طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: مرغريت أو سمفونية الألوان

صدرت رواية «مرغريت أو سمفونية الألوان» للكاتب فؤاد كفروني، ولقد تمت طباعة الرواية في في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»، والإخراج قامت به شركة إمبرس «Impress» في ما يلي الاهداء الذي تضمنه الكتاب وتقديم للشاعر سعدالدين شلق ومقتطفات من الرواية.

الاهداء

جلست وحدي كعادتي، كنت تائهاً في حيرتي، أريد أن أكتب، أن أودع همومي بين السطور.. فكَّرت في ماضٍ بعيدٍ لم أعشه، بل كانت أمي الورعة تحكي لي عن ذاك الوقت الصعب… ولطالما أصغيت إلى حكايات مسنِّي البلدة أستقي منها خلال السهرات الَّتي كنت أمضيها معهم حول كومة من الفستق العبيد، يتعاون الكل على تفقيشها… وكانت الحكاية تقسم إلى فصول يرتبط عددها بحجم الكومة…
نظرت إلى ساعتي… إنها الواحدة ظهراً، ونظرت إلى الروزنامة فوجدتني في اليوم الأول من شهر تشرين الأول 2009.
فكَّرت في ماضِ أقلَّ بعداً، يعود إلى ستينيات القرن الماضي، عمري يسمح لي بالكتابة عن هذا الماضي القريب، فأنا وعلى الرغم من تقدمي في السن، لا زلت أتذكر الكثير من الحوادث والكثير من التفاصيل.
أخذتني الحيرة… هل أبدأ الكتابة عن تلك المرحلة؟…أوليست مرحلة ما بعد إتفاق الطائف أجدر بالكتابة لا سيما وأن الوطن الصغير أصبح في عين العاصفة أقله منذ إستهداف الرئيس الحريري في الـ 2005 ؟
أنا في الأول من تشرين الأول من 2009. وطني الغالي مخلَّع، يكاد يختنق، المجتمع منقسم على ذاته والعواصف الخارجيّة تتلاعب به.
حيرتي تزداد..أريد الكتابة.. عمَّ أكتب أولاً؟ أعن هذا الحاضر المؤلم حيث الإنقسام والتطيف والتمذهب، أم عن ذلك الماضي القريب حيث كان الوعي ينام في حضن البراءة والمثالية والمعرفة القاصرة؟ أعن الجنوب والمقاومة أم عن الجبل وبشاعة ما حدث؟ أعن بيروت حيث أكل الباطون المسلح التاريخ أم عن قصورها وجسورها وشبكة الطرقات الحديثة فيها؟أعن المقتدرين حائزي الثروات الهائلة أم عن الموظفين والعمال وباقي المواطنين الذين أصبحوا لقمة سائغة بين أنياب الغلاء؟ أم عن أطراف الوطن الَّتي تزداد فقراً وعشوائية؟أعن حجر يبنى وإنسان يهدم؟ أم عن تكنولوجيا فائقة التطور، تستهلك القسم الأكبر من الوقت، تحجب الأبناء عن الآباء وتساهم في محو عاداتنا الجميلة لصالح علاقات تتخطى الحدود ؟
في الحقيقة أنا مشدود الى الكتابة عن الهاتف الخلوي والانترنت ومدى تأثيرهما السياسي والاجتماعي والعائلي والفردي لاسيما وأن علاقات واسعة النطاق نشأت في العالم الافتراضي بما فيها العاطفية، إذ أصبح بعض الشبان والصبايا يتواعدون ويتقابلون على الشاشات عوضا عن اللقاء الحميم في ظل شجرة أو على شرفة مطلة أو قرب نبع رقراق…
أخذتني الحيرة.. خطفتني.. رميت رأسي على الطاولة.. أخذت غفوة ولمَّا استيقظت لم أجد أمامي مفرَّاً من الكتابة عن الماضي القريب الذي على الرغم من بشاعته، كان فيه للحب النقي المكانة الأولى و كان لبنان لا يزال فيه وطناً للكل، على أمل أن يكون لبنان وطناً للكل، وعلى أمل أن تدبَّ عصارة الوعي في شرايين المجتمع فيدرك الجميع أنهم أخوة وأن التعاون من أجل البناء أهم من الفوارق، وأن بناء العلاقة الجيدة بين هذا الوطن وسائر الأوطان أمرٌ حيوي ومطلوب فالتقوقع والإنغلاق مضرَّان، والتطرف السياسي والطائفي أمرٌ قاتل.
أفكار.. مشاهد.. أحداث..
وأخيراً حزمت أمري وبدأت الكتابة عن ماضٍ قريب يبدأ في ستينيات القرن العشرين. وبينما كنت أنسج الفصول تسلَّل مرضٌ مضنٍ إلى البيت، أصيبت «أم البنين»..أخذتني «أمُّ البنين» في دربها.. «أمُّ البنين» شريكة حياتي بل حياتي، تتوجع.. هجرت القلم والدفتر واستراحت الافكار.. بعد سنوات ثلاث، وبعد اطمئناني على حياتي، عدت إلى متابعة الرواية.. لكنَّ حيرتي استيقظت فيَّ من جديد لا سيما وأنّ العالم العربي في مخاضٍ عسير من تونس ومصر والسودان واليمن إلى السعودية والبحرين والأردن والعراق وأخيراً سوريا، فتأثير أحداثها المريرة على الوطن الغالي مؤلِمٌ وعميق والكتابة عنها أَوْلى.لكن لا بد من إكمال الرواية. على أمل انتصار الوعي في البلاد العربية كلها ونشوء أنظمة ديمقراطية حقيقية، وعلى أمل ألا يشهد لبناننا خضَّاتٍ تؤذيه، أُكمل الرواية وأهديها الى ربة البيت شريكة حياتي المناضلة المتفانية، ومن خلالها الى وطن لا يزال يسير على درب الجلجلة، خلاصه في جيشه وتحديث نظامه وتطوير دستوره…
فؤاد كفروني

