طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: العربية لغة حياة وتطور

صدر مؤخراً للأديب واللغوي جورج فرج كتاب «العربية لغة حياةٍ وتطوُّر»، وهو من منشورات «مكتبة السائح»، وقد تمت طباعته في «دار البلاد للطباعة والإعلام».
كتب مقدمة الكتاب الدكتور هاشم الأيوبي، وقد جاء فيها: «عاشق اللّغة منذ صباه لا تزيده الثمانون إلاّ عشقاً لها.
فمع جورج فرج لا تستطيع أن تفصل بين المربّي والباحث والعاشق عندما يكتب في اللّغة العربيّة؛ ومع أنّه ليس من السهل أن تجمع بتوازن بين هؤلاء الثلاثة، فإنّ جورج فرج قد ألف بينهم بحميميّة وصدق يُظهِرانّ عمق الكاتب وأصالته.
صحيح أنّ العمل الذي بين أيدينا لم يُكتَب في الأساس مؤلَّفاً مستقلاً بذاته، وإنّما نُشِرَ مقالات في جريدة التمدّن، غير أنّها جاءت متكاملة لجهة ارتباطِها العضويّ بمسائل اللّغة كما تناوَلَها المؤلِّف.
فجورج فرج الذي تناول، فيما تناول، قضيّة البنيويّة، عالج بنيويّاً في مقالاته وأبحاثه مسائل العربيّة بدءاً من التطرّق إلى اللّغات الساميّة التي تعدّ العربيّة أبرزها، والى العلاقات المشتركة بين هذه اللّغات من مشترك ومختلف، مفرداً اهتماماً معيّناً للأبجديّة الفينيقيّة التي تعتبر قفزة هائلة في سلّم تطوّر الحضارة الإنسانيّة، وهنا أشير إلى أنّ المؤلّف قد تحاشى ثغرة وقع فيها كثير من الباحثين في العربيّة ألا وهي عدم الوقوف على الجذور الساميّة المشتركة، لأنّ هذا الأمر يوضِّح حقائق لغويّة كثيرة تبقى بدونها غامضة وغير دقيقة. ولجورج فرج ولعٌ كبير بالاشتقاق، لأنّه يعتبره من الخصائص التي تنفرد بها اللّغات الساميّة عامّة والعربيّة على وجه الخصوص، ولأنّ هذه الظاهرة تبيّن لنا مدى الغنى الذي تحمله العربيّة من خلال تنامي اللّفظة الواحدة صرفيّاً مع تنامي دلالاتها في عمليّة يعتبرها فرج تؤسّس لمعجم متكامل بنيويّاً على مستوى الصرف والدلالة.
وفي سياق نظرته المتكاملة والشاملة للّغة يتطرّق جورج فرج في فصول مؤلّفه إلى مسألتين أساسيّتين تتعلّقان بطبيعة اللّغات ووظائفها بشكل عامّ، نعني بذلك مسألة الصراع اللّغوي ومسألة اللّغة والحضارة. وهاتان المسألتان على قدر كبير من الأهمّيّة في رأيي، والبحث فيها ضروريّ إذا كنّا نعتبر اللّغة ظاهرة اجتماعيّة حضاريّة يسري عليها من قوانين الصراع والتفاعل ما يجري على كلّ الظواهر الإنسانيّة في المجتمع البشري.
إنّ التفاعل بين اللّغات، خصوصاً تلك التي تجمعها حضارات معيّنة يتجلّى أكثر ما يتجلّى على المستوى اللّغوي، ذلك أنّ اللّغة هي التي تنقل هذه الحضارات من شعب إلى آخر، وما الألفاظ إلاّ نوافذ نطلّ منها على حضارات الشعوب.
ونستطيع رصد التفاعل الحضاري من خلال الألفاظ، فنعرف ما إذا كان هذا التفاعل على صعيد العادات أو الأنظمة أو العلوم أو الأديان وذلك من خلال الألفاظ التي تأخذها لغة شعب من لغة شعب آخر.
وفي حديثه عن الصراع اللّغوي يبدو واضحاً أنّ فرج مُدْرِك، لطبيعة هذا الصّراع، أسبابه ومظاهره وشروط انتصار لغة على غيرها ومدى إمكانيّة التعايش بين لغة وأكثر في محيط جغرافي وثقافي محدّد. وإنّ رأيه في أنّ صراع لغات من فصيلة واحدة يختلف عن الصراع بين لغات من فصائل أخرى، هو رأي علمي يثبته التاريخ، وفي منطقتنا أكثر من دليل على ذلك».
في ما يلي بعض مما جاء في كتاب فرج حول«تأثرالفارسية بالعربية وتأثيرها فيها» و«اللغة العربية والطبيعة»:

