طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسطورة نيماير في طرابلس (14) – تابع

الصورة في الأعلى: مركز الضيافة لإيواء كبار الزوار والشخصيات وتظهر الرشاقة في نظام تحميل السقف على جسور خرسانية ناتئة كما يظهر المدخل الرئيسي المؤدي إلى بهو الاستقبال والمطعم……………… الصورة في الأسفل: صورة لجسور التحميل في مركز الضيافة وما توحي به من رومانسية ورشاقة ساحرة مذيلة بتوقيع شاعر العمارة الراحل أوسكار نيماير
إن فكرة تنظيم المعارض الدولية الدائمة التي كانت رائجة جداً في منتصف القرن العشرين، كانت تستوجب تأمين الكثير من الخدمات والبنى التحتية داخل البلد المضيف، وذلك على مستوى خدمة الزوار والضيوف وإيوائهم، وعلى مستوى الموظفين العاملين لدى أجنحة الدول العارضة.
وبهدف تأمين جزء من هذه المتطلبات، لحظ المعمار البرازيلي أوسكار نيماير خلال وضعه التصاميم المعمارية «لمعرض لبنان الدولي الدائم في طرابلس»، أن يكون من ضمن المنشآت والمباني، مبنى مخصص لإيواء كبار الضيوف والموظفين العاملين في أجنحة العرض الدولية الموجودة تحت الغطاء الكبير، فكان ذلك محققاً في المعلم المسمى «مركز الضيافة»، الواقع عند الطرف الشرقي للغطاء الكبير وقرب المدخل الرئيسي للمعرض.

المعلم رقم 12-مركز الضيافة

Centre d’Acceuilعلى الرغم من أن منظومة السكن التي أراد لها المعمار نيماير أن تكون عند الطرف الغربي للغطاء الكبير المخصص لأجنحة المعارض الدولية (La Grande Couverture)، والتي كانت تضم مبنى السكن الجماعي الخاص بكبار موظفي إدارة المعرض، والبيت النموذجي المخصص لإقامة مدير عام المعرض بالإضافة إلى مبنى متحف السكن، فإنه ولأسباب خاصة، منها تأمين سرعة الوصول والربط مع المدخل الرئيسي للمعرض وسهولة التواصل مع أجنحة العرض التي كان مدخلها الرئيسي عند الطرف الشرقي للغطاء الكبير، أراد نيماير لمركز الضيافة، المخصص لإقامة كبار الضيوف وبعض الأجانب المسؤولين عن تنظيم المعارض وإدارة الأجنحة الدولية، أن يكون عند الطرف الشرقي للغطاء الكبير وعلى بعد سبعين متراً فقط من مدخله وهو ايضاً على مسافة مئة متر تقريباً من مبنى الإستقبال الرئيسي (المقر الحالي لإدارة المعرض).
وقد تم لحظ مدخل خاص للسيارات لخدمة هذا المبنى من خارج حرم المعرض ومن الجهة الشرقية تحديداً، وهو حالياً يستخدم لدخول وخروج العاملين في مبنى الأمم المتحدة المخصص لخدمة النازحين والذي تم تشييده مؤخراً في الأرض المقابلة لمركز الضيافة ومن الجهة الجنوبية له.
تم تصميم هذا المعلم على قاعدة مستطيلة بطول 62 متراً وعرض 47 متراً، وبمساحة بناء إجمالية تناهز الستة آلاف وستماية متر مربع، مقسمة على طابق أرضي رئيسي مساحته ألفان وتسعمائة وخمسون متراً مربعاً، وطابق سفلي مساحته ستمائة وأربعون متراً مربعاً.
على الرغم من أن التصميم الأساسي لنيماير كان يختلف عن المبنى المنفذ حالياً، حيث كان من المفروض أن يكون على طابقين كاملين، أرضي ووسطي ( نصف سفلي)، وعلى كامل المساحة، أي بحوالي ستة آلاف متر مربع بناء، لكن خلال تطوير التصميم المعماري، طرأت تغييرات كثيرة على التصميم بناءً على إقتراحات إدارة المعرض آنذاك والمهندسين العاملين في المكاتب الإستشارية التي تم تكليفها إعداد المخططات التنفيذية ومستندات التلزيم والإشراف على التنفيذ، وأهمها شركتا دار الهندسة/ نزيه طالب، والمهندسون الإستشاريون المتحدون .ACE
يحتوي البناء الحالي في طابقه الأرضي على صالة بهو كبيرة بمساحة حوالي ألف وخمسمائة متر مربع، مخصصة لعدة وظائف وأهمها قسم الإستقبال بمساحة سبعمائة وستين متراً مربعاً، ويطل على الفناء الوسطي المفتوح إلى السماء بمساحة مئتين وثلاثين متراً مربعاً، والمخصص كحديقة داخلية على نسق نمطية العمارة العربية المنغلقة على داخلها (Introvertis) حيث الحوش الداخلي، وهذه الفكرة كانت تميز كل أقسام هذا المبنى الخالي تماماً من النوافذ والفتحات الخارجية.