كلمة طيِّبة

بسم الله الرحمن الرحيم: «والقلم و ما يسطرون». صدق الله العظيم. ولذلك قيل: «القلم لسان اليد وأنف الضمير إذا رعف أظهر آثاره و أذاع أسراره».
لقد آلى صديقي فؤاد كفروني على نفسه أن يدوم ربيع بثِّه على مدار أربعة الفصول. إنْ عمرُه إلاَّ شوقُ الحرف إلى الحرف، وحنين الكلمة إلى الكلمة، ورقص لعذارى النور على النور في مولوية صوفية، منارها شمعة روح تخاطب بلسان احتراقها قلب الحياة، وتصقل بعميق صمتها وبهيِّ سكونها مشاعر نبل منسيّة خاطبت السماء بها الأرض لكي تشمخ في الإنسان قامة الإنسان، و يعيَ في لحظة من لحظات التجلِّي والصفاء أنه كلمة الله على الأرض، يضيء بها الوجود ما توالى فيه ليل ونهار.
عهد فؤاد كفروني مع الحبر عهد شرف ووفاء، وعقده عقد يقينٍ. فبين المداد و فؤاد ما بين النوارس والبحار، و ما بين النحل والزهر، يأتيه لاهفا، ويرجع عنه حاملاً من أسرار الربيع أقدس أقداسها. أترى عناه الشاعر حين قال:
«بين الرقيم وبينه عهدُ ألاَّ يكلَّ لمرقم حدُّ»
في عفوية بوحك أيها الصديق يطالعنا وجه الصدق منيراً مشرقاً، فإذا بقلوبنا مشرعة الأبواب لاستقبال ضيفها العائد إليها بكل ما لذَّ و طاب من ثمار برِّه ولطفه ونهاه، يبسطها موائد قيم ومكارم، ما أحوجنا إليها في هذا الزمان، زمان القحط الروحي المدمّر.
لتكاد سطوره تقرأه لكل من يتصفَّح كتابه، وما الغرابة في ذلك؟ فالمرء مخبوء تحت لسانه فإذا تكلّم ظهر كما قال علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه.
وفي تتبعنا مساحب ريشته نلمح على أهداب خياله من حسان رؤاه ما يدعونا إلى تعميق صلتنا بالحياة، بل إلى عشقها والترنم بنشيدها الخالد محبَّةً وتماهياً بالآخر الذي لن نجد ذواتنا إلاَّ فيه.
أما الأديان عند صديقي فؤاد فجداول مغرِّدة بالحب وللحب، تصبُّ كلُّها في نهر الحياة العظيم المتدفق ما بين أزل و أبد، عبر حاضر يتلفّت إلى ماضيه بعين ويستشرفُ بالأخرى آفاق غده وإرهاصات مستقبله.
قال عليه الصلاة والسلام: لن تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أَفشوا السلام بينكم. و إذا كان قدر الأنبياء أن يموتوا لنحيا، ويتعذّبوا لنفرح، و يكابدوا لنحظى بالعيش الّليان، فإن قدر العلماء والمستنيرين وهم ورثة الأنبياء في شرع السماء – أن يقتفوا خطاهم ويتأسّوا بهم ويتحسَّسوا جسام مسؤولياتهم ويتابعوا بكل الإيمان مسيرة الآلام التي منها، ومنها فقط تنبثق شموس الفرح وتتفجَّر ينابيع المسرَّة.
إنَّ كاتبنا في إدراكه العميق لهذه الحقيقة الساطعة اختار أن يحمل صليبه، ويمضي على درب الجلجلة الطويل مبشِّراً بكلمة السماء، لعلَّه ينير سبيل من ضلَّ السبيل في وطنٍ يهتزُّ ولا يسقط، وفي شرقٍ يكاد يودِّع شموسه لأنه انحجر في بيت ماضيه متناسيا أن الضوء إكسير هذه الحياة.
إنني و أنا أتحرّى أبعاد الحالة الانسانية المثلى في نبض كلِمِه و أنفاس حروفه، واختلاجات السطور آثرت أن أترك لغيري مهمة النقد العلمي الرصين لروايته الجديدة، حسبي أن أُحلِّق في عوالمه مستجلياً ما تنطوي عليه نفسه من غرِّ المكارم وكنوز القيم. لقد كانت الرواية عنده دائماً الوسيلة لما هو أسمى وأجلّ: الانسان والوطن.وهنا يدخل فؤاد كفروني الفضاء الأوسع لفهم كينونة الخلق ومغزى هذا الوجود؛ بحيث يجد الكون كله محراب تواصل ومحبة وسلام.
«إذا صحَّ منك الودُّ فالمال هيِّنٌ
وكل الذي فوق التراب تراب»
إنه الحوار الأبدي بين المادة والروح، ليبقى الإنسان جوهر هذا الحوار وسرَّه ومعناه.
فروح حول عرش الله تسري وطين باحث عني انحدارا
وبينهما إذا ما طال بعدٌ ولجَّ الشوق أسمَعَني حوارا
لقد أدركتَ أيها الصديق ان الله سبحانه أنزل أمانته في جذر قلوب الرجال، وأن الفرح لا يمكن بغير الحرف وان الروعة كلها عل شفة اليراع.
أخيرا أسال الله ألاَّ يجف لك قلم لكي تحدثنا دائما بنعمة ربك علينا وعليك.
الشاعرسعد الدين شلق

