طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

14 شباط – 14 آذار: من الاستشهاد إلى الانتفاضة (1)

صحيح ان عشر سنوات قد مرّت على جريمة العصر التي أودت بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وعدد من المدنيين، وان الزمن، كما يقول البعض في معرض التخفيف من هول الجريمة، كفيل بـ «تبريد» الجريمة وحرف أنظار الناس عن الاهتمام بها ومتابعتها، لكن في الواقع ما زال الألم كبيراً, بسبب ظروف تلك الجريمة الشنعاء لجهة المخططين والمنفذين، بأدواتها وخطوات تنفيذها، بالتمهيد لها وبمراحلها لجهة التهديدات التي سبق ان تعرض لها الرئيس الشهيد على مدى سنوات سبقت يوم التفجير الغاشم.. فالصحيح ان الناس لم تتعب، بل زاد الاهتمام، يوماً بعد يوم، بما تتكشف عنه المحاكمات في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، كل ذلك بإنتظار كشف الحقيقة كاملة وتحقيق العدالة وإنزال العقوبة بالمخططين والمنفذين والمتورطين وبكل من كان له دور أو مشاركة بهذه الجريمة، أو تستر أو ساهم في إخفاء معلومات أو متهمين.
ففي ظهيرة ذلك اليوم، الاثنين في 14 شباط من العام 2005 سقط الرئيس رفيق الحريري شهيداً.. سقط رجل الدولة.. ورمز الاعتدال.. سقط شهيد الوطن والأمة بما يمثل من مواقف إنسانية ومن عمل من أجل وحدة اللبنانيين مسلمين ومسيحيين.. في ذلك اليوم سقط شهيداً بيد مجرمين منظمين مدعومين من النظام الأمني اللبناني السوري الذي حاول إحكام قبضته الحديدية على لبنان على امتداد سنوات الوصاية المشؤومة.
وصحيح ان سنوات عشر قد مرت على تلك الجريمة، وشهد هذا العقد من الزمن تحولات ومتغيرات، واندلعت حروب وانطوت عهود على امتداد الساحتين العربية والدولية وكان لها الأثر الفاعل في اندلاع «الانتفاضات» في الشارع العربي، لكن الصحيح أيضاً ان انتفاضة الاستقلال في 14 آذار في لبنان بعد شهر بالكمال والتمام على تفجير موكب الرئيس الحريري، كانت لها المساهمة بشكل أو بآخر في إعادة صياغة العقل العربي ولدى الفئات العمرية الشبابية بصورة خاصة، باتجاه إمتلاك الدور والقدرة في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية وإحداث التغيير الذي ما يزال يشوبه الكثير من العقبات…
(الرجاء مراجعة نسخة الـ PDF)
الزلزال
في 14 شباط 2005 غادر موكب الرئيس رفيق الحريري ساحة النجمة عند الساعة الواحدة إلاّ ربعاً بعد ان شارك قبل الظهر في أعمال الجلسة النيابية في مقر البرلمان، وسلك موكبه الطريق البحرية قاصداً قصره في محلة «قريطم» حيث سبق وتواعد مع عدد من السياسيين والنواب ودعاهم لتناول الغداء معه وللتداول في الشؤون والتطورات التي كانت تعصف بالبلد آنذاك.
وبوصول الموكب إلى قبالة فندق «السان جورج» عند شاطىء البحر في منطقة «عين المريسة»، دوى انفجار ضخم تردد صداه في مختلف مناطق وأحياء بيروت الكبرى، وتصاعدت من المكان سحابة من الدخان الأسود غطت سماء المنطقة.
واهتزت بيروت بفعل دوي الانفجار الهائل وسجل مرصد الزلازل هزة أرضية كان مقرها شاطىء البحر، كما أشار تقرير صادر بهذا الشأن، وانتشرت تردداتها في دائرة بلغ قطرها حوالي ثمانماية متر.
ذهول.. وازدحام
وساد الذهول في أوساط أبناء بيروت وسكانها الذين لم يتبينوا حقيقة ما جرى وما سبب هذا الانفجار الضخم وهرعوا إلى أجهزة الراديو وشاشات التلفزيون لمتابعة ما يحدث بعد ان توقفت الاتصالات الهاتفية والخليوية في معظم أحياء العاصمة والمناطق القريبة منها.