من الناحية الشرقية، جاءت غرف وأجنحة المنامة وعلى خط مستقيم يجمع بينها ممر بعرض مترين وطول ستة وستين متراً، يؤدي إلى 13 غرفة متساوية في المساحة وتحوي كل منها حماماً خاصاً، بالإضافة إلى جناح خاص بمساحة أكبر نسبياً وله حمامه الخاص أيضاً، بما مجموعه 14 غرفة إقامة، وكل غرفتين متصلتين بباب مشترك Door Inter Connecting بهدف خدمة متطلبات إقامة العائلات.
تميزت هذه الغرف بغياب الفتحات والنوافذ الخارجية بهدف تأمين الخصوصية، كونها في طابق أرضي وضمن مرفق عام، مليء بالزوار والمشاة، وذلك على غرار قسم المنامة في السكن النموذجي، فكانت التهوئة والإنارة الطبيعية لها محققة من خلال فناء خارجي مفتوح إلى الهواء الطلق من الأعلى ومغطى فقط بجسور من الخرسانة المسلحة على شكل برغولا Pergola، وقام نيماير بلحظ تراس خاص لكل غرفة مع ارضية من الخرسانة الناعمة على شكل مربعات قياس 50 سم، وبعد التراس حديقة خاصة لكل غرفة أيضاً، أما الجدار المواجه للأبواب الزجاجية الممتدة على كامل عرض كل الغرف حيث جهة شروق الشمس، فكان مكسواً بالحجر الكلسي الطبيعي وبشكل عشوائي Incertum Random، الأمر الذي أضفى مع الخصوصية، جواً ساحراً من الطبيعية والحميمية الدافئة في آن معاً.
أرضيات الغرف الداخلية والحمامات الملحقة بها هي من بلاط الموزاييك الأبيض على شكل مربعات قياس 30 سم، أما جدران الحمامات فكانت مغطاة ببلاط السيراميك الأبيض على شكل مربعات قياس 20 سم، وكان لكل حمام فتحة تهوئة خاصة في السقف.
أما من الناحية الغربية للمبنى فجاءت أقسام الحمامات العامة التابعة لخدمة بهو الإستقبال والمطعم، وعددها ثمانية حمامات، 4 رجال + 4 نساء، يتم تهوئتها بشكل طبيعي من خلال فناء داخلي مفتوح على الهواء الطلق بمساحة مئتين وسبعة وعشرين متراً مربعاً.
ويتصل بهذا القسم من الناحية الجنوبية، أقسام الخدمة كالغسيل وتنظيف الملابس والمطبخ الرئيسي بمساحة إجمالية تناهز الأربعمائة وخمسين متراً مربعاً من ضمنها فناء خارجي مفتوح إلى السماء بهدف التهوئة والإنارة الطبيعية، وهو مخصص لتأمين مدخل الخدمة للموظفين والعاملين في قسم الخدمة، وذلك من خلال باب خارجي موجود في طرف الواجهة الجنوبية يتم الوصول إليه من المدخل الخاص والساحة الجنوبية التي صممت خصيصاً لخدمة هذا المبنى.
والجدير ذكره أن الواجهة الجنوبية احتوت مدخلاً ثانياً يؤدي مباشرة إلى الممر الرئيسي الذي يجمع غرف الإقامة للزائرين والضيوف، وهو مخصص للصيانة والخدمة ايضاً.
إحتوى الطابق السفلي على غرف خدمات ميكانيك وتجهيزات وحمامات للعاملين والموظفين وقسم غسيل الملابس والبطانيات الخاصة بغرف الإقامة.
والجدير ذكره أن هذا المبنى يتصل على مستوى الطابق السفلي بملجأ خاص لحالات الحروب والكوارث، مجهز للإقامة وله حمامات ومدخلان ومصمم بطريقة إنشائية تجعله مقاوماً لكل أنواع الأسلحة التي كانت مستخدمة في تلك الحقبة، كيف لا وقد شهد النصف الأول من القرن العشرين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحرب فلسطين المجاورة للبنان، فكان من متطلبات البناء في تلك الفترة ضرورة لحظ ملاجىء ضمن مواصفات محددة من قبل المديرية العامة للدفاع المدني وفق قوانين وشروط خاصة، ولقد احتوى المعرض على خمسة ملاجىء سفلية، كلها مدفونة تحت الأرض وغير مستخدمة نهائياً وتغمرها المياه الجوفية، وبعضها قد تم ردمه بالكامل خلال أعمال التأهيل والصيانة في تسعينيات القرن الماضي.
من الناحية الإنشائية، فإن هذا المبنى الذي يرتكز على قاعدة مستطيلة (شبه مربعة) بقياس 62 متراً بالطول و 47 متراً بالعرض، مغطاة بواسطة سقف من الخرسانة المسبقة الصب (Precast Roofing) مؤلفة من جسور طولية (عدد 60)، على شكل شفرات بمقطع قياسه (10 * 80 سم) ، مسبقة الصب ومثبتة بشكل متوازٍ بتباعد متر واحد في ما بينها، وتستند على جسور رئيسية بالإتجاه العرضي للمبنى، وتم تغطية المسافات المتبقية بين هذه الجسور الطولية، بواسطة بلاطات من الخرسانة المسلحة مسبقة الصب، مع طبقة عزل من مياه الأمطار في الجهة العلوية.
