسم المساحة الوسطية إلى ثلاثة عشر قسماًModules ، تفصلها بشكل جزئي هذه القواطع المؤلفة من جدران حاملة من الخرسانة المسلحة والمغطاة بغلاف من حجر القرميد الأحمر، وتتصل هذه الأقسام، بعضها ببعض، بواسطة ممرين طوليين على إمتداد الواجهتين الشرقية والغربية أي بطول 188 متراً وعرض مترين ونصف لكل ممرّ.
وتؤدي هذه الممرات إلى أقسام المكاتب بشكل مباشر دون وجود أي جدران أو أبواب وذلك على نسق المكاتب العصرية الحديثة الرائجة حتى يومنا هذا والمتميزة بالفضاء المفتوح Open space مع إمكانية إضافة قواطع خفيفة لاحقاً وحسب الحاجة.
أما من الجهة الأخرى لكل ممر فتمتد الواجهات الزجاجية المثبتة على إطارات من الألمنيوم، مع كواسر الشمس العمودية الرشيقة والمنفذة بالخرسانة المسلحة بطريقة متقنة، ما يوحي بعظمة المساحة وشفافية المبنى من الداخل إلى الخارج، و تأمين الجو الساحر والمريح للعاملين فيه، حيث تظهر من خلال هذه الواجهات الشفافة كل منشآت المعرض والحدائق والممرات الخلفية، بطريقة تضفي الراحة النفسية والإحساس بالتفاعل مع المحيط، فيشعر العاملون أنهم يمارسون عملهم في صلب المرفق من خلال المشاهدة الدائمة للمنشآت الأخرى ولو من مسافة بعيدة.
ولهذا الطابق مدخلان، غربي رئيسي وشرقي ثانوي بشكل متقابل (12 درجة لكل منهما)، كما يتصل بالطابق السفلي أول بواسطة 3 أدراج، واحد رئيسي مصمم ومنفذ بطريقة فنية ودرج آخر للموظفين بهدف تسهيل الحركة وهو ملاصق للجدار الخارجي عند الواجهة الشمالية.
من الناحية الوظيفية تم تقسيم الطابق الأرضي لثلاثة قطاعات رئيسية، الأول من الطرف الجنوبي للمبنى، مخصص لخدمة وإيواء مكاتب الموظفين التابعين لغرفة التجارة والصناعة والزراعة، والثاني في الوسط مخصص لموظفي المعرض والجهاز الإداري التابع له، أما القسم الثالث من الناحية الشمالية للمبنى، فكان المطعم الرئيسي للموظفين والعاملين في المعرض وضيوفهم مع إمكانية الإتصال مع مساحة خارجية محاذية كمطعم صيفي في الهواء الطلق، وتتم خدمة هذا المطعم من المطبخ الرئيسي الموجود في الطابق السفلي أول وتحت هذا القسم مباشرة وعلى اتصال به بواسطة درجين.
ويمتد الطابق السفلي أول على كامل مساحة البناء ايضاً وبشكل مطابق للطابق الأرضي الذي يعلوه (2820م2 ) وخصصت معظم مساحته (حوالي 80٪ 2250م2) لقاعات متعددة الإستخدام وغرف إستراحة للموظفين مع لحظ دورات المياه لهم (4 رجال + 4 نساء).
أما باقي المساحة من هذا الطابق أي حوالي الخمسمائة متر مربع، وتحديداً عند الناحية الشمالية، فقد احتوت على مطبخ كبير مع كامل التجهيزات وغرف التبريد وغرف مشالح العاملين وحماماتهم (4 رجال + 4 نساء) كما لحظ له نظام كامل من التهوئة والتدفئة والتبريد.
يتم الوصول إلى هذا الطابق بواسطة درج خارجي من الناحية الغربية ومتصل بمنطقة مواقف السيارات عند المدخل الرئيسي، هذا بالإضافة إلى الأدراج الثلاثة التي تتصل مع الطابق الأرضي المذكورة أعلاه.
