طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس… لماذا أطَلْتِ الغياب؟!

أول الكلام

لماذا أَطَلْتِ الغيابْ؟
تركتني أنتظرُ عمرًا قبلَ أَنْ تُزْهِري على سورِ حياتي،
وتضخّي في يراعي حبرَ كلماتي،
وتصيري بعضًا من أحلامي.
مكثتُ كثيرًا في محطةِ الانتظار،
أترقبُ الرعدَ والريحَ والثلج،
فلم أَقَعْ على قاطرةٍ تحملُني إليكِ.
كلُّها أَضَاعَتْ اتجاهاتِ السَّفَر, وأنا بحثتُ في أرضِ المحطةِ، ولم أنظرْ إلى قلبِ القمر،
فضاعَتْ مني السهولُ والأودية، وتاهَتْ عني دروبُ الشَّجَر.
كذبوا عليكِ حين أخبروكِ أَنّي رحلتُ،
فأنا ما زلتُ هنا تجالسني الوحدة ويسردني الوقت قصة بلا خاتمة،
مُذ سَرَقَتْني إليك إشارة من يدكِ اليُمنى: أنْ تعالَ،
وأنا عَبَرْتُ ألفَ جسرٍ وما وَصَلتُ.
صِرْتُ كفيءِ شجرةٍ يتثاءَب طويلاً ولا يَضْجَرْ.
كنتُ أقرأُ في صفحاتِ الغمامِ قصائدَ حبٍّ،
وأكتبُ شيئًا من كلماتِ ليالي الأنسِ التي لا جِنَّ فيها ولا أنس، بل وجهُكِ يُضيءُ عالمي ويسدّدُ بوصلتي ولكنّي…لا أصل إليك.
لماذا أَطَلْتِ الغيابْ؟ انتظرْتُكِ كمطرٍ في فصلِ الجفاف،
حملتُك حُلُمًا ما صِرْتِهِ حقيقةً،
وتغلغلتُ في ملامحِكِ الأليفةِ كغلغلة السنونو في شقوق القرميد،
رأيتُك كأرضٍ موعودةٍ لم أزرها، ولم أدخلْها،ولم تسكني فيَّ.
لماذا أَطَلْتِ الغيابْ؟
قد جَفَّتْ عيناي من النور،
واستكانَ قلبي كارتياح الياسمين على أطراف سورْ،
يا سيدتي: افتحي البابْ ،ولو بعد غيابْ،
علّ الفصولَ تفوّرُ الشرايينْ،
وينزلُ القمرْ
في قلوبِ العاشقينْ.
(ج.ت)
يا حلوتي، تسألينَ عن آلة عزفي الموسيقية.
قد انقطعتْ أوتارُها مُذ ارتَحَلْتِ،
منذ أيامِ الحربِ،
واكتفى حزني بإيقاعِ القلبِ.
<<<<<<
تغلقينَ عليَّ مساكبَ الياسمينِ،
أبقى في قُمْقُمِ الوردِ آلافَ السنينِ،
يُزْهِرُ الجلّنارُ في دمي، وَتَفورُ شراييني،
أقومُ في قلبِكِ سورًا من زهرِ الليلكي الحزينِ.
<<<<<<
سَكَنَ الفجرُ مُقْلَتي حينَ فَتَحْتُ شُبَّاكَ قلبي،
واغتسلُ بصمتٍ، بنورِ عينيكِ،
قَدْ أَطْعَمْتُ الطّيورَ على الشّبابيكِ، كلَّ ما في جيبي،
وَحَلُمْتُ بأنَّا نقتسمُ لقمةَ خبزٍ تحتَ داليةِ العنبِ.
<<<<<<
تعالي…
فعيناكِ نارُ ودمعٌ
وقلبي بروقٌ ولمعٌ
أنتِ وأنا خوابٍ وأسرارُ
حنينٌ … رحيلٌ… وأسفارُ.
<<<<<
كلّما أطعمْتُ طيورَ السنونو من حقولِ يَدي
أذكرُ سهولَكِ وبيادرَكِ،
