طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: أهل الجنة في القرآن والسنة

المقدمة

إن مبدأ الثواب والعقاب قائم حتمياً، لأنه أساس العدل ومنطق الحق، طبقاً لأعدل قاعدة حددها رب العباد لعباده: }إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ {.
وإنطلاقاً من هذا المبدأ الأساسي كان السؤال الكبير: }أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى{، ولا سيما أن الإرادة الإلهية بينت معالم المسير والمصير، ورسمت سبل الخير والشر، ومفاهيم الإيمان والكفر، وهيأت فرص التوبة عن المعاصي، والرشد من الغى، وجعلت الإنسان مسؤولاً: }إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً{.
ولئن كان مفهوم الجنة في القرآن لا يحتمل جدالاً، ولا يخضع لتأويل، لأنه إلهي، فهذه القدسية جعلته بمنأى عن عبثية الكفر التي يتلهى بها }الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ{، فيجادلون في الله بغير علم، ويتبعون مسالك نسجوها وسائل عيش ومناهج حياة، تبعاً للنوازع والأهواء، فكانوا في حكم الله }شَرُّ الْبَرِيَّةِ{.
لذلك كان أهل الجنة }شَرُّ الْبَرِيَّةِ{، لأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الصالحات، فجزاهم ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً.
والواقع ان المشكلة الحقيقية تتمثل في قوم ينظرون إلى الجنة نظرة يغشاها ضباب الفلسفة وجدلية المنطق، فيخوضون في تحليلات وتبريرات قد تنطبق على بعض جوانب الحياة الدنيوية، غير أنها لا تتوافق مع شؤون الحياة الآخرة التي تبقى معالمها في علم الله، حيث ينبغي انتفاء الجدليات وتوقف الشكوك }وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً{.
والمدقق في تفكير هؤلاء، يدرك مدى انغماسهم في نظريات فكرية لا يُثبت لها أود حيال نظريات أخرى تناقض في طبيعتها سابقاتها، وهكذا دواليك في عملية فكرية لا تنقطع لانعدام وضوح النتائج أو ثبات الأدلة.
من هنا، كانت خطورة أفكارهم على ذهن المرء الباحث عن أصول مسيره ومعالم مصيره، بإيمان سليم نابع من تسليم وتصديق بريئين، ولا سيما أن اأفكارهم تبعدهم عن مبدأ الإلتزام بأصول الدين، لعدم الرغبة فيها، لأنهم في نظر أنفسهم أهل علم ومعرفة. فيغفرون تبعاً لفلسفة تبريرية قد يؤُخذ بها من غابت عنه مفاهيم الفلسفة ذاتها.
ويأتي هذا الكتاب «أهل الجنة في القرآن والسنة» حاملاً بين دفتيه فصولاً تناولت خصائص أهل الجنة كما وردت، أصلاً، في كتاب الله العزيز والسنة النبوية الشريفة، علّها تكون لكل مؤمن باحث في شؤون دينه ودنياه، مشعل هداية، ومحطة ارتياح في هذا الزمن المثقل بالشؤون والشجون.
والله المستعان
د. رفيق عطوي
أهل العفو «الكاظمين الغيظ»
في حياة الإنسان مواقف تؤثر فيه، فيقف إزاءها متأملاً حيناً، متألماً حيناً آخر. والقوي هو الذي تتغلب في وقفته تلك، عوامل التأمل على عوامل التألم.. لأن في الأمل حلماً يستوعب الحدث، وقدرة تتجاوز خَلل التوازن الذي يقلب المفاهيم، ويعكس الصور، وتتأتى النتائج على غير ما يرضي الله والناس.
والواقع ان هذين: القدرة والحلم، لا يتأتيان إلاّ لأولي النُهى، ذوي القدرة على التحكم بانفعالاتهم، فتأتي أفعالهم متجاوبة مع طبيعة الحلم الذي به يتحلّون، وسلامة الحكم الذي يُصدون على ما ينتابهم من شؤون وشجون.
بهذه الصفة يمتاز أهل الغضب من أهل الحلم، ذلك أن أهل الغضب قوم تقصر بهم أعصابهم عن مواجهة المواقف في حياتهم الشخصية والمجتمعية، فينبرون للوهلة الأولى إلى التأفف والتضجر، والتفلّت في أقوالهم وأفعالهم من دون العودة إلى ما ينبغي الالتزام به من الحلم والصبر والمدارية، وكثيراً ما يجنون من تسرعهم ويلاً لم يحتسبوه، وخصاماً مع الأقربين والأبعدين.
أهل العلم
سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أعظم شهادة في كتاب الله، فأنزل الله تعالى على نبيه المصطفى:}شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{.
هكذا خص الله تعالى أهل العلم بشرف الشهادة، وجعلهم شركاءه والملائكة، في دفع الشك في وحدانيته، ورد الشرك في ألوهيته، الأمر الذي يشير إلى مكانتهم العالية في الدارين: الدار الدنيا والدار الآخرة.
فأهل العلم «في الأرض كمثل النجوم يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك ان تضل الهداة» وهم الذين يخاطبهم ربهم قائلاً: «يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم إلاّ لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأُعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم».
أهل الجهاد
