طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس (13)

الصورة في الأعلى: مخطط الواجهة الشرقية المزججة حسب تصميم نيماير وعلى يسارها خيمة إيواء سيارات الإطفاء التابعة للدفاع المدني…. الصورة في الأسفل: الواجهة الغربية ويبدو قسم المستودعات وقسم الدفاع المدني مع الغطاء الخرساني لإيواء سيارات الإطفاء…. الواجهة الجنوبية وتحوي غطاء إيواء سيارات الإطفاء الخاصة بقسم الدفاع المدني
يستوجب تنظيم المعارض الدولية للمنتجات والسلع، ومنذ أن نشأت فكرتها في القرن التاسع عشر في أوروبا والعالم، أن يتم إحضار مواد العرض إلى البلد المنظم للمعارض عن طريق الإدخال المؤقت، والحصول على كافة الإعفاءات والتسهيلات الجمركية والضريبية، بهدف تشجيع الشركات المنتجة التي تسعى إلى ترويج منتوجها بأن تتمكن من تحقيق ذلك بأقل التكاليف الممكنة.
وبهدف تأمين هذه الخدمات ومتابعة المسار القانوني والإداري لها داخل معرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس ( معرض رشيد كرامي حالياً )، تم لحظ مكاتب قطاع الجمارك بهدف إيواء الجهاز الإداري والمالي، مع لحظ مساحات مخصصة للمستودعات اللازمة لها، ضمن منظومة المباني الإدارية في المعرض.

مبنى الجمارك والمستودعات ومقر الدفاع المدني. المعلم رقم 14:

