طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: حقوق الإنسان في الإسلام

صدر مؤخراً في طرابلس كتاب «حقوق الإنسان في الإسلام» للمحامي محمد ديب، وقد جاء في مقدمته ما يلي:
«خلق الله آدم من طين, ليجعله في الارض خليفة وفضّله على سائر المخلوقات وأمر الملائكة ان تسجد له ولكنه نسي فضل ربه، وابتدأت مسيرة الحياة بالمعصية والاستماع الى الشيطان الذي أذلّه وأخرجه مما هو فيه وتوالت الرسالات السماوية لتذكير المخلوق بعدم الافساد وسفك الدماء ولكن النفس امّارة بالسوء.
ونظرت الى واقع مجتمعنا في مختلف الاقطار الإسلامية فوجدت انه ما يزال شبيهاً بما كان عليه قبل ظهور الإسلام، باستثناء أمر واحد فقط «وهو عبادة الاصنام» والتي تم استبدالها بعبادة المال والارتماء بأحضان الزعيم صاحب المال.
لقد وصف جعفر بن ابي طالب في حديثه الى النجاشي في الحبشة الحالة التي كانت عليها الجزيرة العربية قبل الإسلام فقال:
كنا قوماً اهل جاهلية نعبد الاصنام ونأتي الفواحش ونقطع الارحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف حتى بعث الله الينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وامانته وعفافه فدعانا الى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان وأمرنا بصدق الحديث واداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات فصدّقناه وآمنّا به فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا الى عبادة الاوثان فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا الى دياركم (محمد سلام مدكور – صفحة 27 – القاهرة 9591 التشريع الإسلامي).
وتساءلت عن السبب فلماذا يعيش غيرنا في سلام وأمان مع ان قوانينهم من صنع البشر وليست إلهية كما في الإسلام ونعيش نحن في البلاد الإسلامية في جو الحروب المتنقلة من مكان لآخر والتفجيرات التي تهدم الديار والقتل والخطف وترويع الآمنين.
وبعد ان تكررت الاعتداءات، وفي اماكن مختلفة على دور العبادة والكنائس «باسم الدين» مع ان الشريعة الإسلامية تحرّم قتل النفس وتترك للانسان حرية العبادة والتعبير.
وقد اجريت مقارنة بين حقوق الانسان في الإسلام والذي جاء منذ الف وخمسماية سنة وبين ما توصّلت اليه الأمم المتحدة من شرائع في القرن العشرين فتبيّن لي ان الشريعة الإسلامية قد سبقت جميع الانظمة في احترام حقوق الانسان وتقديسها.
وهي تدعو الناس للالتزام بالفضائل والقيم والاخلاق ولجم النفس الأمّارة بالسوء وكبح جماح الانانية, مما يوصل الانسان الى السعادة نتيجة الاستقرار الحياتي والهدوء الاجتماعي والراحة النفسية.
إن القيم الاخلاقية على تنوعها واختلافها (الحرية – العدالة – المساواة – الامن – السلام – المحبة والأخوة – الترابط – الاحترام – حفظ الحقوق) فرضت من اجل الانسان، وكرامته، ومكانته لان الإسلام يحرص على تحقيق انسانية الانسان الذي خلقه الله من روحه.
وان تحريم الظلم والاستبداد والحسد والطمع والنميمة والفتنة والتجسس والثأر والسرقه والقتل والزنا والغش كان من اجل تحقيق المجتمع الفاضل الذي يسعد فيه الانسان.
ونظراً لان النفس أمّارة بالسوء حيث تحتوي النفس البشرية كمّاً هائلاً من الغرائز والمشاعر والرغبات والاطماع والنزوات لذلك يستمرّ الصراع بين قوى الانحراف التي تعيش في داخل الانسان وبين قوى الخير والفطرة الموجودة عند الولادة.
وإن معركة الانسان مع نفسه لا تنتهي ما دامت هناك عوامل خارجية للاغراء، وميول في داخله تستجيب لهذا الاغراء.
وقد عبّر عن هذا الواقع الرسول (ص) وهو يخاطب اصحابه قائلاً: رجعتم من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر. قيل وما هو يا رسول الله قال: هو جهاد النفس.
ذلك لأن الانسان هو عاطفي بطبيعته محبّ للشهوات ويندفع وراءها الى حد التهوّر والمبالغة، وجاء الإسلام, يضع الحدود للتصرف العاطفي غير المحدود وكبح الشهوات عن طريق خط سير اخلاقي, واعتبر الاخلاق عنواناً يؤمّن من خلاله مصلحة المجتمع من ناحية ومن خلاله حقوق الفرد.
فالهدف انشاء مجتمع واعٍ ومنضبط وفاضل وليس مجتمعاً يتبع الاهواء والرغبات والنزوات.
وانني لا أدّعي شرف الكتابة والتأليف في الفقه والتفسير وأصول الدعوة وإنما قمت بجمع وترتيب ما توصلت اليه من معلومات بعد مطالعة مجموعة من الدراسات والمقالات والكتب, وذلك من اجل التذكير بالثقافه الإسلاميه وبعدما تشوهت, ومع الاسف على ايدي بعض المسلمين».

