طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: الحقائق الجلية في الوثائق البطريركية

صدر مؤخراً كتاب «الحقائق الجلية في الوثائق البطريركية» من إعداد الأب نايف اسطفان، ومما جاء في تقديم مطران عكار المتروبوليت باسيليوس منصور للكتاب ما يلي: «ما جمعه الأب نايف اسطفان في هذا الكتاب رسائل ووثائق تخص فترة هامَّة وشخصية لعبت دوراً مهماً في تاريخ الكنيسة الأنطاكية عامة وأبرشية عكار خاصة، هو المتروبوليت باسيليوس الدبس + 1938 المشهور بعلاقاته واهتمامه بالسلم في الكنيسة، ورعايته التي لا تهدأ لشعب الله، وذلك بكل المواهب والوزنات التي تلقاها من العلي القدير، إما بشخصه وإما برئاسة كهنوته، وتؤكد المعلومات في الوثائق على صدق ما سمعنا بالتواتر وما استنتجنا من مطالعة الوثائق.
جمع الأب نايف هذه الوثائق خوفاً عليها من الضياع ولكي تكون نموذجاً عن الديمقراطية الأنطاكية التحاورية التي في النهاية كلُّ الخطوط تصبُّ في المصلحة العامة، وكان ذلك بالتفاف الجميع حول المتروبوليت باسيليوس بعد تسلّمه الأبرشية.
في الوثائق مواضيع كثيرة يمكن لكل باحث ودارس أن يتأمل بها ويستخرج منها مواضيع جمّة تعكس عن ذلك الزمن مواقع وجوانب عديدة اقتصادية وسياسية وروحية وعلاقات مع الداخل والخارج. وتعكس معاناة الرعاة في إدارة الرعية من قبل المتربصين بها بالنوايا الشخصية والأنانية.
هذا كتاب من كتبٍ كثيرة للأب الشاعر والمؤرخ نايف اسطفان سيكون كنزاً ثميناً في تأريخ تلك الحوادث، يمدُّ الباحث بالمادة الأولية الضرورية لكل باحث في تاريخ أنطاكيا القرن العشرين، وكذلك لكلِّ باحث في شؤون المنطقة العربية في أوائل القرن المذكور. ويشكّل كذلك مكتبة من الوثائق حُفِظَتْ بها مراحلٌ من التاريخ من الضياع».