تأثر الفارسيّة بالعربيّة وتأثيرها فيها

تأثير الفارسيّة في اللّغة العربيّة:
من أشهر المفردات التي انتقلت من الفارسيّة إلى العربيّة عن طريق الترجمة والنقل، أو بالاختلاط بالتجاور واستُعمِلَت في لغة الكتابة بالفصحى مع تغيير حرف بإضافتِهِ أو إنقاصِهِ من دون أن يخضع معظمها لظاهرتيّ الاشتقاق والأوزان.
والأمثلة على ذلك: بنفشة: بنفسج، نُمودْة: نموذج، فيروزه: فيروزج، تازه: طازج، برنام: برنامج، زمهرير، سراب (سرآب)، زنده: زنديق، خنده: خندق، صندوق. من أسماء الآنية: الكوز، والطشت، أو الطست، والخوان، والطبق، والقصعة، والطنجرة، والدست. من أسماء الأقمشة: الخزّ، والديباج، والسندس، والاستبرق. من أسماء الجواهر: الياقوت، والبلّور، الزمرّد، والأرجوان. ومن أسماء الفواكه: اللّيمون، والموز، والزبيب (العنب) والسفرجل، والإجاص. ومن الزهور كلّها تقريباً: نرجس، ورد، ياسمين، سوسن، جلنار، بابونج، قرنفل، منتور. ومن الأفاوية والطيوب: القرفة، الزنجبيل، الكافور، الصندل، الجوز، اللّوز، الزوفا والخاتميّة.
ومن أهمّ الألعاب التي وصلت إلينا من بلاد فارس، وأصلها من الهند، لعبتان: لعبة الشطرنج وكانت مقتصرة على الملوك (الشاه، كش شاه)، ولعبة النرد (الطاولة والزهر التي شاء مبتكرها أن يمثِّل بها الطبيعة على الأرض: فهي مسطّحة مثلها (هذا الاعتقاد القديم) وعليها لونان: أسود وأبيض يرمزان إلى اللّيل والنهار، و42 خانة ترمز إلى ساعات اليوم و13 حجراً (باللّونين) ترمز إلى أيّام الشهر، وفَصّان (الزهر) يرمزان إلى الحظّ، أو القضاء، وأعدادها ما زالت تحمل أسماء الأعداد الفارسيّة: يك، دو، سه، جوهار، باش، شاش.
ومن الألفاظ الأخرى: الديوان (الملكي)، والخوذة، والجزمة، والدولاب، والبريد، مأخوذة من برْذوْن، وهو حمار مقطوع الذَنَب، كانوا ينقلون عليه الرسائل وغيرها إلى الناس، ونيشان (وسام)، والطراز، وأستاذ، ومهندز، والصراط Street، والنيروز مركّبة من كلمتين: «نيو روز» اليوم الجديد، يوم رأس السنة، وكان يقع عند الفرس في نيسان، يقول البحتري:
وقد نبّه «النَّيروز» في غسق الدُّجى أوائل وردٍ كنّا بالأمس نُوَّما
ومثلها الروزنامة «اسم اليوم Rouse Name».
ونقع على هذه الألفاظ وغيرها في اللغة الانكليزيّة أكثر من اللّغات الآريّة الأخرى مثل أسماء أفراد العائلة: مذر، بدر، فذر.. وهذا إثبات على أنّ الانكليزيّة متفرِّعة من البهلويّة.
هذا بالإضافة إلى عدد كبير من الألفاظ التي نستعملها في لهجتنا العامّيّة مثل: بازركان (سوق القماش أصلاً)، شنكَل، الخرضوات (خردة) كلّ ما هو صغير، الكار (العمل)، كارخانة، وأكثر ما أُطلِقَ في الأساس على مشغل الحرير حيث تعمل النساء، والعامّة تقول هذا المثل: «كثير الكارات قليل البارات».
تأثُّر اللغة الفارسيّة باللّغة العربيّة:
بالمقابل فإنّ اللّغة الفارسيّة قد تأثَّرَت تأثُّراً واضحاً وكبيراً باللّغة العربيّة، فاقتبست منها ما يقارب من 40 إلى 50% من مفرداتها، بالإضافة إلى اتّخاذها الحرف العربي أداةً للكتابة.
ونكتفي بتقديم شاهد واحد لنُثبِت صحّة ما ذكرنا، وهو رباعيّة للشاعر عمر الخيّام يقول فيها:
قومي مُتَفَكِّرَنَد دَر مَذهَب ودينْ جَمعيْ متحيّرند درّ شكّ ويقين
ناكَاه آيد مناد زاكمين أي بيخبران راه نانه أَست نانه إين
إذا لاحظنا هذه الأبيات نجد أنّ عدد كلماتها عشرون كلمة: عشر كلمات عربيّة الأصل مع اختلاف بسيط في التركيب وهي: قومي وجمعي: قومٌ وجمعٌ لأنّ الياء ليست للتعريف بل للتنكير، وأدخَلوها على أسماء العلم: أحمدي، سليماني. متفكرند متحيرند من تفكَّرَ وتحيَّرَ، في الجمع تدخل «ند» مثل جمع المذكَّر السالم: متفكِّرون ومتحيِّرون، قوم متفكّرون في المذهب والدين. مذهب ودين، شكّ ويقين: جمع حائرون بين الشكّ واليقين منادٍ – كمين أي مخبأ حيث يكمن يختبئ إنسان ليفاجئ غيره.
كلمات فارسيّة الأصل
آيد: خرج من الكمين ناكاه: فجأة، (يوضع خط منحرف فوق الكاف، وتُلفَظ كما تُلفَظ Gare بالفرنسيّة، أو الجيم المعطشة في اللّهجة المصريّة، أي: يا للنداء، بيخبران: يا من بدون خبر، بدون علم أو معرفة، أو أيّها الجاهلون، يا من لا تعرفون، راه: الطريق، نانه إست: ليست هذه، نانه أين: وليست تلك.
نكتفي بهذا القدر لنستنتج أنّ اللّغتين العربيّة والفارسيّة تصارعتا عدّة قرون، ولم تستطع أيّ منهما أن تقضي على الأخرى، لأنّ كليهما من أصلين مختلفين، لكنّهما خضعتا لنظام التأثُّر والتأثير.