وأعرفُ أنَّ خبزَ حبّكِ ما زالَ زادي،
وإنَّي مقيم ٌفي حَبَّاتِ حنطةِ راحتَيْكِ…
<<<<<<
سكتَ الليلُ بعدما خرج مني النهارْ،
وأفلاكُ الكون في يدي سوارْ،
وتُهْتُ في عينيكِ شويهبًا،
أكتفي بِزُرْقَتَيْهما تاجًا…. من غارْ.
<<<<<<
لو استطعتُ لكوّرتُ الكونَ،
وجعلْتُهُ حبّةَ لُؤلؤ تكرجُ على خدّيكِ،
لجعلْتُ الشمسَ سوارًا،
ولحبسْتُ القمرَ معها في معصميكِ،
ولأطلقتُ نَفْسِيَ حُرّاً في أفلاك عينيكِ.
<<<<<<
لماذا كلّما لَمَعَ البرقُ تذكرتُ عينيكِ؟
ولماذا كلّما نزلَ المطرُ تذكرتُ شفتيكِ؟
ولماذا كلّما حاولتُ أن أتمتمَ باسمكِ،
أَزْهَرَ ربيعُ عُمْري كما في وَجْنَتَيْكِ؟!
<<<<<<
تعرقُ يدايَ حين أقفُ كالطفلِ أمامَكِ،
أتلعثمُ ، تعجزُ عينايَ عن النظر إليكِ،
أضطربُ،
يصبحُ الغروبُ فيِّ خجلاً،
لينفجرَ فجري في ملامحِ وجهِكِ.
<<<<<<
أكتُبُ اسمَكِ على جبيني،
كي تراهُ الشّمسُ،
لتنزِلَ وتتهجأ،
فتفتحُ عينيها لتقبِّلَ جبهتي،
كي أصيرَ شمسًا في فلكِ عينيكِ.
<<<<<<
أحبُّكِ رغم البُعادْ،
ورغم البحارْ،
والصحارى.
يأخذنا الرَّمْلُ والغبارْ،
وأصيرُ أشرعةَ مراكبَ وأسفارْ.
<<<<<<
تُسافرُ أحلامي إلى اللّامنتهى،
فيما أشعرُ أنّ حبّي لكِ انتهى.
تعودين إليّ كمطرِ نيسان،
فأنسى هجرتي إليكِ،
ويبقى قلبي لكَ كما نوى.
تقيمينَ فيه كالتراب والنارِ
والنّورِ والهوى.
<<<<<<
وَصَلَ الربيعُ وحلَّ وَرْدُكِ في شراييني،
ونَزَلَتْ تلالُكِ في أوديتي
وأزهرت ياسمينتي.
كلُّ الفصولِ في عينيكِ،
أربعةٌ هي وأنا فصلُكِ الخامسُ،
أبدأ عندَكِ،
وأنتهي بين يديكِ.
<<<<<<
يا سيدتي من حمَّلَكِ باقةَ الأزهار؟
وقال لك: انتظري… سيأتي.
أخذتني الريحُ ولم أعدْ،
سكنتني أمواجُ الرَّحيلِ،
ورمتني على أرصفةِ مرافئ الضياعْ.
قولي للوردِ أن يمضيَ مع النخيلِ،
يتصاعدُ مع ورقِهِ إلى القمرْ،
حيثُ لا وعدٌ،
لا انتظارٌ ولا سَهَرْ.
<<<<<<
تنتهي الكلماتُ من قلمي ولا تنتهي.
كلّما حاولتُ أن اضعَ نقطةً على السطرْ،
يضعني السطرُ نقطةً على بياضِ ورقة،
فلا النقطةُ تظهرُ
ولا الورقُ يزدادُ بياضًا.
تظهرُ النقطةُ باللون الأحمرْ،
ويصيرُ الورقُ باللون الأخضرْ،
وأصيرُ العاشقَ الأشهرْ.
<<<<<
جاءَ الصيفُ ورحلَ الربيعُ،
من سيضعُ حباتِ النّدى على وجنتّي؟
هاتي قطرتين من عينيكِ
أزيِّنُ بهما عمري،
لا، هاتي وجهَكِ،
ليكونَ دُنيايَ وقمري.