المصادفة

كان «فيدال» جالساً في الدار، بين يديه كتاب يتصفحه حيناً، ويستطلع، حيناً آخر، وجوه المارَّة من أهالي الحي الذين كانوا يسلكون الطريق الذي يؤدِّي إلى النهر، وكان يقوم على الجانب الآخر، منزلٌ فاضت بعض غرفه عن الاستعمال. ففي هذا البيت يسكن رجل وامرأته، وبما أن غرفة واحدة كانت تكفيهما، وضعا باقي الغرف بتصرف «باسمة» شقيقته الَّتي حوَّلتها إلى مدرسةٍ ضمَّت العديد من الأولاد من شتَّى الأعمار ذكوراً وإناثاً. فجأة، ودون سابق إنذار، جذبتْه رصانة فتاة في عمر الورد، تتَّشح بالبراءة؛ كانت في ذلك الوقت تتأبَّط محفظة وتسير هادئة باتِّجاه تلك المدرسة. لقد أحسَّ في تلك اللَّحظة، أنَّ شعاعاً غريباً مؤثِّراً تغلغل في أعماق نفسه، مختطفاً ايَّاه إلى عالم آخر، إنها المصادفة حيث لا دور للإرادة والوعي والعقل بل لتلك القوَّة العجيبة الَّتي تهيمن على المشاعر وتقود الإنسان في طريقٍ جديدٍ نحو مصيرٍ مجهول.