اللّغة العربيّة والطبيعة

كانت الطبيعة وما زالت منذ فجر التاريخ البشري، أهمّ مصدر للاكتشاف والإلهام والإبداع عبر ملاحظتها وتأمّلها.
ألم يكتشف الإنسان المعادن في الطبيعة، وكان ذلك إيذاناً ببدء عصر الزراعة، ثمّ الصناعة بعد ذلك بزمن؟ ألم تُكتَشَف كُرويّة الأرض في الطبيعة، وتُكتَشَف الجاذبيّة تحت شجرة؟ أليست الطبيعة ملهِمة الرسّامين والشعراء الذين أبدَعوا بأروع الرسوم، وأجمل القصائد الشعريّة، ونَبَغَ الرومانسيّون بذلك وقد عدّوا الأرض أمّاً لهم؟
كذلك كان شأن اللّغة في الطبيعة، فقد نشأت مع الإنسان عبر قوّة الانتباه ودقّة الملاحظة مع إرهاف السمع والإصغاء، وسماع الأصوات التي تبثّها عناصرها المتحرِّكة، سواء أكانت حيواناً أم أشياء، ومحاكاة هذه الأصوات بإعطائها الأحرف المتجانسة معها، والتي تشكِّل ألفاظاً معبِّرة عن تلك الأصوات.
في ما يلي بعض ما نجد دلالته في تجانس الأحرف، وهي التي تعبِّر عن الدلالة مثل:
– صفير الريح أو عصف العاصفة، إنّك تسمع صوت الريح أو العاصفة وهو يهزّ بقوّة القصب أو الأغصان، أو يدخل من ثقب الباب كأنّه صافرة تصفر، وقد عبَّرَت الأحرف: العين كحرف حلقي والصاد كحرف تفخيم والفاء كحرف شفوي، عن ذلك الصوت.
وهذا ما ينسحب على أسماء الحيوانات والطيور فنقول: صهيل الحصان، ونهيق الحمار، وخُوار البقر، وثغاء الغنم، وزئير الأسد، وعواء الثّعلب، ورُغاء الجمل، وهديل الحمام، ونعيق الغراب، ونعيب البوم، وتغريد البلبل… ويجمع هذه الأصوات وزنان مشتقّان من الثلاثي هما: «فُعال وفعيل». والنوع الثاني من هذه الألفاظ هو الذي يتضمّن حرفاً مكروراً (مكرَّراً) وأحياناً حرفين مثل: زقزق، قرقر، جرجر، خشخش، بشبش…
اِسمع صوت الدجاجة في القوقأة «قاقا» بعد أن تبيض، والضفادع في النقنقة، نقيق، نَقْ نَقْ (وهذه مستعمَلة في العامّيّة مع الأطفال نأنأة). نقابل بين «حفيف» أوراق الشجر الخفيف بتكرار حرف الفاء الشفوي الدالّ على صوت ناعم، وهو يداعبه النسيم، وبين «فحيح» الحيّة بتكرار الحاء، وهو حرف يخرج من الحلق، فيوحي بالقسوة والعنف «فحّ»، والطنين للنحل والذباب، والبعوض، والسّقسقة، والخرير، والهدير، للماء: المنساب على مهل بهدوء والجاري بصوت مسموع، والمتفجِّر الهادر بقوّة، وزقزقة الحسّون ذات الأصوات المتلاحقة، والأزيز لصوت النار المتأجِّجة، والرصاص المتتابع، ألا تُحِسّ بالضجيج في أذنيك حين تسمع: قرقعة الأواني النحاسيّة، وقعقعة السلاح وهو يتلاحم بعضه ببعض، وفرقعة المفرقعات، لكنّه أضعف ممّا قبله، لأنّه يخلو من تكرار حرف؟