كما هرع السكان إلى المدارس لإخراج أولادهم وأطفالهم والعودة بهم إلى منازلهم وسط سماع صفارات وأبواق سيارات الإسعاف والإطفاء وكذلك المركبات الأمنية، وكل ذلك كان يزيد في ارتباك المواطنين، ما زاد أيضاً في زحمة السير في مختلف شوارع بيروت، في حين كانت وسائل الإعلام تبث معلومات أولية عن الانفجار، وفرغت الجامعات في بيروت من طلابها.
الجريمة وصور مروعة
وسط هذه الأجواء سارع التجار أيضاً في مناطق الحمراء القريبة من مكان الانفجار وفي فردان ومار الياس وفي الوسط التجاري وفي شارع المزرعة وعائشة بكار والظريف إلى إغلاق متاجرهم ومؤسساتهم، كل ذلك على وقع الزجاج الذي كان يتناثر من نوافذ وأبواب المساكن والأبنية السكنية وكذلك في مداخل المتاجر.
وشيئاً فشيئاً تكشف هول الجريمة وضحاياها فالانفجار استهدف موكب الرئيس رفيق الحريري، وباشرت أجهزة التلفزيون في نقل صور مروعة من المكان ولا سيما مشاهد الجثث المتفحمة في حين كانت سيارات الاطفاء تحاول جاهدة الوصول إلى مكان الانفجار واجتياز العوائق بفعل الحطام، في محاولة لإطفاء الحرائق التي اندلعت في سيارات الموكب.
السياح يهرعون إلى المطار
انه زلزلال حقيقي.. هكذا بدت المشاهد أمام الذين تمكنوا من الوصول إلى مقربة من مكان الانفجار، أو تابعوه بواسطة شاشات التلفزيون.
ففي المكان.. على مقربة من فندق «السان جورج» المغلق والمتوقف عن العمل منذ الأحداث اللبنانية في العام 1975 كان بعض السياح يهرعون من الفنادق القريبة حيث ينزلون ويهرعون بما خف حمله وبعضهم من دون أية حقائب يسألون عما حصل ولا يصدقون ما يرونه ويفتشون عن سيارات أجرة لنقلهم فوراً إلى المطار..
رائحة الحرب في كل مكان
كانت رائحة الحرب تنتشر في المكان والنيران تلتهم الحجر والبشر والحديد، فالشارع صار «فرناً».. والبعض يصيح بالمواطنين للابتعاد خوفاً من ان تكون هناك عبوات ومتفجرات أخرى.. وقساطل المياه تفجرّت وأعمدة الكهرباء وأسلاكها على الأرض وتجهيزات الفنادق المجاورة قذف بها الانفجار وشدته وتناثر الحطام في كل مكان.
ومع التمكن من الاقتراب من مكان الانفجار تمت مشاهدة حفرة عمقها حوالي ثلاثة أمتار وقطرها زهاء عشرة أمتار.
التعرف على الحريري من خاتمه
وقرابة الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر ذلك اليوم صدر عن مستشفى الجامعة الأميركية بيان أكد ان الرئيس الحريري وصل إليه وقد فارق الحياة مع نحو تسع ضحايا وعشرات الجرحى.
وتم التعرف على جثمان الرئيس الحريري من خاتم الزواج في يده اليسرى في حين كانت الأتربة والغبار ورماد الحرائق تغطي جسده بالكامل.
.. وفليحان إلى باريس
ونقل إلى المستشفى المذكور الوزير السابق باسل فليحان الذي كان إلى جانب الرئيس الحريري في سيارته ضمن الموكب، وكان فليحان مصاباً بحروق تغطي 90 بالمئة من جسده وجرى نقله إلى العاصمة الفرنسية واستمر عدة أسابيع يصارع الموت ثم أستشهد وأسلم الروح.
كما استشهد من جراء الانفجار ستة أشخاص من مرافقي الرئيس الحريري إضافة إلى ثمانية مدنيين كان آخرهم شخص من آل الغلاييني تم اكتشاف جثته صدفة بعد أسابيع من الانفجار والأتربة والغبار والحطام تغطي جسده وتحجبه عن الأنظار بالرغم من محاولات التفتيش والتنقيب التي قام بها أمنيون ومسعفون في الفترة التي أعقبت الانفجار إضافة إلى مئة جريح.