حرية المعتقد

في كتابه «حقوق الإنسان في الإسلام» أفرد المحامي محمد ديب فصلاً لحرية المعتقد في الإسلام، تضمن الآيات القرآنية المتعلقة بهذا الموضوع، ونظرة الإسلام الى الأديان الأخرى واحترامه لها، وقد جاء فيه:
وردت في القرآن الكريم آيات عديدة تؤكد على حرية المعتقد نذكر منها على سبيل المثال: قال الله تعالى
}لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ{ (البقرة 256)
}أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ{ (يونس 99)
}فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ{ (الكهف 29)
}فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ{ (الشورى 48)
}لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء{ (البقرة 272)
} فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ{(الغاشيه 21 – 22)
}ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{ (النحل 125)
}لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ{ (الكافرون 6)
}وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{(العنكبوت 46)
}وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ{ (الانعام 107)
}وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ{ (آل عمران 104)
وقد اوصى الرسول ابو موسى الاشعري ومعاذ بن جبل عندما اوفدهما الى اليمن: يسِّروا ولا تعسِّروا وبشِّروا ولا تنفِّروا.

نظرة الإسلام الى الاديان الأخرى

جاء في كتاب المحامي ديب حول علاقة الإسلام بالديانات الأخرى ما يلي:
«في السنة الأولى للهجرة (623 ميلادية) وضع الرسول اول دستور مدني في التاريخ ينظم العلاقة بين اهل المدينة (المهاجرون والانصار واليهود) وقد ورد في الصحيفة: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم. مما يشكل اعترافاً من الإسلام بالديانات الأخرى.
وقد ورد عن المستشرق الروماني جورجيو في وصفه للصحيفة المنظمة للعمل في المدينة: «وقد دون هذا الدستور بشكل يسمح لاصحاب الاديان الأخرى بالعيش بسلام مع المسلمين ولهم ان يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم».
وعندما تم فتح القدس, تعهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لأبناء القدس باحترام مقدساتهم, حيث ورد في تعهده: هذا ما اعطاه عمر امير المؤمنين اهل ايلياء من الأمان… اعطاهم امانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملّتها انه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيزها ولا من صلبهم ولا شيء من اموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار احد منهم ولا يسكن بايلاء معهم احد من اليهود.
وحين اذن المؤذن للصلاة, وكان عمر داخل كنيسة القيامة مجتمعاً مع رجال الدين المسيحيين, خرج مسرعاً لاداء الصلاة في ارض فضاء خارج حرم الكنيسه وبرّر موقفه للبطاركة قائلاً: «لو صلّيت داخل الكنيسه لأخذها المسلمون من بعدي وقالوا هنا صلّى عمر».
لقد عاش المسيحيون (كأهل كتاب) وفي ظل الحكم الإسلامي وهم يمارسون حقوقهم الدينية وشعائرهم وعاداتهم وتقاليدهم، وكذلك ممارسة النشاطات الاقتصادية والمهنية والحرفية وفقاً لرغباتهم, وما هو محظور على المسلمين محظور عليهم (الربا – الميسر – تجارة الخمور والدعارة).
وكان منهم الشعراء والاطباء من رواد قصر الخلافة وان التعامل مع اهل الكتاب ينطلق من روحية الإسلام الذي ينظر الى الانسان من موقع الانسانية
وقال الله تعالى في سورة المائدة الآية 82: }لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ{.
وقد ورد في وصية عمر بن الخطاب الى الخليفه الذي سيليه: وأوصيك بأهل الذمة خيراً، ولا تكلّفهم فوق طاقتهم وأوصيك بالعدل في الرعيّة ولا تأخذك في الحق لومة لائم واياك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله مما افاء الله على المؤمنين فتجور وتظلم (عبد الرحمن الشرقاوي صفحة 271).
وكتب علي بن ابي طالب الى احد عمّاله: ولا تبغ على اهل القبلة ولا تظلم اهل الذمة واعلم ان من آذى انجيلياً فقد آذاني. وان الرسول (ص) قد تزوج من ماريا القبطية.
وأعلن علي (رضي الله عنه) مساواة الذميين للمسلمين في حرمة المال والدم فيقول: إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا لذلك فقد اقرّ الإسلام حرية الاعتقاد والتفكير وفرض احترام مشاعر المخالفين في العقيدة وكفل لهم الحرية في العبادة في الاماكن المخصصة لها.
وقد ورد في كتاب تاريخ الحروب الصليبية: ولم يمسّ عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح بيت المقدس بينما ذبح الصليبيون المسلمين وحرق اليهود المدينة عندما دخلوها.
ولأهل الذمة حق الاقامة في دار الإسلام آمنين مطمئنين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم, وعلى الامام حمايتهم من كل من أراد بهم سوءاً ومنع من يتصيدهم بالأذى من المسلمين او الكفار لأن المسلمين حين أعطوهم الذمة فقد التزموا دفع الظلم عنهم والمحافظة عليهم (عفيف طبارة 444).
وان اي اعتداء على «اهل الكتاب» ليس مصدره الفكر الإسلامي وانما ينطلق من اوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية وتخلّف وجهل, مما يعتبر دخيلاً على المعتقدات الصحيحة والسليمة.
لقد قام صلاح الدين الايوبي، وأثناء الحروب الصليبية, بإيفاد طبيبه الخاص لمعالجة ريكاردوس قلب الأسد من مرض ألمّ به اثناء الحرب.
فهل هناك من انسانية او موقف اخلاقي، او تصرف لائق يوازي او يفوق هذا الموقف. ولهذا يصف المستشرق فونكريمر العرب المسلمين في حروبهم بأنهم مثال الخلق الكريم: فحرّم عليهم الرسول قتل الرهبان, والنساء, والاطفال والمكفوفين, كما حرّم عليهم تدمير المزارع, وقطع الاشجار, وقد اتّبع المسلمون في حروبهم هذه الأوامر بدقة متناهية فلم ينتهكوا الحرمات ولا أفسدوا الزروع, وبينما كان الروم يرمونهم بالسهام المسمومة, فإنهم لم يبادلوا اعداءهم جرماً بجرم, وكان نهب القرى وإشعال النار قد درجت عليها الجيوش الرومانية في تقدمها وتراجعها. اما المسلمون فقد احتفظوا بأخلاقهم فلم يحاولوا من هذا شيئاً («الإسلام وحركة التاريخ» انور الجندي صفحة 83).
وقد كتب عمر بن الخطاب الى سعد بن ابي وقاص: فإني آمرك, ومن معك من الاجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله افضل العدة على العدو، واقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك ان تكونوا اشد احتراساً من المعاصي من احتراسكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش اخوف عليهم من عدوهم, وانما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم («عمر الفاروق» لِمحمد رشيد رضا صفحة 119).
ان الدين الإسلامي, يرفض الاجبار والتخويف والاكراه والتهديد كوسيلة للتبشير بالدين، لأن ذلك ليس من شأنه ان يرسخ العقيدة, بل يجب ان تترك للانسان الحرية واختيار العقيدة عن إرادة حرة واعية وعقل منفتح وتفكير سليم. وقد اعتنق المسلمون الاوائل العقيدة الإسلامية عن وعي وادراك بعدما تبيَّن لهم ان هذه الرسالة السماوية تقوم على الصفات الحميدة وتهدف الى مجتمع تسوده العدالة والخير والمحبة والتعاون والاحترام .
وقال تعالى: }إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا{ (الانسان 3).

