طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: مذكرات الكابيتان ميغ في لبنان وسوريا

صدر مؤخراً في طرابلس كتاب «مذكرات الكابيتان ميغ في لبنان وسوريا»، الذي قام الدكتور ماهر مرعبي بترجمته والتعليق عليه، وتمت الطباعة في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال». وفي المقدمة، كتب د. مرعبي ما يلي:
«لقد شغل «الكابيتان ميغ» صاحب هذه المذكرات خلال الفترة الممتدة بين 19 نيسان – أبريل ونهاية حزيران – يوليو 1921 منصب نائب حاكم قضاء عكار التابع أثناءها لسنجق طرابلس، ثم انتقل بعدها إلى حماه ليشغل منصب ضابط استعلام وحدات الجيش الفرنسي لسنجق حماه، إضافة إلى منصب المستشار الإداري للسنجق.
لقد بلغ عدد صفحات هذه المذكرات (145) مئة وخمس وأربعين صفحة، متوسط عدد كلمات كل صفحة (450) أربعمائة وخمسين كلمة مطبوعة بواسطة آلة طابعة ميكانيكية «داكتيلو» ومعها بعض النسخ التي تخرج أثناء طباعتها على الداكتيلو عن طريق أوراق الكاربون التي كانت توضع بين ورقة وأخرى.
إن جميع الصفحات في نسخة المذكرات التي حصلت عليها، كان يعلو أسفلها ودائماً في المكان نفسه منطقة مظللة بالحبر جعلت قراءتها أحياناً شبه مستحيلة، وسبب ذلك يعود إما لنسخة الكربون التي صوّرت عنها والتي ربما كانت تحمل هذه الظلالة السوداء، أو لعيب في آلة التصوير المستخدمة.
لقد جمعت هذه المذكرات في ثلاثة وعشرين فصلاً. وأعطيت كل فصل عنواناً من وحي مضمون النص، ثم جمعت الفصول في قسمين، وأعطيت لكل قسم عنواناً؛ فكان عنوان القسم الأول في لبنان لأنه يتضمن كل الأحداث التي جرت مع صاحب المذكرات في لبنان قبل انتقاله إلى حماه. وتضمن هذا القسم الفصل الأول ولغاية الفصل الخامس عشر.. أما القسم الثاني فأعطيته عنواناً في سوريا واحتوى على كل ما حدث معه في سوريا بعد انتقاله إلى حماه، ويمتد من الفصل السادس عشر ولغاية الفصل الثالث والعشرين، نهاية المذكرات».

أشخاص وأمكنة في لبنان وسوريا

في التوطئة التي أعدّها د. مرعبي لمذكرات الكابيتان ميغ كتب ما يلي:
«لقد وجدت في هذه المذكرات العديد من الوقائع التي تطلعنا على أشياء جديدة كنا نجهلها أو تؤكد أو تدحض بعض المعلومات التي لدينا. كما وجدت فيها العديد من أسماء الأشخاص والأماكن أكان ذلك في لبنان أم في سوريا والتي من الضروري إعادة إحيائها.
ففي القسم الأول الخاص بلبنان، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد في هذه المذكرات بعض الأحداث والوقائع وأسماء الأماكن والأشخاص أكانت في بيروت أم طرابلس أم عكار.
ففي بيروت أتى على ذكر ساحة البرج وشارع الجميل والسراي الكبير وقصر الصنوبر وميدان سباق الخيل ومحلات أوروزدي باك… كما ذكر أسماء بعض الأشخاص منهم سليم أفندي النجار وألفريد سرسق وغيرهما…
أما في طرابلس فقد ذكر المؤلف عدة أماكن، منها ساحة التل وساعتها والحديقة العامة «المانشية» ومقهى التل العالي، والسراي التي كانت سابقاً في ساحة التل، وللأسف هدمت وحوّلت إلى ساحة جرداء تعرف اليوم بساحة عبد الناصر. كما تكلم على مدينة الميناء وعلى أسواق طرابلس الداخلية كسوق الجوهرجية والمعروف بسوق الصاغة وأسواق السمك والكندرجية والنحاسين والبازركان. كما جعلنا نتعرف على الطريق الساحلي الذي كان يربط طرابلس ببيروت، وعلى مدخل طرابلس الجنوبي الذي كان سابقاً من جهة زغرتا. أما بخصوص الأشخاص فقد أتى على ذكر الضابط الشريفي عزمي بك وواصف عز الدين وابنه مصطفى والمنسنيور دوماني مطران طائفة الروم الكاثوليك في طرابلس وغيرهم…
وفي عكار فقد أتى على ذكر أغلب القرى المسيحية، منها بينو ورحبة والقبيات وعندقت ومنجز وقريتين إسلاميتين فقط هما فنيدق وعكار العتيقة.
أما عن الأشخاص فقد ذكر، إضافة إلى عبود بك عبد الرزاق وعمر باشا، أسماء عدة منها صديقه علي بك الأسعد ومعين بك القدور ومحمد بك العثمان وعبد الرزاق بك الياسين ومحمد بك الرشيد والمطران باسيليوس، مطران طائفة الروم الأرثوذكس في عكار والقائمقام عثمان باشا المحمد وسعيد أفندي الترسيسي وغيرهم…
كما أتى على ذكر كل من مدن الساحل المنتشرة بين بيروت وطرابلس مثل جونيه وجبيل والبترون وأنفه ودير النورية والقلمون.
أما في القسم الثاني الخاص بسوريا، فقد لا تعني لنا الأسماء المذكورة فيه ما تعنيه لنا في لبنان. فلقد ذكر صاحب المذكرات العديد من أسماء الأماكن والأشخاص كان أهمها حماه وحمص وجبل العلويين ودمشق وسوق الحميدية فيها وحلب و»فندق بارون» فيها وحديقتها العامة. كما تكلم على أشخاص عدة كان منهم متصرف حماه نورس أفندي كيلاني وأحمد آغا شيكشلي ورئيس درك حماه صبحي أفندي زمبركجي وعبدالله آغا كنج دندش وأرسلان آغا برازي المتهمين بانتفاضة تل كلخ.
كما أتى على ذكر قصر العظم في حماه والدنادشة في تل كلخ وحقي بك العظم حاكم دولة دمشق وغيرهم…
إن ذكر كل هذه الأسماء في لبنان وسوريا أكانت أسماء أشخاص أو أماكن وما رافقها من أحداث إضافة إلى تشجيع أصدقائي وزملائي في الجامعة قد شجعني ليس فقط على ترجمة وطبع هذه المذكرات ولكن على نشرها أيضاً واضعاً إياها بتصرف القراء والباحثين لما فيها من فوائد تاريخية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية».