الساعات الأخيرة

صبيحة الاثنين في 14 شباط بكّر الرئيس رفيق الحريري في الاستيقاظ كعادته، وبعد ان أدى صلاة الصبح، باشر في تناول فطوره والاستماع من عدد من معاونيه ومستشاريه إلى تقارير سياسية وإعلامية حول موضوعات تتعلق بالتطورات المحلية، لا سيما لجهة الممارسات وحملات التهويل والتهديد التي يتعرض لها من «مفاتيح» ومراكز القوى التابعة للنظامين الأمنيين اللبناني والسوري، وآخرها كانت حملات التخوين والإساءة الشخصية ومنها ما تمت تسميته بـ «قضية الزيت».
خافوا من فريضة الزكاة
فمن المعروف ان الرئيس الحريري إعتاد سنوياً على شراء كميات من زيت الزيتون في إطار المساهمة بمساعدة المزارعين في المناطق الريفية على تصريف إنتاجهم، ومن ثم العمل على توزيع كميات الزيت هذه على العائلات الفقيرة والمعوزة تطبيقاً لفريضة الزكاة، وقد عهد إلى جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية في بيروت بالإشراف على عملية التوزيع هذه.
رشاوى إنتخابية؟!
وقد «تفتقت» عبقرية النظام الأمني المشترك آنذاك عن خطة للإساءة إلى الرئيس الحريري ومعاونيه بالإقدام على توقيف عدد من العاملين في الجمعية (4 أعضاء) وإتهامهم بتقديم رشاوى «إنتخابية» إلى المواطنين في خضم عملية الإستعدادات للانتخابات النيابية التي كان يتم التحضير لها في البلاد. غير ان المداخلات وإسراع الجهات الشعبية والأهلية إلى التحرك في مواجهة هذه المخططات «التهويلية» ومبادرة الرئيس الحريري صباح يوم السبت قبل يومين من عملية التفجير الإجرامية، بالحضور إلى مقر جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية مع عدد من نواب كتلته النيابية في بيروت ومنهم عاطف مجدلاني ومحمد قباني والوزير باسل فليحان وغيرهم لمنع أي اقتحام قد تقدم عليه السلطة السياسية والأمنية لمقر الجمعية، أدت في وقت لاحق إلى تدارك مخاطر هذه القضية فسارعت الجهات القضائية إلى إطلاق سراح الموقوفين في ساعة متأخرة من ليل السبت – الأحد.
ودائع سورية… وتحجيم
واطمأن الحريري من معاونيه على ما تم اتخاذه من خطوات لمواصلة عملية توزيع هبات زيت الزيتون، كما اطلع على مقالات منشورة في بعض الصحف التي دأبت على مهاجمته وتلفيق الأخبار عنه وعن مواقفه وآرائه وتحركاته.
وأمضى بعض الوقت في لقاء عدد من زواره، ثم أعطى تعليمات بالتحرك بإتجاه المجلس النيابي الذي بدأ في عقد جلساته المخصصة لدراسة قانون للانتخابات النيابية وسط معلومات تفيد ان النظام السوري عبر السلطة اللبنانية القائمة آنذاك، كان يسعى إلى «تحجيم» النفوذ النيابي للرئيس الحريري في بيروت والمناطق بعد ان رفض الأخير وبإصرار ضمّ «ودائع سورية» في قوائمه الانتخابية لا سيما في بيروت ومنهم ناصر قنديل وباسم يموت وعدنان عرقجي وآخرين في المناطق، الأمر فعمد النظام إلى عملية إعادة تقسيم منطقتي بيروت الأولى والثانية الانتخابيتين، بما يضمن فوز مرشحي النظام.
الحريري: سأترشح في أي دائرة
وفي جلسة مجلس النواب يوم الاثنين في 14 شباط كان الحريري قد تقدم عبر نوابه باقتراح يقضي بالحفاظ على تقسيم الدائرتين الانتخابيتين كما وردتا سابقاً وفي حال العكس هدد الحريري «إما ان يتراجعوا عن تقسيماتهم أو أني سأتقدم بترشيحي عن الدائرة الثانية وليكن ما يكون».