البداية

لقد كان سروره لا يوصف عندما زاره «ربيع» طالباً منه مساعدة «مرغريت»، على أن يتم ذلك في المنزل. لم يُصَدِّق ما كانت أذناه تسمعان. لذلك عندما سأله عن البدل الذي يريد لم يكترث للأمر، فكلُّ ما كان يحلم به هو أن يراها ويحدِّثها، لعلَّ الأمور تسير كما يشتهي. وهكذا بدأ يشرح لها بعض الدروس، فكان يجلس وإيَّاها منفردين في إحدى الغرف. في البداية كانا متباعدين بعض الشيء، ومع مرور الوقت راحا يتدانيان، وهكذا اشتدَّت أواصر العلاقة بين الأستاذ وتلميذته إلى أن اتفقا على اللِّقاء خارج المنزل طمعاً في أن يتصارحا أكثر. كانت «مرغريت»، تلميذةً مجتهدة، حسنَة السلوك، تتعامل مع رفاقها ورفيقاتها في الصَّف باحترام ومحبَّة وانفتاح، حتى أن بعض رفاقها تعلقوا بها كالأستاذ «فيدال»، ومن هؤلاء «عفيف» الذي كان لا يستطيع متابعة الدروس دون أن يحدِّثها ويستمع إلى صوتها الحنون. لقد تعلَّق بها إلى حدِّ الجنون.

«مرغريت»

ما إن انتهى «فيدال» من قراءة هذه الرسالة حتى سَرَتْ إلى نفسه نشوة رائعة تموَّجت كوميض برقٍ متتالٍ مخترقةً أسوار أعماقه، نشوةٌ لم تلبث أن تلاشت أمام موجاتٍ من مشاعر الخوف، فأهلها الأثرياء قد يرفضون هذه العلاقة، فهم يريدونه مدرِّساً لإبنتهم لا أكثر؛ وراح يحدِّث نفسه متسائلاً:
أأندفع في تنمية هذه العلاقة؟ لِمَ أحببتها؟ ألأنَّها عاقلة فقط؟» لا أدري، لقد انعكس نور النهار على كامل جسدها، دخل إلى نفسي وتملَّكني منذ رأيتها.
أهو الخوف من الفقر المسيطر على لا وعيي، يُسيِّرني؟ ثم ضرب كفَّاً بكفٍّ متمتماً: ما ذنبي؟ هي غنيَّة وأنا لم أفكِّر بهذا الغنى من قبل.
شرد قليلاً. تذكَّر كيف رآها لأول مرَّة؛ و تذكَّر ذلك اللِّقاء، ورحلته إلى الأرز. وكيف ضغطت على يده. وراح يسترجع المشاهد والصور. وقف متمطيَّاً، وراح يمشي بين أشجار الدِّلب وشجيرات الدِّفلة حتى أنهكه التَّعب.

فؤاد عبدالله كفروني 

من مواليد تل عباس غربي – عكار 1947.
تلقى تعليمه في مدرسة بلدته ثم في تكميلية حلبا وثانويتها الرسميتين.
عُيِّن مدرِّساً في مدرسة جويّا الرسمية. تابع دراسته الثانوية والجامعية معتمداً على نفسه لينال الإجازة في الحقوق في العام الدراسي 1976 – 1977 .
تابع نشاطه كمدرِّس حتى العام 1993 حيث قدم استقالته من الوظيفة وانتسب الى نقابة المحامين في طرابلس ولا يزال.
وهو من مؤسسي المنتدى الثقافي في عكار وعضو في الديوان الأدبي في عكار وفي أسرة الملتقى الأدبي في الشمال وعضو في اتحاد الكتاب اللبنانيين وفي المنتدى الشعري في طرابلس.
نشر بعض الأقاصيص والخواطر والمقالات في بعض الصحف والمجلات.
من مؤلفاته:
خراب الفردوس (1978)، الملثّم (1994)، رحيل (1996)،
أحاديث العشايا (1998)، في ظل الشعر الوارف (2001)،
ألإعصار (2003)، أمي يا حبيبتي (2005)،
سفر نحو الزمن الفائت (2007)، ألأرض الطيبة (2014).
«… أنا حرّة في حبي…
لا أريد أن يقال عني: إني تخلّيت عن أهلي في سبيل من أحب…
فمن يخالف أهله ويستهتر بهم لن يكون مخلصاً في حبه…
من تحبّ زوجها لا يمكن أن تكره أهله…»
… فراحت تنزِّه كفَّها على جبينه مخففة من وهج الألم راوية بدمعها النقيّ جسده المهاجر في حضنها الطاهر كأنه أدونيس في كنف عشتار…

طُبعت رواية «مرغريت أو سمفونية الألوان» 

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم والإخراج قامت بهما شركة «Impress»

Loading...