جورج فرج

• أمضى ستة عشر عاماً في التعليم الابتدائي.
• أُلحِقَ في العام 1960 بأوّل دورة تدريبيّة نظَّمَتها مصلحة إعداد المعلّمين في وزارة التربية اللّبنانيّة، اختير في نهايتها ليكون معلِّماً نموذجيّاً في مدرسة التدريب التربوي في طرابلس.
• حَفِلَت هذه المرحلة بأبحاثه التربويّة واللّغويّة بالإضافة إلى إكمال دراسته الجامعيّة.
• أنهى هذه المرحلة في العام 1970 بتأليف سلسلة كتب مدرسيّة للمرحلة الابتدائيّة سُمِّيَت «القراءة والتعبير» قائمة على أسس تربويّة واضحة المفاهيم: التحليل والتركيب، التعبير الشفهي حول مستَنَد مرئي، ثمّ التعبير الكتابي، دمج المواد في كتاب واحد ضمن محاور اهتمام.
• أهمّ إنجاز قدَّمَه يومذاك أنّه قضى في منهجه الجديد على الطريقة الإجماليّة «La méthode globale»، الببّغائيّة، في تعليم الحرف للمبتدئين التي جاءتنا من الغرب، وصحَّحَ مسار التحليل والتركيب فيها.
• صُنِّفَ في التعليم الثانوي في العام 1970 وظلّ يدرِّب في الدورات التدريبيّة صيفاً.
• أصدَرَ في العام 1980 سلسلة كتب من ثلاثة أجزاء في القواعد والإملاء بالاستقراء والاستجواب.
• في العام 1990 أصدرت له دار الشمال سلسلة كتب من سبعة أجزاء تحت اسم «لغتي قراءةً وتعبيراً» مُضيفاً إلى سابقتها: علم الأصوات، وعلم النفس التربوي، وخصوصاً مبدأ الإدراك فيه.
• التَحَقَ بالثانويّة الوطنيّة الأرثوذكسيّة – الميناء، وعَلَّمَ مادّة طرائق تدريس اللغة العربيّة لطالبات التربية الحضانيّة والابتدائيّة TS و BT.
• جمع المنهج الذي كان يدرّسه للطالبات ويشمل اللغة بعلومها، والتربية، وعلم النفس التربوي في كتاب تحت عنوان: «لغتنا كيف نُدرِكها» مودِّعاً به التعليم النظامي في العام 2003.
• وها هو يقدِّم للناطقين بالعربيّة جمعاء كتاباً في اللّغة العربيّة بمنظار تربوي، عسى أن يلقى قبولاً ورواجاً، كما يأمل أن ينبري من يتجاوب معه في دعوتِهِ لأن تتضافر الجهود تمويليّاً وتأليفيّاً لإعداد قاموس يقوم على عِلْمَيِّ: الرمز والدلالة، وفقه اللغة. وقد قدّمنا نماذج عنه في نهاية الكتاب.

طُبع كتاب «العربية لغةُ حياةٍ وتَطَوُّر»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم والإخراج قامت بهما شركة «Impress»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.