تقديم 

وشمٌ دُقَّ بحبر الروح

د. ناتالي الخوري غريب
نحن قومٌ اذا أحبّوا ماتوا، هكذا كان بنو عذرة يعرّفون عن أنفسهم، تشهد عليهم شجرتا عروة وعفراء اللتان تورقان وعدًا كلّما حُكم على أحدهم بالموت شوقًا، وهكذا يستفيء عشّاق اليوم ظلال أشواق قيس لليلى وجميل لبثينة، ظلال حبّ سامٍ حكمه النوى والأسى والغياب.
ما الحبّ؟! أهو غير وَشْمٍ دُقَّ بحبرِ الروح، يكثّفُ حضورًا يعكس وجهًا لا يغيب…والعهدُ؟! وعدٌ كُتبَ بنبض شوق لا يستكين لكنه أليم أليم.
وما الشعر؟ أهو غير كِيان وعى كينونتَه، فجال بها في فضاءات من حلم وجمال ولقاء وكلم؟!
الدكتور جان توما، في نصوصه الشعريّة هذه، يصوّر نبل العاشق الذي ألمّ به شوق بني عذرة، فكان عنوان ديوانه «لماذا أطلتِ الغياب؟» استفهامًا يحمل عتبًا لطيفًا أو مساءلة فيها الكثير من وجع الانتظار، جاءت في مئتين وثلاثة وستين بوحًا، طغت على مفرداته آلام الغروب والرحيل والفراق والحنين والأنين: «آه يا سيدتي،/يقتلني إليك الحنين،/يسكنني وجع السنين/(ص72)»
فالشوق موت حين يصبح هجسًا متواصلًا بوصل لا إمكان لتحقيقه، ليصير الأرق والطيف خليلين وحيدين.والبوح موتٌ، حين جموح العاطفة تعصف برغبة لقاء مستحيل، وقد ضاق مجرى الدمع عن قوّة دفق ماء النار، ليغدو إشهار العاشق حبّه باللحظ والكلم والتصريح، صراخًا ولوعة،ويهجس برؤيا من يحبّ في الطيف والغيم والظلّ والمدى.
نبض الحبّ على عصف شغفه،في الديوان، من البدء إلى الختام، شكّل سفرًا في أعماق الروح، وإقامة دائمة، حفرًا في الذكرى وتوقًا إلى الآتي، فجوهر الحبّ على أصالة منبته في هذه النصوص، جعله الكاتب دربًا إلى الارتقاء والتسامي، عبّر عنه بتماهي حالاته بالطبيعة، ليصبح المدى ملعبه في لا تناهي حبّه، الأفلاك والكواكب والنجوم والدرر مرمى ناظريه ودرب السفر مع حبيبته، (ص 29)، وبخاصة تكرار القمر في وصفه الحبيبة ربّما كان تأكيدًا على علوّ مقامها، ف«تلال القمر» مرتع اللقاءات أو شاهدة على همسه وصراخه، أو تغدو الحبيبة «قمرًا في سمائه» (ص 22)، ويبقى في فضاءات علويّة:» ليتني أصير نجما في كبد السماء/كي أناجيك في عيون القمر/ (ص 37)، مع أول حبة مطر/ يستحي منك ويحتجب القمر/(ص 40).
الحببية عند جان توما مرتبطة بكينونته:«دونك/كيف أوجد؟!/ كيف أكون؟!» (ص 94)، كذلك الكتابة: «مازال معجمي مليئا بالمفردات/وافرة ولكنّها بلا روح/صارت إليك نابضة بالحياة» (ص 31)، وحالة العشق تجعله يشفّ حتى الامّحاء،وشفيف رومنسيته العابقة بفوح الصدق، وديمومة حال الشوق جعلا بوحه محصورًا بكاف المخاطبة وتكرارها على مدى الديوان، الكاف التي تجسّد الحبيبة، مختصرًا بها الكون والسماء، وحتّى كيانه، هي الوطن الذي يسعى إلى الإقامة فيه، كي لا يعاني التشرّد بعيدا منها: «منذ رحلتِ/ لا سقف يحميني/ لا بيت يأويني/ (ص 89)».
وهي الحبيبة التي تستعير السماء منها لونها، وليس العكس، والأنهار حركتها والبساتين بهاءها…هي التي تعطي الوجود معناه كذلك الموجودات:»طلّي كي يصير البحر بحرًا/…طلّي كي يصير التلّ تلًّا،/ (ص 95)». إلى أن يجعلها إلهة رافعًا إيّاها إلى مصاف العبادة: «كلما آويتك/ تصيرين إلهة الآلهة»، (ص 119).
وربّما استهلّ د. جان توما ديوانه بترويسة لأبي حيّان التوحيدي من مقابساته، في التفريق بين النظم والنثر، ليقطع الطريق منذ البدء على أيّ رأي انتقادي، لاعتماده النثر شعرًا متفلّتًا من أسر القوافي إلا ما يمليه عليه إيقاع حزنه وشوقه، أو غمزًا من خلاله على إيمانه ببساطة التعبير في حريّة الكتابة الوجدانيّة، أو تلميحًا بأنّ هذا الديوان خواطر روح تعرّت فعبرّت عن حالها، ما عاد همّ كاتبها ابتكار صور فنيّة جديدة وصوغ تراكيب تدهش وتغوي، لأنّ حالات الحبّ في هذا الديوان، لا تقوّلَ فيها ولا تكلّف ولا تصنّع، فهو أقرب إلى مناجاة طويلة، وكأنّي به يستعيض عن حضور الحبيبة بحديثه إليها، واعترافاته بحضورها على الرغم من الغياب.
يبقى أن نقول إنّ هذا الديوان أقرب إلى موّالٍ بطول الغياب، بَكْوَةِ الناي النازف على ما كان، وزفرةِ الحنين بشقوة الحاضر، أملا برسم لقاءٍ لما سيكون.
هو «موّال بُحّ» عند صراخ الروح، ربّما يصل إلى مسامع الغائبة-الحبيبة، «قمر القديسين»(ص 70 و120) العابرة إلى النور المقيمة في القلب.
«لماذا أطلتِ الغياب؟»، ديوان حبّ «بأبجديّة الغمام»:الريشةُ كِيانٌ يرتعش حسرةً، والحبرُ دمعٌ يسيل على خفقة الذكرى.
بيروت في 15/10/2016

طُبع كتاب «لماذا أَطَلْتِ الغياب؟!» 

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم والإخراج قامت بهما شركة «Impress»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.