وعند وصول الحريري إلى المجلس النيابي توجه على الفور إلى قاعة الاجتماعات، وجال بين مقاعد النواب وابتسامة بل ضحكة خفيفة تعلو وجهه، وتبادل الكلام مع شقيقته النائب بهية الحريري والنائب مروان حمادة الذي سبق للرئيس الحريري ان أرسل شابين يوم الأحد في 13 شباط لينقلاه من منزله إلى قصر قريطم لتمضية بعض الوقت سوية وليتبادلا مناقشة الأوضاع الراهنة، ثم أوصل الحريري حمادة بنفسه إلى منزله وراح يقود سيارته في شوارع بيروت من دون خوف وكأنه كان يودعها غير آبهٍ بجلاديه.
وتبادل الحريري وحمادة الضحكات والنكات وكأنهما كانا يتابعان الحديث الذي دار بينهما قبل يوم أو قبل ساعات في قصر قريطم.
تحذير فرنسي – أميركي إلى سوريا
ثم اتجه الحريري إلى نهاية القاعة حيث كان يجلس النائب باسم السبع و«سلطت» أجهزة التلفزيون عدساتها على اللقاء بين الرجلين وهما يضحكان من القلب.
لقد بدا الحريري منشرحاً في تلك الساعات المتسارعة ربما بعد صدور جريدة «الحياة» قبل يومين وفي عنوانها الرئيسي على الصفحة الأولى «شيراك وبوش يحذران سوريا من المس بسلامة الحريري وجنبلاط».
وتواعد الحريري والسبع ان يلتقيا إلى مائدة الغداء في قصر قريطم، والتقى النائب سمير الجسر في المجلس بعد ان كان موعدهما قبل الجلسة قد تعذر بفعل أزمة السير عند المدخل الشمالي لبيروت، وتم استكمال حديثهما في مقهى «الأتوال» قبالة البرلمان، وعن طبيعة ذاك الحديث في حينه إكتفى الجسر قائلاً «تحدثنا عن أمور خاصة لا يمكنني الكشف عنها».
وزار الحريري رئيس المجلس نبيه بري في مكتبه قبل بدء الجلسة، واستمر اللقاء بين الرجلين لبعض الوقت غادر على أثره الحريري البرلمان حيث صادف عند المدخل الرئيسي النائب فارس بويز يصعد الدرج الخارجي، وتبادلا التحية ودعا الحريري بويز للانضمام إلى مائدة الغداء في منزله حيث سيلتقي عدداً من النواب والسياسيين، وأعلن بويز عن ترحيبه بالدعوة وهو الذي تناقلت وسائل الإعلام حديثه الذي كان يدلي به في المجلس النيابي بعد إنتهاء الجلسة حيث دوى الانفجار المجرم واهتز له بويز من شدته وقوته وتوقف عن متابعة الكلام متسائلاً «ما هذا؟… يبدو ان الأمر خطير».
طاولة محاربة الارهاب
في المقهى اختار الحريري طاولة في مكان يتوسط طاولة الزميلين الصحافيين محمد شقير وفيصل سلمان من جهة وطاولة مسؤول الاعلام في الأمم المتحدة نجيب فريجي التي كانت توصف بـ «طاولة اتفاق الطائف» بينما توصف طاولة الزميلين سلمان وشقير بأنها طاولة القرار 1559»، في حين أطلق الحريري على طاولته تسمية «قرار مجلس الأمن لمكافحة الإرهاب» (الرقم 1566) ترى هل كان الحريري يشعر في قرارة نفسه بأنه قادم على التعرض بعد دقائق إلى عملية تفجير إرهابي؟!
الألغام في قانون الانتخابات
وانضم إلى الحريري النواب باسل فليحان وأيمن شقير وفارس سعيد وعاطف مجدلاني ولاحقاً سمير الجسر، وبدأ الحديث عن الزيت وإتهام جمعية بيروت للتنمية بتوزيعه لأغراض إنتخابية وخاطب الحريري النائب وليد عيدو الذي أنضم إلى الحضور بـ «ضبضبة الموضوع وعدم تكبيره أو إثارته وإبلاغ ذلك إلى النواب أعضاء الكتلة»، ونقل عن الحريري قوله في المقهى «لا أحد يزايد علي في وطنيتي وعروبتي».