وتظهر هذه الجسور الطولية بوضوح من خارج المبنى، وكأنها الطابع المعماري الرئيسي له، وهي بارزة بنتوء كابولي (Cantilever) عند الواجهتين الشمالية والجنوبية بهدف حماية المداخل الرئيسية المخصصة للنزلاء والزوار من الناحية الشمالية وللخدمة من الناحية الجنوبية.
هذه الجسور تحاكي في تصميمها الجسور الخشبية في العمارة التراثية المحلية التي اشتهرت بتغطية المباني بواسطة جسور طولية من الخشب القطراني المستخرج من شجر الارز (الكرايش)، كذلك الأمر بالنسبة للفناء الداخلي (الحوش) المفتوح إلى السماء.
والجدير ذكره ايضاً في هذا السياق، أن أرضية البهو والمطعم كانت من بلاط الموزاييك، على شكل بلاطة واحدة مصبوبة على كامل المساحة، مع لحظ فواصل الألمنيوم مزروعة داخلها، بشكل طولي وبنفس ترتيب الجسور الخرسانية الطولية التي تعلوها في السقف والتي تظهر ناتئة من تحته، بهدف دمج البناء مع هذا الترتيب الهندسي على مستوى السقف والأرضيات في آن معاً.
على مستوى الغلاف الخارجي لمبنى مركز الضيافة، ومع أنه مخصص للشخصيات ولإقامة كبار الزوار، إلا أن واجهاته الخارجية جاءت بسيطة جداً، وانحصرت بأربع واجهات مقفلة تماماً في ما عدا أبواب الدخول والخروج، وجاءت مكسوة بالورقة الإسمنتية الخشنة المائلة إلى اللون الأسود، ربما بسبب إستخدام مزيج من الإسمنت الأسود مع كسر حجر بازالت بركاني، الأمر الذي يضفي شيئاً من الفخامة والتميز مع البساطة والسلاسة في التعبير المعماري.
وبقيت جسور السقف الطولية من الباطون الناعم مع إظهار علامات القدد الخشبية لقالب الصب دون أي طلاء أو طرش خارجي .(Brutalism)
وللعلم فإن هذا المبنى قد جرى تعديل تصميمه في مطلع الثمانينات عند تكليف شركة دار الهندسة/نزيه طالب، بإعداد دراسة تكميلية لمنشآت المعرض، لحظ خلالها إضافة مهبط ومطار للطائرات العامودية (هيليكوبتر) قرب هذا المبنى ومن الناحية الشرقية له، فتم إثر ذلك إقتراح تعديل للمدخل الرئيسي للزوار ليكون من الواجهة الجنوبية بدلاً من الواجهة الشمالية (المدخل الحالي)، إلا أن هذه الدراسة لم تجد حيز التنفيذ لغاية تاريخه.
وكمعظم منشآت معرض رشيد كرامي الدولي، فإن مركز الضيافة كان من ضمن المباني المكتملة البناء والتجهيز (ويقال حتى المفروشات) عند نهاية النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، إلا أنه وقع أيضاً في فخ الإحتلالات العسكرية وتحول إلى مقر للقيادة ومكاتب ضباط الجيش السوري لحوالي عشرين سنة تقريباً، حيث تم إشغال غرف الإقامة وكامل أقسام الطابق الأرضي للمهمات اللوجستية، فيما تحول الطابق السفلي إلى معتقل وسجن للموقوفين، بحسب شهادة بعض العناصر السابقة من الجيش السوري التي خدمت في المعرض، وكانوا من عديد النازحين إلى لبنان بعيد نشوب الحرب في سوريا سنة 2011.
وهناك عدة روايات تحدثت عن مشاهدة بعض البقايا البشرية تم العثور عليها ضمن هذا المبنى ولكن لم يتم التحقق من ذلك خاصة وأنه، وللأسف الشديد، فقد تعرض هذا المعلم للنهب والتخريب والحريق، وقد أزيلت كل التجهيزات من أبواب ونوافذ ومراحيض وإنارة وكل ما أمكن تفكيكه، أما الطابق السفلي التابع له، فهو حالياً شبه مغمور بالمياه الجوفية ومليء بالأنقاض والأوحال.
وترك هذا البناء كغيره من المعالم القابعة في هذه الواحة المعمارية السوريالية دون صيانة ودون إهتمام، ليتكفل عامل مرور الزمن وتأثيرات المناخ والشيخوخة لتقضي على ما تبقى منها، على الرغم من تصنيفها من قبل منظمة مراقبة المعالم التراثية حول العالم ( Fund World Monuments) سنة 2006، كواحدة من ضمن مئة معلم حول العالم مهددة بالزوال، وبرغم كونها بشهادة الآلاف من المعماريين حول العالم بأنها تصنف من ضمن الأيقونات المعمارية ذات الكفاءة العالية في التشغيل، إلا أن قدرها المحتم بفعل القرار السياسي المباشر أو غير المباشر، أن ترحل بخطى ثابته إلى عالم الزوال والنسيان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.