المقدمة

مما جاء في مقدمة الأب نايف اسطفان للكتاب ما يلي:
«ولما كان هذا الكتاب قيد الطبع، وجدت مناسبة أن أُضيف إلى مقدمته مشهداً مؤثراً عشته في القلب والوجدان، فقد تلقيت اتصالاً هاتفياً، يوم الجمعة في 27/6/2014 من صاحب السيادة المتروبوليت باسيليوس منصور يعلمني بأن الخوري رفائيل كاهن كنيسة غوايانيا – البرازيل، يريد لقائي، فاتفقت معه على اللقاء ظهر السبت في 28/6/2014، في جامعة البلمند حيث ينعقد المؤتمر الأنطاكي. وصلت إلى البلمند في الموعد المحدد، وكان المؤتمر في حال الانعقاد وعليَّ أن انتظر بعض الوقت.
لفت انتباهي وجود ورقة على إحدى الطاولات، قرأت فيها «المؤتمر الأنطاكي، وحدتنا: انطاكية قلبها والعالم مداها».
فقلت في نفسي «إنها ضربة معلم»، ولما كنت غير مدعوٍّ إلى المؤتمر، أخذني الفضول في معرفة ما يجري، أخذت أسرق النظرات نحو القاعة من خلال المدخل الخارجي فإذا بي أُشاهد رجال دين ودنيا اجتمعوا من الرياح الأربع، من كل المسكونة، وسمعتهم يتحدثون بلغات عديدة بعظائم الله، منها العربية والانكليزية والفرنسية واليونانية والروسية والاسبانية والبرتغالية وغيرها. فارتسمت في مخيلتي صورة »العنصرة« وقلت في نفسي: إنها عنصرة جديدة حدثت في عليّة البلمند، في عهد البطريرك يوحنا العاشر. ما أتمناه أن تحدث في عهد غبطته الانقلابات البيضاء التي بدأها البطريرك الخالد إغناطيوس الرابع هزيم، وأن يُقمر ليل أنطاكية في عهده كما أقمر في زمان سلفه الطيّب الذكر البطريرك إغناطيوس الرابع.
وقدَّر الله لأبرشية عكار بعد أُفول القرن العشرين، رجلاً يَعْمُرُ قلبُه بالحياة، خلفاً للمثلث الرحمات المتروبوليت بولس بندلي الذي جسّد كمال الإيمان بأعماله الإنسانية التي ستبقى أبد الدهر تجدّد ذكراه في ذاكرة الأجيال التي لم تولد بعد.
إنه سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور الذي تسلّم زمام الأبرشية في عكار متابعاً المسيرة المظفّرة التي بدأها سلفه، وانضويتُ تحت لوائه في خدمة الخراف الناطقة، وكونه مؤرخاً كبيراً شدّني إليه، فنشأت بيننا رابطة من الاهتمامات المشتركة، لاسيما ما يتعلق بتاريخ الكرسي الأنطاكي عموماً وبتاريخ أبرشية عكار خصوصاً، ولما كانت بحوزته مجموعة من الوثائق المتعلقة بأبرشية عكار الأرثوذكسية فقد سهّل إطّلاعي عليها ومهّد ذلك إلى وضع هذا الكتاب المتعلق بانتخاب المطران باسيليوس الدبس.
ورد في ترجمة المطران باسيليوس الدبس «في 22 / 4 / 1902 انتخبه المجمع الأنطاكي المقدس مطراناً على أبرشية عكار الأرثوذكسية وقد تأخرت سيامته بضعة أشهر حتى 2 / 2 / 1903 حيث تمّت».
هذا التأخير في السيامة شكّل موضوع هذا البحث، والوثائق التي بحوزتي تحكي فصول هذه الأزمة.
فبحسب القانون البطريركي للكرسي الأنطاكي الأرثوذكسي، يتم انتخاب المطران بواسطة الشعب الذي يقدّم عرائض يختار فيها ثلاثة اكليريكيين إلى المجمع المقدس الذي يختار مطراناً منها.
ومنذ الإعلان عن الشروع بانتخاب المطران عَمَدَتْ كل مجموعة من الرعايا على تقديم عريضة ترشّح بها من تشاء، وانهالت العرائض على الكرسي البطريركي من كل المناطق العكارية والقسم السوري، عرائض مؤيدة للمطران باسيليوس، وعرائض معارضة له بشدّة. وبدأت البطريركية تسعى بالحل. وأَرْسَلَتْ الوفود إلى الأبرشية. كان في مقدّمتها الإكسرخوس نقولا شحادة موفداً بطريركياً، ثم قَدِم الخوري الياس المر والقس جبرائيل فيعاني. وأخيراً انتدب البطريرك ملاتيوس الدوماني والمجمع المقدس المطرانين غريغوريوس مطران حماه وأرسانيوس مطران اللاذقية. كل ذلك لم يؤدِّ إلى وفاق واتفاق، وأخيراً فَعَلَتْ الإرادة الإلهية فعلها وتمّ كل شيء بأمان.
هذه الوقائع سَتُعْرَضُ في الوثائق لتصبح مادة من التاريخ نعود إليها عند الحاجة، والتاريخ هو شهادة، والشهادة بحاجة إلى شاهد، والشاهد بين يديك فاستنطقه ليقول الحقيقة.
وأودّ أن أشكر الأستاذ مهدي بدر الخوري من الحاكور لطبعه الكتاب على نفقته».

