طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: محطات في حياتي

محطات في حياتي هي سلسلة من الأحداث والتجارب حصلت لي على مرّ الزمن ساهمت في تكوين شخصيتي وسيرتي الاجتماعية والإنسانية والسياسية أردت ان أدونها نزولاً عند رغبة أولادي ليتعرفوا على والدهم قبل مجيئهم لهذه الدنيا أولاً، وثانياً لأهل قريتي «ددة» لأني اعتبر نفسي فرداً من العائلة الدداوية التي أكن لها كل محبة وتقدير.
«ددة» إرتقت من المشحرة والأمّين والزعتر والعنب والتين إلى الأطباء والمهندسين إلى المعلمين إلى المربين والناشطين بفترة زمنية قصيرة جداً وأصبحت بمصاف أرقى القرى المجاورة وهي في طريقها للقرية النموذجية كما أردتها وتمنيتها دائماً.
خمس سنوات بعد ولادتي في 24/1/1934 في ددة إشتعلت الحرب العالمية الثانية ولما انتهت كنت قد أصبحت في السنة الحادية عشرة من العمر وأنا في الصف السابع في «كلية طرابلس». تخرجت سنة 1951 والتحقت بجامعة AUB وحصلت على شهادة SOPHOMORE ومن ثم شهادة الهندسة المدنية من جامعة WAYNE في ديترويت ميشغن سنة 1961.
كانت طفولتي بين طرابلس وددة. طرابلس لها ذكريات عزيزة على قلبي فهناك ترعرعت وهناك سهرت الليالي الرمضانية وشاركت مع شقيقي سمير في التراتيل في كاتدرائية مارجرجس على رنين أجراسها. وعشنا مع أهلها في الأسواق الداخلية الأثرية، أما في المدرسة فكنت مع شقيقي سمير نلفت الأنظار في الحفلات المدرسية حيث كنا نغني على المسرح في أكثر المناسبات.
أما دده ولعب «النكرة» و«حواش الزيتون» و«المورج» ولمّ البزّيق في وقت الحصاد ولعب «الفوليبول» حيث كان فريق ددة مؤلفاً من أخوتي الخمسة الكبار، جورج وفايز وموريس ونبيه ونجيب وصديقنا محمد الأيوبي الملقب بمحمد الخوري والفريق لم يُهزم أبداً، كما ان نصف القرية كانت تذهب مع الفريق حين يلعب خارج ددة وتتجمع الضيعة كلها على الملعب مقابل بيتنا. أذكر هنا كما يذكر كل معاصري تلك المرحلة «الأراديات» التي كانوا يرددونها إفتخاراً بنجاح الفريق الدائم وكان موريس أقدر لاعب في الآخوة «والأراديات» كانت من تأليف المرحوم يعقوب سمعان اللقيس ويقولون فيها:
«بدنا كبسة يا موريس تفتح بالأرض متاريس… وكبسة موريس الذرية من هواها بتقلب مية».
أما الطبل فله وقع خاص لدي، صوته يسحرني ويدفعني للدبكة كلّما سمعته، لن أنسى الدبكة في حلقات مختلطة في أعراس الضيعة والسيف والترس.
كل هذه الاشياء تعني لي الكثير الكثير وأسفي كل أسفي لعدم تمكني من تمرير هذه العادات اللبنانية الفلكلورية إلى أولادي بحكم الغياب الإضطراري عن الوطن.
كانت الحياة في ددة في الخمسينيات بسيطة وبدائية، لا كهرباء، لا راديوات لكن كانوا يجتمعون في المنازل ويغنون ويمرحون.. أذكر السهرات الجميلة في بيتنا شبه الليلية كباراً وصغاراً. كان المير علي عبدالرحمن أشهر الساهرين وهو صاحب النكتة والهجاء يداعب الكل بحكاياته، يرمي الألقاب على الناس ودائماً يبدأ حديثه بهذه الجملة: «فرضاً آش إسمه رايح جاي إلى آخره». وكان بيتنا أشبه بمسرح قروي والباب مفتوح دائماً. أما المرحوم كرم حنا فرح الجار المرح ذو الصوت العذب فكان يطربنا من على سطح بيته يغني العتابا والميجانا.