استنتاجات

كذلك، في «التوطئة» التي كتبها د. مرعبي أورد الملاحظات والاستنتاجات التالية، بناءً على ما ورد في المذكرات:
«لقد وجدت أن الإفادة من هذه المذكرات كبيرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر نستطيع أن نلاحظ ونستنتج من هذه المذكرات المعلومات التالية:
1- أن معظم الضباط الفرنسيين الذين كانوا يديرون شؤون الجيش كانوا لا يزالون لغاية تاريخه ينتمون إلى الطبقة الأرستقراطية ويظهر لنا ذلك من خلال الأسماء التي يحملونها.
2- كما نلاحظ أن العداوة القديمة الفرنسية الانجليزية كانت لا تزال، حتى تاريخه، موجودة مع أنهم كانوا حلفاء. فصاحب المذكرات لا يخفي أبداً كرهه وعدائيته للإنجليز. فنجده عندما يتعلق الأمر بهم لا يذكرهم أبداً بالاسم، بل يقول الملازم أول الانجليزي أو الكولونيل الانجليزي دون ذكر اسمه بينما الوضع كان مختلفاً عندما يتعلق الأمر بالفرنسيين فهو يذكرهم بأسمائهم ورتبهم، حتى لو كان على خلاف معهم. كما يتهم الانجليز بالعنصرية فيقول عنهم إنهم لا يحترمون داخل جيشهم الشعوب الأخرى غير الانجليزية كالهندوس التي كانت تقاتل إلى جانبهم، وتحت لوائهم. كما نستطيع أن نلاحظ أن الانجليز كانوا يحاولون بدورهم تجاوز اتفاقية «سايكس – بيكو» وإقصاء الفرنسيين عن المنطقة والحلول محلهم.
3- نلاحظ أيضاً عنصريته تجاه العرب. ويظهر ذلك من طريقة كلامه وتعامله معهم. كما نلاحظ أن صاحب المذكرات لم يكن يتجرأ على معاملة المسؤولين السوريين بالطريقة نفسها التي عامل فيها المسؤولين اللبنانيين أو ما عرف لاحقاً بلبنان الكبير.
4- نلاحظ أيضاً أن صاحب المذكرات كان ينفذ أحياناً حكم الإعدام ببعض الأشخاص مكتفياً باستنطاقهم وأحياناً أخرى، وللجرم نفسه(الاتجار بالذخيرة)، نراه ينتظر صدور قرار حكم الإعدام من دمشق أو بيروت، دون إعطاء أي تفسير لذلك.
5- كما يظهر لنا من كتابات صاحب المذكرات أن نية الفرنسيين كانت البقاء في هذه المنطقة والسيطرة عليها، وليس فقط الانتداب والوصاية لفترة محددة كما كان مقرراً. لذلك عملوا، كما يقول، على إنشاء دولة مسيحية كاثوليكية مارونية تنسجم مع سياستهم وتقف في وجه الدول الأخرى المسلمة التي سينشئونها في المنطقة. وللمحافظة على وجودهم وسيطرتهم عملوا على إثارة المسيحيين ضد المسلمين وتزكية التفرقة بينهم.
6- كما تؤكد لنا هذه المذكرات أن السنة في عكار وتحديداً آل مرعب كانوا دون منازع أسياد عكار، وأن حدود لبنان الكبير كانت ستصل، وعلى طلب منهم، حتى صافيتا للإبقاء على أملاكهم ضمن الدولة الواحدة. إلا أن هذا المشروع أوقف لأن المسيحيين الموارنة سيصبحون فيه قلة. لذلك ظهرت فكرة إستبعاد طرابلس عن لبنان وتحويلها إلى بلدية مستقلة ذات إدارة ذاتية، لكنهم لاحظوا أيضاً أنه مع ذلك يبقى الموارنة أقلية. وعليه، عادوا الى مشروعهم الأولي وبحدوده الطبيعية المقترحة منذ البداية أي امتداد لبنان الكبير شمالاً حتى النهر الكبير.