ويتميز هذا الطابق بالإنارة الطبيعية الفعالة والعالية الكفاءة برغم من كونه طابقاً شبه سفلي,Entre Terre حيث تزوده الفتحات الممتدة عند أعلى جدرانه الشرقية والغربية وعلى طول الواجهتين (حوالي ثلاثمائة وستة وسبعين مترا طولياً من النوافذ الزجاجية
تم تكسية أرضيات المساحات المخصصة للمكاتب في الطابقين الأرضي والسفلي برخام الكارارا الأبيض بشكل ترابيع قياس 40 سم، أما الحمامات والمطابخ وغرف العمال فكانت أرضياتها وجدرانها من السيراميك الأبيض، بإستثناء أرضية المطبخ الرئيسي الكبير فكانت من السيراميك الباج على شكل مربعات قياس 10سم.
يتصل الطابق السفلي أول بالطابق السفلي ثاني بواسطة درج ملاصق للواجهة الشمالية، إنما من خارج المبنى، حيث إحتوى هذا الطابق على مساحة مفتوحة معدة لإستيعاب تجهيزات التدفئة والتبريد وتسخين المياه ونظام مكافحة الحريق وذلك على مساحة حوالي 375 متراً مربعاً.
إن هذا المعلم المغمور وغير المعروف نسبياً، والقابع خلف منشآت المعرض المعروفة والمشاهدة من زواره، وهو المبنى الذي يصعب الوصول إليه والتجول فيه بسبب تراكم النباتات البرية والردم وتواجد الحشرات والأفاعي بكثرة، هو يعتبر من أهم مباني المعرض من ناحية الكفاءة الوظيفية والعملانية وهو كان من المباني التي اكتمل بناؤها وتجهيزها بالكامل، حتى أن معدات المطبخ الرئيسي وأجهزة التبريد والتدفئة والإنارة والكهرباء والزجاج والأبواب، كلها كانت في مطلع سبعينات القرن الماضي بإنتظار شارة الإنطلاق نحو العمل كخلية النحل، بهدف مواكبة تنظيم المعارض الدولية والمؤتمرات والنشاطات السياحية والثقافية على مدار السنة.
لكن الحرب الأهلية وما جلبته من إحتلالات عسكرية ونهب وتخريب لمنشآت المعرض، حولت هذا المبنى الأنيق إلى هيكل من الخرسانة المتآكلة، حتى أن معظم أجزائه من البلاط والزجاج والألمنيوم والأبواب والحمامات وكل المعدات تم نهبها وسرقتها وتخريب ما تبقى منها، وتكفلت عوامل المناخ وغياب الصيانة والإهمال بتحويل هيكله الخرساني إلى هيكل منخور ومتآكل تسكنه الطيور والأفاعي والحشرات، ولا تزال الكتابات على الجدران الداخلية فيه، توثق تاريخ مرور العسكر والجيوش والميليشيات وتسطر ذكريات حنينهم إلى وطنهم وشوقهم إلى الأحبة والأهل في وطنهم الأم.
إن هذا المعلم بواقعه الحالي مهدد بالإنهيار، رغم أنه يشكل نموذجاً فريداً من نمطية المباني الرسمية المعروفة في مدرسة الحداثة في أوساط القرن العشرين، وهو قد تم ترشيحه لعدة إستخدامات، آخرها كان يهدف لإحتضان مكاتب إدارة المنطقة الإقتصادية الخاصة قرب مرفأ طرابلس.
إلا أنه ولأسباب ترتبط بالأكلاف الكبيرة للتأهيل والترميم والتجهيز، تم صرف النظر عن هذه الإحتمالية، الأمر الذي حرم هذا المعلم من فرصة نجاة ربما كانت لتكون الأخيرة، قبل أن نصحو ذات يوم ونراه لا سمح الله ركاماً وأثراً بعد عين.
Loading...