قبل سفري لأميركا أواخر 1956 افتتح «معهد نادر» في دده وكنت أول المدرسين للغة الانكليزية فيه وقد عشت مع عائلة أخي فايز وماري التي كانت بمثابة أخت لي وقد اشتركت في رعاية الأولاد الستة الذين أحببتهم وأحبوني جداً.
في هذه الفترة وبوجودي في دده اختارني العديد من أفراد العائلة وغير العائلة لأكون الإشبين أو العراب، وأذكر أول من كنت لهما اشبيناً الحبيب فكتور والمرحومة الحبيبة ايفيت، وأول فليون رضوان المختار وكنت لا أتعدى الخمسة عشر عاماً وغيرهم وغيرهم منهم من فارقنا ومنهم من هو معنا.
السفر إلى أميركا لمتابعة العلم
في أواخر 1956 سافرت إلى أميركا حيث حطت بنا الباخرة في نيويورك في أوائل 1957 بعدما قضينا إسبوعاً في المحيط الأطلسي تتلاعب بنا الأمواج العاتية. لكن ذلك لم يمنعني من السهر كل ليلة في المربعات الليلية اليونانية على ظهر الباخرة OLYMPIA إذ كانت هذه أول رحلة لها بعد بنائها .
وفي أميركا في مدينة ديترويت التي كان سبقني إليها شقيقي موريس كان التعاون القومي العربي على أشده بين كل الطلاب العرب في الجامعة والجامع والكنيسة. وقد اشتركت بصورة فعالة جداً مع باقي الطلاب العرب بالدفاع عن القضية الفلسطينية بإقامة محاضرات وندوات وزيارات نشرح بها حقيقة ما جرى ويجري وذلك بصفتي رئيس منظمة الطلاب العرب في الجامعة وكان لي حضور مميز بين الطلاب العرب. أذكر منها إشتراكي بإصدار جريدة الجامعة الأسبوعية مسؤولاً عن أخبار كلية الهندسة فيها، وأيضاً إنتخابي من قبل الطلاب للقب الطالب الأكثر شعبية في الجامعة سنة 1960. وفي تلك الفترة أرسل إلينا الرئيس الراحل جمال عبدالناصر برقية يشكرنا فيها لتهنئتنا له بمناسبة قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا بصفتي رئيس منظمة الطلاب العرب في ديترويت وأنا احتفظ بهذه البرقية التي اعتبرها فخراً كبيراً لي، كيف لا، وهو أهم وأشرف حاكم عربي على الإطلاق.
لقائي مع محمود رياض
قبل التخرج من جامعة WAYNE سنة 1961 كنت أذهب كل سنة لأميركا الجنوبية لأزور شقيقي نجيب الذي كان يمتلك معهداً لتعليم الإنجليزية في كراكاس وكنت أساعده في التعليم وقد تعلمت اللغة الإسبانية من طلابي، وعند أختي «انجال» وعائلتها في ترينيداد حيث إنتقلت إلى هناك بعد التخرج ومكثت حوالي السنتين عملت خلالهما مع شركة أمريكية في مشروع مجاري ضخم يغطي الجزيرة بأكملها. وهناك أيضاً تمتعت بأحلى الأوقات وبالأخص في الـ CARNAVAL.
محمود رياض كان في ترينيداد بصفته وزير خارجية مصر في حينها. وقد أتى يشترك في إحتفالات إستقلال الجزيرة عن بريطانيا. زرته في فندق «هيلتون» وعرفته عن نفسي، مهندس عربي لبناني فبرز رأساً القاسم المشترك ألا وهو دم العروبة الذي كان يجري في عروق كل عربي آنذاك أما الآن أين العرب من هذا الفكر القومي النبيل؟
وفي هذا اللقاء الذي لن أنساه بما كان للمرحوم من خلق وتهذيب دار حديث ودي بيننا حيث صارحني بعدة أمور عن كيفية ولادة (ج ع م) وكيف حصل الانشقاق عن سوريا وكان متأثراً جداً من ذلك.
سألني محمود رياض عن سبب وجودي هناك وشرحت له عملي ومن خلال حديثنا عرضت عليه المساعدة في أي شيء يريد فأجابني لقد أتيت في الوقت المناسب لقد قابلني وفد من مسلمي الجزيرة من أصول آسيوية من مواطني هذه الجزيرة طالبين ان نساعدهم في تعلم اللغة العربية فهل عندك الوقت والاستعداد لتقوم بهذا العمل، فقلت له «طبعاً هذا واجب علي وقد أفرحتني بهذا الطلب» وهكذا كان وقد بدأنا مدرسة ليلية كنت أعلمهم ما أمكنني من معرفة اللغة العربية طيلة وجودي في الجزيرة واعتبرت هذه المهمة شرف كبير لي وهي قسط صغير من واجباتي تجاه أمتي العربية.