يقع هذا المعلم في الطرف الشرقي لهذه المنظومة وعلى بعد حوالي السبعة عشر متراً ونصف المتر من مبنى الإدارة الرئيسي، وجاء التصميم المعماري بنفس نمطية مبنى الإدارة، أي ضمن ترتيب طولي وعلى قاعدة مستطيلة بطول ستين مترا وعرض خمسة وعشرين متراً، وعلى طابق أرضي واحد.
المساحة الإجمالية لهذا المبنى هي ألف وخمسمئة متر مربع بالإضافة إلى غطاء على شكل «قطع مكافىء»Parabolic مخصص لإيواء سيارة الإطفاء الخاصة بقسم الدفاع المدني المدمج ضمن مبنى الجمارك بمساحة 128 متراً مربعاً.
قام المعمار نيماير بتقسيم هذا المبنى إلى ثلاثة أقسام رئيسية، وضمن هذا المستطيل، الذي كانت واجهاته الطولية مفتوحة بالكامل حيث كانت الواجهة الشرقية مغطاة بالكامل بالزجاج والألمنيوم، ومن ضمنها المدخل الرئيسي إلى مكاتب الجمارك عند الطرف الجنوبي، أما الواجهة الطولية الغربية فكانت مغطاة بالكامل بشبك الكلوسترا الخرساني على شكل جدار إسمنتي مفرغ وعلى شكل مربعات مفتوحة إلى الخارج، أما الواجهتان الشمالية والجنوبية فكانتا مقفلتين بالكامل ومن الخرسانة المسلحة Fair Face Concrete على غرار مبنى الإدارة الرئيسية تماماً:
1. القسم الأول من الناحية الشرقية لهذا المبنى المستطيل بمساحة حوالي 520 م2، مخصص لمكاتب إدارة الجمارك ولخدمة الشركات العارضة والزبائن الذين يتعاطون معها بهدف التخليص وإجراء المعاملات اللازمة لخدمات الإستيراد والتصدير، وله مدخل من الجهة الشرقية ضمن الواجهة الزجاجية المكسوة بكواسر الشمس العمودية من الخرسانة وذات السطح الأملس، وكانت الأرضيات مكسوة بالرخام الكارارا الأبيض بشكل مربعات قياس 40 سم، على شاكلة أرضيات المكاتب في مبنى الإدارة الرئيسية، وقد تم لحظ قسم حمامات للموظفين عند الطرف الجنوبي لهذا القسم بمساحة 60 م2.
2. القسم الثاني المحاذي للقسم الأول من الناحية الغربية كان لوظيفة المستودع التابع لإدارة الجمارك، وهو عبارة عن مساحة مفتوحة تغطي حوالي 672 م2 وتتوسطها غرفة للميكانيك وأجهزة التبريد بمساحة 55 م2، وكانت الواجهة الغربية لهذا القسم مغطاة بالكامل بحجر الكلوسترا الإسمنتي المفرغ على شكل مربعات تؤمن دخول الضوء الطبيعي وكانت معدة للتخزين المؤقت، وأما الأرضيات في هذا القسم فكانت من بلاط الموزاييك الأبيض.
3. القسم الثالث والأخير كان مخصصاً لمركز الدفاع المدني وجهاز إطفاء الحرائق والإنقاذ عند حصول حوادث الحريق والكوارث، فجاء هذا القسم ملصقاً بالقسم الثاني المخصص للمستودعات وشغل مساحة 143 متراً مربعاً، واحتوى على صالة معيشة لعناصر الدفاع المدني المقيمين على مدار الساعة، وقسم منامة تابع لهم، وغرف مشالح وحمامات ومتصل مباشرة بالقسم الخارجي من الجهة الجنوبية حيث يوجد غطاء سيارات الإطفاء ذو الشكل الهندسي المتميز Parabolic والمنفذ بالخرسانة المسلحة، والذي يحاكي تصاميم سابقة لنيماير منفذة في البرازيل وأكثرها إيحاء هي كنيسة بامبولا Pampulha عند بحيرة «بيلو أوريزونتو» والتي نفذت في أربعينات القرن الماضي قبل تصميم المعرض على يد نيماير بحوالي العشرين سنة.
وتماماً كحالة مبنى الإدارة الرئيسية، فإن هذا المبنى أيضاً كان من ضمن المنشآت التي إكتمل بناؤها وتجهيزها، وكانت جاهزة للإستخدام المباشر في مطلع السبعينات، لكن طبعاً كل شيء توقف مع نشوب الحرب الأهلية، ووقع هذا المبنى أيضاً ضحية للإحتلال العسكري والنهب والتخريب، حيث نزع كل بلاط الارضيات والزجاج والألمنيوم وتجهيزات الحمامات والأبواب والإنارة وكل ما يمكن تفكيكه، حيث قامت وحدات الجيش السوري بنهبه تباعاً، كلما غادر فوج حمل معه ما أمكن، وهكذا حتى تحول هذا المبنى وكل منشآت المعرض إلى هياكل عارية متروكة ومهملة، ليتكفل مرور الزمن وعوامل المناخ بالقضاء عليها كالموت البطيء.
والجدير ذكره في هذا السياق، إن منشآت منظومة المباني الإدارية (مبنى الإدارة والمطعم ومبنى الجمارك والدفاع المدني والمستودعات)، هي الأكثر تضرراً من بين كل منشآت المعرض، كونها الأقرب إلى البحر والهواء المشبع بالرطوبة والأملاح، وكونها ايضاً قد تعرضت للكثير من التخريب والنهب والتعديات إبان الإحتلال العسكري لها لأكثر من ربع قرن من الزمن.
وبعد معاينة هذه المباني مؤخراً، وتحديداً في مطلع العام 2016، تبين أن حالة الخرسانة المسلحة قد بلغت حداً متقدماً جداً من التدهور، حيث بات من الصعب جداً تأهيلها وترميمها، بسبب ظاهرة إزدياد نسبة الكربون في الباطون َ Carbonati وتلف حديد التسليح بفعل الأكسدةOxydation وبلوغ مرحلة الصدأ درجة الإهتراء والتلف، وهنا الخوف أنه ربما قد تتطلب المداخلة في التأهيل إلى ضرورة الهدم وإعادة البناء، هذا إذا لم تنهَر هذه المباني من تلقاء نفسها خلال مدة زمنية قد لا تكون بعيدة، وبذلك تكون طرابلس قد أضافت إلى رصيدها في الخسائر والفرص الإنمائية الضائعة، تحفاً معمارية نادرة ذات قدرات وكفاءة عالية، وهي لو كانت في أي مكان آخر غير طرابلس اليتيمة، لكانت في ذروة الإزدهار والنفعية للمدن التي تحتضنها، ونرى ذلك الحال واقعاً، في كل المباني والمنشآت التي صممها أوسكار نيماير حول العالم.
كل ذلك في ظل صمت كل المسؤولين عن هذه المدينة، وكأن هذا المرفق بالنسبة لهم ليس أكثر من أضغاث أحلام، تجلّت خلال الذروة الشهابية في خمسينات القرن العشرين، والتي باتت بنظرهم خارج الإطار الزمني وأصبحت غير صالحة لأي مشروع أو إستثمار قابل للتحقيق، وعليها أن تبقى معلقة بين الحياة والموت المحتم، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.
Loading...