الجهاد باب من أبواب الجنة، شرعه الله للمجاهدين في سبيله، لتكون كلمة الله هي العليا، ونشر الدعوة الإسلامية والدفاع عنها في كل زمان ومكان، والحفاظ على القيم والمبادىء التي تضمنتها هذه الدعوة الكريمة من أجل الإنسان عموماً دون تمييز في اللون والعرق. هذا الدين القيم، جعله الله رحمة للعالمين، وأرسل نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام مبشراً ونذيراً، يبشر بنور الإسلام يبدد ظلام ومظالم الجاهلية، وينشر العدل والمساواة بين الناس الذين جعلهم الله سواسية كأسنان المشط، وبنور الحق الذي يمحو العداوة ويبدد البغضاء وينقذ البشرية من ضلالات ومتاهات استشرت حيناً من الدهر، كانت تئن لهولها نفوس المتعبين من بني البشر، حتى شاء الله أن يتم نوره ويكمل نعمته عليهم، وجعل لهم الإسلام ديناً.
أهل الصبر
ورد لفظ الصبر في أكثر من تسعين آية من آيات القرآن الكريم. وقد خولف بين مشتقاته وأسمائه: تبعاً لاختلاف أماكن وروده.
والصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو ما يقتضيان حبسها عنه.
فإذا كان حبس النفس عن الشرك والإلحاد، سمي، إيماناً بالله واليوم اللآخر }وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ{ وابتغاء وجهه الكريم }وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ{
أهل الصلاة
الصلاة عماد الدين، ونبض الإيمان في قلب المؤمن، وصلة الخشوع بين الخالق والمخلوق، تبعث في وجدانه الأمان، وفي عمله الفلاح، وفي خُلقه الصلاح.
وحسب المؤمن في الصلاة خيراً أنها }تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ{
وتحفظه من الفتن والمحن }وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ{ ولا سيما أن في الصلاة القراءة، والقرآن شافع مشفع. وفي الخبر: تجيىء «البقرة» و«آل عمران» كأنهما غمامتان فتشهدان وتشفعان. وإن سورة «الملك» تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر، وتجادل عنه في الحشر، وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار: لا سبيل لك عليه.
أهل الصيام
إن في الصوم حكمة، وفي الحكمة خير كثير، ولا يمتنع من الخير إلاّ ضال أو مُضِل عن سبيل الله.
ولكن، قد لا يتأتى لكل الناس أن يدركوا حكمة الصوم، وإن أدركوا أحكامه، والتزموا قيامه، وقدروا أيامه. ولا سيما أن هذه الحكمة لا تتجلى في جوع أو عطش وحسب، بل في الأبعاد الكامنة خلفهما، وفي الآفاق المترامية في دلالاتهما.
فالصوم ليس بالامتناع. لأن القناعة قدرة لا يبلغ مداها إلاّ عاقل أيقن سر الوجود وحقيقة الموجود، فعرف الهدف، وأيقن السبل، فاختار السلوك المناسب لبلوغ الحقيقة التي استمسك بها، وآثر الحفاظ على مقوماتها ودلالاتها، غير مكترث لنزوات النفس، فقد نهى النفس عن الغوى والهوى المتبع، فاطمأنت، واطمأن بدوره على حسن المسير والمصير.
أهل الزكاة والصدقات
جعل الله تعالى للمنفقين إبتغاء وجهه الكريم باباً من أبواب الجنة الثمانية هو باب الصدقة، يُدعى منه المٌنفق. لدخول الجنة.
والصدقة وجه من وجوه الإحسان التي آمر الله بها، وجعلها سبيل طهارة النفس والمال، ووسيلة تكامل إنساني بين بني البشر.
أما الطهارة فشأنها يوم القيامة عظيم، لا يدرك كنهه إلاّ مؤمن عرف فرائض الله، فسار على هداها، واتبع سبلها، فكان أجره عند الله عظيماً، جنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء مما رزقهم ربهم، ونعم أجر المحسنين. ذلك ان «أيما مؤمن سقى مؤمناً شربة على ظمأ سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمناً على عري كساه الله من خضر الجنة» . ذلك جزاء بما فعلوه في الحياة الدنيا إيماناً واحتساباً.
أهل التوبة
التوبة دليل إيمان، وسبيل نجاة، لكل مؤمن يسعى إلى الخلاص من شوائب ذنب أو إثم، ارتكبه عمداً أو بجهالة، لإيمانه بأن {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ}.
وأبرز شعور ينتاب التائب هو شعور الندامة. فالندامة، كفارة الذنب، تعود بالمؤمن إلى صراط مستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم برحمته ورضوانه، حيث يبرأ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، لأن الإسلام دين الرحمة والمغفرة، يجبّ ما قبله، كذلك التوبة فإنها تجبّ ما قبلها بإذن الله.
والواقع ان باب التوبة مفتوح ما دام الروح في الجسد، لأن الله سبحانه يغفر جميع الذنوب مع التوبة، ولا ينبغي لعبد مؤمن ان يقنط من رحمة الله مهما عظمت ذنوبه أو كثرت، لأن باب الرحمة والتوبة واسع لا تغلقه متاعب الإنسان الذي خُلق ضعيفاً هلوعاً.
طبع هذا الكتاب على نفقة الدكتور فاروق السمان

طُبع كتاب «أهل الجنّة في القرآن والسُنّة» 

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم والإخراج قامت بهما شركة «Impress»

Loading...