الرجوع إلى الوطن
بعد غياب سبع سنوات عن لبنان والأهل أخذت طائرة «بان أميركان» إلى بيروت حيث لاقاني الأهل والأقارب كما كانت هي العادة وأول الوافدين للقائي كان قريبي ورفيقي المهندس جورج سليم الزاخم الذي لم ينقطع عن مراسلتي طوال مدة دراستي في USA وهو كان يعمل مع شركة CAT في باكستان والذي أكن له كل محبة وتقدير لما يعمل من أجل لبنان في المحافل الدولية.
وبعد فترة وجيزة إلتحقت بمعهد البحوث الصناعية في بيروت كمسؤول عن مختبرات الهندسة المدنية لفحص مواد البناء وغيرها وقد عشت عز بيروت في أحلى أيامها من 1963 إلى 1967.
وفي هذه الفترة كنت أقضي معظم عطلات نهاية الأسبوع مع الأهل في طرابلس شتاءاً ودده صيفاً إلى ان طلب مني جورج ان التحق بشركة زاخم للهندسة وهكذا كان. وقد كان أول مشروع استلمته شبكة مياه مدينة اربد الأردنية وفي أقل من عام نفذنا المشروع على أكمل وجه وقد زرت مدينة القدس أكثر من مرة في هذه المرحلة.
ومرت فترة من الزمن عملت خلالها في السعودية وقطر إلى ان تزوجت سنة 1972 واستقرت بنا الأمور في الشارقة حيث أسسنا شركة ZGL بيني وبين شركة زاخم العالمية فقد أدرت هذه الشركة لمدة عشرين سنة ونفذنا العديد من المشاريع الحيوية في البنية التحتية في كافة الإمارات السبع من الفجيرة إلى أبو ظبي.
الحياة في دولة الإمارات العربية
إضافة لإدارة شركة المقاولات كنت عضواً فعالاً جداً في الجالية اللبنانية في الدولة حيث كان بيتي مركزاً للقاء اللبنانيين من جميع الأحزاب والطوائف وكأن شيئاً لم يكن في لبنان من منازعات ومشاكل وبهذا أعطينا فكرة حضارية ووطنية عن لبنان حازت على إعجاب ورضى المسؤولين وجميع الجاليات المتواجدة هناك.
حيث كنا نتواصل دائماً وقد ألفنا لجنة لمتابعة قضايا اللبنانيين ومساعدتهم. أذكر منهم مع حفظ الألقاب: المحامي فادي حوراني والمهندس غسان فرحة وفؤاد بردويل وباسم عريس والدكتور عدنان فلاحة والمحامي ناجي بيضون وإيلي صوايا وحسان حسان وجان نادر والمرحوم نديم جواد عدرة وغيرهم. ومن أعمالنا المميزة إعادة فتح القنصلية العامة في دبي التي كانت قد أغلقت أبوابها لعدم توفر المال الكافي في وزارة الخارجية اللبنانية وقد جمعنا من بعضنا المال الكافي لإعادة فتح القنصلية وبمساعدة قيمة من إمارة دبي بقيادة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مَكتوم حفظه الله.
وعلى المستوى الشخصي فقد كنت أحظى بإحترام الحكام في الدولة حيث عيّنت حكماً من قبل حكومة دبي للنظر والبت في العديد من القضايا العالقة بين المقاولين وقد إنتدبتني محاكم الشارقة لأكون حارساً قضائياً على عدة شركات مفلسة للبت بقضاياها العالقة مع الدولة والمواطنين. وكذلك وزارة الشؤون الاسلامية والأوقاف للحكم بقضايا عالقة بين الشركات والعمال. ولا زلت لهذا اليوم أذهب لهذه الدولة العزيزة على قلبي وقلب كل لبناني هناك قضينا أحلى أيام حياتنا مع زوجتي الحبيبة وفلذات كبدي: فادي، كارلا، غريس، وهاني وقد كان لي شرف المعرفة والصداقة مع أغلب حكام الإمارات السبع وبالأخص حاكم عجمان الشيخ حميد بن راشد النعيمي والشيخ حمد بن محمد الشارقي حاكم الفجيرة اللذين تربطني بسموهما علاقات شخصية وودية مميزة ليومنا هذا.