من هو المطران باسيليوس الدبس؟

في ما يلي السيرة الذاتية لمطران الدبس كما وردت في الكتاب:
هو أمين يوسف بن حنا بن جرجس البيروتي الأصل، ولد في أول تشرين الأول سنة 1868 في مدينة طرسوس من ولاية أضنة. كان والده من تجار طرسوس المعروفين ووكيل قنصل العجم فيها ووالدته مريم عبد الله الشامي التي توفيت سنة 1881 عن أربعة أولاد، بكرهُم أمين. وفي سنة 1882 توفي والده، وأمين لا يزال قاصراً فانتقل بإخوته إلى بيروت حيث ربي في حجر عمه جبران الدبس البيروتي. وفي تلك الأثناء حاول الانخراط في سلك الرهبنة فمانعه ذووه فظل في بيروت يتعاطى الأشغال ويعتني بإخوته. وكان يتردَّد على الشماس غريغوريوس حداد مطران طرابلس لاحقاً وبطريرك أنطاكية منذ سنة 1906 وكان شماساً للمطران غفرائيل مطران بيروت وجبل لبنان، فقامت بينهما صداقة متينة وكان ميله إلى الحياة الإكلريكية يزداد يوماً بعد يوم ولا يصادف من ذويه إلا الممانعة، ودعته الظروف إلى السفر إلى مصر حيث أقام ردحاً من الزمن ثم عاد سنة 1892 إلى بيروت وكل قواه منصرفة إلى اعتناق الرهبنة وكان إخوته قد بلغوا رشدهم مما شدّد عزمه وثبَّت أفكاره على الرغم من الممانعة، وغادر بيروت قاصداً صديقه المطران غريغوريوس حداد مطران طرابلس الذي كان منهمكاً بتهيئة معدّات مدرسة كفتين فوصل إلى دير كفتين في 12 آب سنة 1892 وتلقى هناك مبادئ الرهبنة تحت ملاحظة وإشراف المطران غريغوريوس مُنْصبّاً على الدروس والمطالعة، وفي سنة 1894 أدخله المطران غريغوريوس بمعيته إلى طرابلس، ويوم السبت الكبير من الأسبوع العظيم الواقع في أول نيسان سنة 1895 سامه راهباً قانونياً في كنيسة القديس جاورجيوس في أسكلة طرابلس ودعاه أفرام وفي أول كانون الثاني سنة 1896 سامه أناغنوسطاً، وفي 21 أيار من السنة ذاتها سامه شماساً إنجيلياً باشتراك نيقوديموس مطران عكار في كنيسة القديس جاورجيوس في طرابلس، وفي 23 تموز سنة 1897 إنتدبه المطران غريغوريوس مطران طرابلس وكيلاً لرئاسة دير الناطور، وفي سنة 1898 سافر إلى دمشق، وزار دير سيدة صيدنايا، وفي 3 أيار من السنة ذاتها وبناءً على طلب مطران طرابلس سامه أثناسيوس مطران حمص قساً، وبناءً على طلب الأرشمندريت رفائيل هواويني عُيِّن مرسلاً أنطاكياً في أميركا الشمالية، فقام في 21 تموز سنة 1898 من طرابلس قاصداً نيويورك تاركاً أحسن الآثار بين أبناء طرابلس. ووصل نيويورك في 9 آب وبعد خمسة أشهر تأسست بهمَّته أول كنيسة أرثوذكسية في مونتريال من أعمال كندا.
واتصلت أخبار غيرته ونشاطه بالمطران تيخون مطران الاسكا وسائر أميركا الشمالية فأجاز له تعليق الحجر والصليب، وتم تدشين الكنيسة في 6 حزيران سنة 1899 باحتفال شائق، وظل مواظباً على الخدمة الروحية حتى 26 كانون الثاني سنة 1900 حيث اضّطَرته دواعٍ صحية إلى مغادرة أميركا والعودة إلى بلده فوصل إلى بيروت في 24 تشرين الثاني سنة 1900 ومنها سافر إلى طرابلس في 6 / 1 / 1901 فأقام فيها مدة. وسار إلى مرسين لزيارة أهله ثم عاد إلى طرابلس وأخذ يسعى لخدمة الطائفة تحت ملاحظة معلمه المطران غريغوريوس، وفي صيف 1901 زار صيدنايا ودمشق وتعرف بالبطريرك ملاتيوس فنال منه كل رعاية، وبعد وفاة المطران نيقوديموس في 4 / 10 / 1901 عيَّنه وكيلاً بطريركياً على أبرشية عكار بِطِرسْ بركة مؤرخ في 8 / 10 / 1901 وفي 16 منه سافر إلى عكار فقام بواجباته خير قيام، وفي 7 نيسان دعاه البطريرك إلى دمشق ورقاه إلى رتبة الأرشمندريتية، وفي 22 منه انتخبه المجمع المقدس مطراناً على أبرشية عكار، وقد تأخرت سيامته بضعة أشهر، وفي 2 / 2 / 1903 صدر أمر من غبطته بسيامته مطراناً فسيم في مدينة حمص على أيدي مطارنة حمص وحماة وطرابلس. جاء إلى عكار وظل فيها حتى وفاته في 17 / 2 / 1937.

الأب نايف إسطفان

– ولد سنة 1950 في حكر الشيخطابا – عكار.
– تلقى علومه الإبتدائية والتكميلية في مدرسة منيارة الرسمية.
– التحق سنة 1966بدار المعلمين والمعلمات في زحلة وتخرّج سنة 1970 وظلّ في سلك التعليم حتى بلوغه سن التقاعد سنة 2014.
– سيم كاهناً في 24 تموز سنة 1977. وخدم في عدة رعايا تابعة لأبرشية عكار الأرثوذكسية وتوابعها.
– اهتم منذ سيامته كاهناً بالبحث في تاريخ أبرشيات الكرسي الأنطاكي.
– عمل في مركز الدراسات الأرثوذكسية وتسلَّم لمدة ثلاثة عقود رئاسة ديوان مطرانية عكار الأرثوذكسية كما وكان مستشاراً في المحكمة الروحية في الأبرشية.
– عضو اتحاد الكتّاب اللبنانيين.
– حائز على وسام المعلم من الدرجة الثالثة.

 

طُبع كتاب « الحقائق الجلية في الوثائق البطريركية »

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»، 

والتصميم والإخراج قامت به شركة «Impress»

Loading...