كما تطرق البحث إلى قانون الانتخابات و«الألغام» الواردة فيه من صلاحيات وزير الداخلية الاستنسابية إلى العلاقة مع سوريا، فالأخطاء والارتكابات والممارسات تزداد وتتفاقم وقال الحريري لمن حوله «من حاولوا اغتيال مروان حمادة لن يتجرأوا على الاقتراب مني لأن محاولة الاغتيال صنعت شبكة أمان وطنية ضدهم»، رغم التحذيرات الجدية التي وجهها إليه مسؤولون أمنيون وسياسيون محليون وعرب ودوليون.
وغادر الحريري المقهى قاصداً منزله غير مدرك انها المرة الأخيرة التي يلقاه فيها زوار «الاتوال» وكذلك كافة محبيه من لبنانيين وعرب وغيرهم من أصدقائه الكثر في العالم أجمع..

ردود فعل

حالة الذهول التي خيمت على لبنان واللبنانيين فور شيوع خبر استشهاد الرئيس رفيق الحريري وسبعة من مرافقيه وعدد من المدنيين في عملية التفجير الارهابية، سرعان ما تبددت، واعتلت الوجوه معالم التصميم والتأكيد على وجوب التصدي للمؤامرة التي تستهدف لبنان واللبنانيين، ورفض التهديدات التي لطالما وجهها قادة النظام السوري إلى الزعماء الوطنيين وقادة الرأي في لبنان ودنيا العرب.
إتهام علني للمخططين والمنفذين
واللبنانيون على اختلاف مذاهبهم ومناطقهم وإنتماءاتهم الحزبية كانوا أسرع من قادتهم في توجيه الاتهام الصريح إلى المنفذين والمخططين والذين دعموا وساندوا المجرمين الذين ارتكبوا عملية التفجير واتهموا علانية النظامين الأمنيين السوري اللبناني في عملية التفجير وما سبقها من تهديدات وما أعقبها من ويلات.
مواقف حاسمة للمعارضة
وسارعت تشكيلات المعارضة الوطنية سواء في تجمع البريستول، الذي نشأ كتعبير عن معارضة قسم من النواب للتمديد للرئيس إميل لحود، أو في «قرنة شهوان» التي ضمت القيادات المسيحية المعارضة للسلطة المتواطئة مع النظام السوري.
فتداعت المعارضة إلى عقد اجتماع طارىء في دارة الرئيس الشهيد في قريطم بعد ساعات قليلة على عملية التفجير الارهابية، وحمّلت «السلطة اللبنانية والسلطة السورية بكونها سلطة الوصاية، مسؤولية هذه الجريمة»، ودعت «المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤوليته»، وإلى «تشكيل لجنة تحقيق دولية تضع اليد على هذه الجريمة».
وطالبت بـ «رحيل السلطة الفاقدة الشرعية الدستورية والشعبية»، وبـ «قيام حكومة انتقالية».
ودعت «إلى إنسحاب القوات السورية قبل الاستحقاق الانتخابي» وقررت الإضراب العام لمدة ثلاثة أيام.
السلطة… تستغرب!؟
وفي تلك العشية بعد ساعات على الانفجار زار رئيس الحكومة عمر كرامي موقع الجريمة متفقداً الأضرار، كما زار الموقع وزير الداخلية آنذاك سليمان فرنجية للغاية نفسها.
ودعا الرئيس اميل لحود مجلس الوزراء إلى جلسة استثنائية أحال فيها «جريمة الاغتيال على المجلس العدلي وإعلان الحداد الرسمي لمدة 3 أيام وإقامة مأتم وطني للرئيس الشهيد».
ولم يجد وزير العدل عدنان عضوم ما يقوله على باب مجلس الوزراء سوى «استغراب حصول الانفجار على الرغم من التقنيات الحديثة التي يستخدمها موكب الرئيس الحريري»، بينما زميله وزير الإعلام ايلي الفرزلي دعا الإعلام إلى «الابتعاد عن كل ما يؤدي إلى زرع بذور الفتنة».
وبعد إنتهاء أعمال مجلس الوزراء أعلنت قيادة الجيش «استنفاراً عاماً لجميع وحدات الجيش، كما تم رفع الجهوزية القتالية إلى الحد الأقصى».