7- كما تزودنا هذه المذكرات ببعض المعلومات الديموغرافية، منها أن عدد سكان عكار لم يكن يزيد عن (60000) ستين ألف نسمة، وأن ثلثهم فقط أي الأقلية مسلمون سنة بينما الثلثان مسيحيون. إن الفرنسيين كانوا يعتقدون أن أكثرية سكان عكار مسلمون سنة لأن معظم الأراضي تعود ملكيتها لهم. فاختلط على الفرنسيين الأمر بين ملكية الأراضي وعدد السكان. كما تسمح لنا هذه المذكرات بمعرفة أن سكان قرية بينو كانوا بحدود (3000) ثلاثة آلاف نسمة من طائفة الروم الأرثوذكس، وأن هذه الطائفة في عكار كانت تخصص (10%) عشرة في المئة من حاصلاتها الزراعية السنوية للكنيسة.
8- كما تساعدنا هذه المذكرات على الإطلاع على مواضيع أخرى عدة؛ من الناحية الاقتصادية الاجتماعية: تحدد لنا نظرة المسيحيين والمسلمين إلى بعضهم بعضاً والعلاقات التي كانت تربط بينهم. كما تساعدنا على معرفة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة، وأن الفقر كان سيد الموقف وفي جميع المناطق ولدى جميع الطوائف والطبقات حتى طبقة الأعيان، باستثناء البعض منهم. ومن الناحية التاريخية والسياسية: نجد أن إتفاقية «سايكس بيكو» وتقاسم المنطقة بين الفرنسيين والانجليز وخلق دول جديدة لم تكن مجرد حبر على ورق، بل كانت حقيقة واقعة عملوا عليها واختلفوا فيما بينهم عند تطبيقها، إذ إن كلاً منهم كان يحاول أن يحصل على حصة الأسد من التركة العثمانية. كما تساعدنا هذه المذكرات على الاطلاع على العلاقة السيئة التي كانت تربط الفرنسيين بالانجليز، وأن الإثنين معاً كانا تحت السيطرة والهيمنة الأميركية منذ ذلك التاريخ. ويظهر لنا هذا من خلال إنتظارهما وصول البعثة الأميركية المكلفة بالبت بأوضاع المنطقة أيام الرئيس الأميركي ويلسون.
9- أخيراً نجد أن بعض المعلومات التي جاءت في هذه المذكرات من الممكن أن نشكك في مصداقيتها، خاصة ما تعلق منها بصاحب المذكرات. فإذا ما تعلق الأمر به نراه يضع نفسه دائماً فوق كل الاعتبارات والشبهات، فتصلنا عندها المعلومة مغلوطة. لذلك كنا نتدخل أحياناً في بعض الحواشي للفت نظر القارئ إلى ذلك أو لتوضيح بعض النقاط أو الأفكار. هذا ما سيلاحظه القارئ عند قراءته لهذه المذكرات».

الدكتور ماهر مرعبي

  •  أستاذ متقاعد في معهد العلوم الإجتماعية الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية
  • مدير سابق لمعهد العلوم الإجتماعية الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية
  • عضو المجلس التأسيسي لإدارة صندوق التعاضد في الجامعة اللبنانية
  • عضو سابق في مجلس إدارة الجامعة اللبنانية

 

طُبع كتاب «مذكرات الكابيتان ميغ في لبنان وسوريا»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم والإخراج قامت به شركة «Impress»

Loading...