وعلى الصعيد الروحي وقبل أن يكون للأرثوذكس كنيسة كنا نجتمع يوم الجمعة في بيت الأب برنابا الميسي حيث أقمنا مذبح صغير وكنت مع زوجتي جورجيت نرتل ونساعد الكاهن إلى أن أصبح لنا الآن كاتدرائية شكراً لدولة الإمارات الحبيبة وألف تحية لأبونا برنابا.
اما لعبة الشدة
كانت مع أبو غسان رفيق الطفولة والدكتور جوزيف «أحلى شب» والدكتور ميشال الإنساني الكبير وابن عمي المهندس الياس، والدكتور نبيل قطريب، والياس سعادة الدكتور في لعبة طاولة الزهر ورضوان المختار وأبو ايلي شريكي، وجلال حبيبي ابن صديقي المرحوم يونان والياس بركات «منيحو»، وأبو رينيه، وحليم أبو طوني، وميكال سعادة أبو جورج، وجورج دني ابن رفيقي جوزيف رحمه الله، وحميد جبرايل الصديق الودود، وحميد حمدان وأبو علامة، والحاج عبدالله حمدان، وجوزيف الزغرتاوي، وجان الضمير، ونظام أبو مجد، وناهض مرعوش، ومحمد فايز وابراهيم فايز (أبو الشوارب الحلوين) وابراهيم عابد والمهندس جان بيطار، وأخيراً وليس آخراً الصديق عبدالحميد فايز الأيوبي. هؤلاء الأحبة الذين يلتقون عندي بصورة شبه يومية في جلسات قروية أهلية، نعيد بها حياة الضيعة الحلوة القديمة وكأننا عائلة واحدة. وهنا أود أن أذكر بعض المصطلحات التي تقال على طاولة (الأربعمية) مثل «شو بأسر»، و«خليها للآخر»، «الدق على الواحد وأربعين»، «شو أنا دافع حقها» و«كسحت الطاولة»، و«خلّيها»، و«الشغلة ما بدها كبر بطن». و«طلاع عليه كبا» و«الورق خاين» و«بدّو نكعة»، وغيرها.
تفجير بيت العائلة
في إحدى ليالي شهر آذار 1981 فجرت قوى الشر في ددة ذاك البيت اللبناني الأصيل ببنائه وأصحابه الوطنيين المؤمنين بوطنهم لبنان بعد إيمانهم بربهم.
البيت الذي كان يسمى بيت الأمة لما له من ذكريات إجتماعية وإنسانية وسياسية وخدماتية.
لقد هدموا هذا العقد الأثري لأنهم لم يتمكنوا من أصحابه لكنني أبيت إلاّ ان أعيد بناء ذلك الصرح وفتح أبوابه أوسع وأعلى مما كانت عليه لإستقبال الأحبة من جديد ولتفعيل جميع الخدمات التي كانت تنطلق منه ليحيا ويحيا لبنان.
لقد مرّ على هذا البيت شخصيات سياسية وروحية عدة، أذكر منها: بطريرك إنطاكية وسائر المشرق الكسندروس طحان سنة 1945 والزعيم انطون سعادة سنة 1947 والأستاذ الكبير حميد بك فرنجيه سنة 1952 والشيخ بيار الجميل والرئيس كميل شمعون سنة 1960.
كما انه كان من زوار هذا البيت الشيخ بشير الجميل والدكتور سمير جعجع والدكتور شارل مالك سنة 1975 الذي قبّل يد الوالدة كونها أم سمير حنا الزاخم، ومن زوارنا أيضاً السيدة الأولى سابقاً الست نائلة معوض والمرحوم عارف باشا الحسن رحمه الله وغيرهم وغيرهم من الشخصيات المرموقة.
ولن ينسى أحد غناء الشحرورة صباح على سطح بيتنا سنة 1948 في عرس المرحوم أخي فايز وأختي الحبيبة انجال.

طُبع كتاب «محطات في حياتي»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم والإخراج قامت بهما شركة «Impress»

Loading...