المحامي محمد حسين ديب

– مواليد 1938.
– الدراسة في جميع مراحل التعليم (كلية التربية والتعليم الإسلامية في طرابلس).
– نال إجازة الحقوق من جامعة القاهرة في أيار 1963 وشرب مع مياه النيل مبادىء الوحدة العربية وأفكار جمال عبدالناصر المناوئة للاستعمار وإسرائيل.
– نال إجازة الحقوق اللبنانية من جامعة القديس يوسف 1964.
– مارس المحاماة في مكتب النقيب المرحوم عدنان الجسر بين 1963 و1985.
– صدر له عام 1980 كتاب الاعتماد المستندي (460 صفحة – من مطبوعات دار البلاد) وهو أول كتاب يُنشر بالعربية ويتناول الموضوع.
– ترأس المجلس التأديبي لنقابة المحامين عام 2001.
– بموجب قرار وزارة العدل بتاريخ 21/12/2002 تم اختياره عضواً في لجنة إعادة النظر بنظام الخبراء ووكلاء التفليسة.
– شارك في مؤتمرات المحامين العرب المنعقدة في القاهرة، تونس، المغرب، بغداد، دمشق وبيروت، كما شارك في المؤتمرات العلمية (حماية الملكية الفكرية – القاهرة عام 2002) والدورة التأهيلية للتجارة الالكترونية عام 2002، والحلقات الدراسية لمركز المصالحة والتحكيم في غرفة التجارة والصناعة في طرابلس عام 2003.
– نُشرت له دراسات قانونية عدة أهمها:
• عدم دستورية الحكومة العسكرية (جريدة «التمدن» 1975).
• المؤسسة التجارية (مجلة «البيان» 1991).
• الحقوق المكتسبة على المياه – مجلس إنماء الكورة في 1994.
• الظروف الاستثنائية وإعادة التوازن للعقود.
• الوكالة المصرفية.
– مستشار قانوني لمجموعة من المصارف والشركات العاملة في الشمال.
– متزوج وله: الدكتور حسين والمحامية دانيا والقاضي ديما .

طُبع كتاب «حقوق الإنسان في الإسلام»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

التصميم والإخراج قامت بهما شركة «Impress»

Loading...