رفض المأتم الرسمي
وردت المعارضة وعائلة الرئيس الشهيد على المقررات الرسمية فرفضت المأتم الرسمي للرئيس الشهيد ومشاركة السلطة في التشييع، وأكدت على الاكتفاء بتشييع شعبي يعبر عن حقيقة إلتصاق الناس وأبناء البلد بالرئيس الشهيد وبمواقفه التي التزم بها في سبيل مصلحتهم ومصلحة البلد الذي أحبه وأحبوه.
وقال النائب وليد عيدو الذي أستشهد لاحقاً في عملية تفجير «لا نريد ان تشارك السلطة في مراسم التشييع».
جنبلاط: ارحلوا .. عنا
وفور وقوع الجريمة توجه الزعيم وليد جنبلاط إلى مستشفى الجامعة الأميركية حيث نقل جثمان الرئيس الراحل، ثم داوم في قريطم وترأس إجتماعاً للمعارضة لتحديد الموقف والخطوات.
وأكد بعد الاجتماع انه «من غير الممكن ان يستمر لبنان أسيراً»، وأضاف «نريد ان نقول لهم إرحلوا عنا واتركونا».
وتلقت عائلة الرئيس الشهيد إتصالات تعزية أبرزها من الرئيس الفرنسي جاك شيراك، كما تلقى جنبلاط إتصالين من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ومبعوثه للقرار 1559 تيري رود لارسن بعد اجتماع بينهما في نيويورك، وأبلغاه شجب الجريمة النكراء التي أودت بحياة الرئيس رفيق الحريري ودعواه إلى أخذ الحيطة، وتلقى إتصالاً آخر من السفير الأخضر الابراهيمي.
اجتماعات البطريرك صفير
وزار وفد من «لقاء البريستول» المعارض بكركي واجتمع إلى البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، وأعلن النائب فارس سعيد «ان الحداد يلف لبنان اليوم، وكل لبنانيين مسلمين ومسحيين» وسأل «هل هناك مصلحة للمطالبة بحماية دولية للشعب اللبناني المستهدف بأمنه؟».
وأكد ان «الرد من قبل المعارضة اللبنانية هو مزيد من الالتحام والوحدة الوطنية الإسلامية المسيحية».
وقال النائب أحمد فتفت «لم يعد الشعب اللبناني قادراً على التحمل» متسائلاً عن الاسم الثالث بعد جريمة محاولة اغتيال النائب مروان حمادة وجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأشارت النائبة نائلة معوض الى أن «الضربة المؤلمة ستزيد من عزيمتنا وستزيدنا نضالاً لاستعادة لبنان السيد الحر المستقل».
واشنطن والإجراءات العقابية
وأعلن البيت الأبيض انه سيتشاور مع أعضاء مجلس الأمن الدولي بشأن اتخاذ إجراءات عقابية ضد المسؤولين عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري و«العمل من أجل إنهاء الاحتلال السوري».
وقال الناطق بإسم البيت الأبيض «ستتشاور الولايات المتحدة مع حكومات أخرى في المنطقة وفي مجلس الأمن بشأن إجراءات يمكن ان تتخذ لمعاقبة المسؤولين عن هذا العمل الارهابي من أجل وقف استخدام العنف والتخوين ضد الشعب اللبناني ولاستعادة لبنان وسيادته وديمقراطيته من خلال تحريره من الاحتلال الأجنبي».
ولفت إلى ان «جريمة الاغتيال تأتي كتذكير قوي بأنه يجب ان يكون بإمكان الشعب اللبناني مواصلة السعي لتحقيق آماله وتحديد مستقبله السياسي بعيداً عن العنف والترهيب ومتحرراً من الاحتلال السوري».
باريس مع تحقيق دولي
ودانت الرئاسة الفرنسية بـ«أقصى درجات الحزم الاعتداء الذي أودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري»، وطالبت بـ «تحقيق دولي لكشف ملابسات الجريمة»، وأكدت ان «فرنسا تطالب بإجراء تحقيق دولي من دون تأخير لتحديد المسؤوليات وكشف ملابسات هذه المأساة تمهيداً لمعاقبة المسؤولين عنها».
Loading...