طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: جغرافية السكان

هذا الكتاب
عندما يكون الكلام على السكان، فهذا يعني الذين يسكنون في مكان ما، وفي بيئة محددة. والسكان هم البشر الذين لا وجود لهم إلا في المجال الذي يعيشون فيه. وعليه، لا يمكن البحث في الإنسان بمعزل عن البيئة التي تحتويه، وتجعله منتمياً إليها على وجه ما، تربطه فيها علاقة ما، تتحدد في الدرجة التي يتعاطى فيها الإنسان معها. وتتدرّج هذه العلاقة من التأثر الطاغي على التأثير، إلى التأثير الذي وصل إلى أعلى درجة في عصرنا الحديث، وهو على ازدياد.
(…) ولأن الناس يعيشون في بيئات محددة في هذا العالم، ولأن هذا العيش يختلف من بيئة إلى أخرى، باختلاف المناطق الطبيعية، وباختلاف علاقات الناس في بيئاتهم، وفي علاقاتهم مع هذه البيئات، ظهرت الجغرافيا البشرية باعتبارها علماً يدرس كيفية النظر إلى العلاقة بين الإنسان والبيئة، وكيفية تحول البيئة الطبيعية إلى بيئة اجتماعية، بفعل الإنسان وتطوّر هذا الفعل.
(…) هذا الكتاب ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول، وفي فصليه الأول والثاني، يبحث في نشأة الجغرافيا البشرية باعتبارها علماً، والظروف التي أدت إلى نشوء المدارس الجغرافيّة، بدءاً من المدرسة الحتمية التي أخذت من الوقائع العملية اليومية أدوات للبحث والتحليل منذ بدايات الاهتمام بالعلاقة بين الإنسان والبيئة، وصولاً إلى الظروف التي ساهمت في نشأة المدرسة الإمكانية؛ وهي المدرسة التي ساهمت بدورها في تعديل بعض المبادئ التي تبنتها المدرسة الحتمية في بدايات نشأتها.
يبحث الفصل الثالث في أثر البيئة في الإنسان من خلال النظر إلى الإنسان في البيئة، ومقدرته الفطرية على العيش فيها، ومن خلال المعطيات الطبيعية غير الحية والمعطيات الحية التي سمحت له بالحياة والاستمرار.
أما الفصل الرابع، فيتناول التأثير الذي أحدثه الإنسان في البيئة، منذ بدايات تكيّفه معها، وردود أفعاله تجاهها، وصولاً إلى تأثيره الفعّال فيها، وانطلاقه منها إلى الفضاء الخارجي ليستفيد منه في عملية تأثيره بالبيئة. واستطاع من خلال هذه الإفادة أن يجعل من بيئات الأرض وكأنها بيئة واحدة. وكان لوسائل التواصل والاتصال التي ابتدعها مع نهاية القرن العشرين، وما بعد، الفضل في جعل الأرض كلها وكأنها قرية صغيرة.
قام بتحرير هذا القسم، بفصوله الأربعة، عاطف عطيه.
أما القسم الثاني، فهو المختص بدراسة التأثيرات السلبية التي أوجدها الإنسان في علاقته مع البيئة. وقد جاء تحت عنوان رئيسي: التحديات البيئية المعاصرة، وهي التي أوجدتها تصرفات السكان غير المسؤولة والعشوائية في علاقاتهم مع البيئة التي تحتويهم، ومنها: التلوث البيئي، والتصحر، والتغيرات المناخية، وعوامل نشأة المدن وتفريغ الريف وحركة السكان. وعليه، يتناول هذا القسم في فصله الأول التلوث البيئي وخطره على العالم.
ويتناول الفصل الثاني إستنزاف الموارد الطبيعية وما يمكن أن ينشأ عنها.
أما الفصل الثالث، فيتناول التغيرات المناخية ومنها الاحترار العالمي وما يمكن أن يؤدي إليه من نتائج كارثية وحروب، بالاضافة إلى أهم المؤتمرات العالمية التي تصدّت لهذه المشكلة.
والفصل الرابع يتناول العمران المديني والعمران الريفي، بالاضافة إلى حركة السكان في العالم.
قام بتحرير هذا القسم، بفصوله الأربعة، شوقي عطيه.
عاطف عطيّه شوقي عطيّه
(أجزاء من مقدمة الكتاب)
الإنسان في البيئة
لا بد من التأكيد، أولاً، على أن الإنسان لم يوجد في حالته الفردية، بل وُجد مع الجماعة. وهذا يعني أن الإنسان إجتماعي في طبيعته وفي طبعه. وإجتماعية الإنسان فرضت عليه التعاون مع أقرانه الذين يشكلون دائرة قرابته الأولى، ليحصل وإياهم على الوسائل الضرورية للعيش. كانت هذه الوسائل بعض الإمكانيات التي قدمتها الطبيعة للإنسان على شكل نباتات وحيوانات. وهي الطبيعة ذاتها التي أعطته وسائط دفاع وحماية، أقل مما أعطت لبعض الحيوانات من قوى جسدية وعضلية، في شكل عام. إلا أن الإنسان أدرك بالفطرة كيفية التعويض عن هذا الضعف، وذلك باستغلال ما يتمتع به من السرعة في الحركة، ومن الحرية في استعمال يديه ورجليه، من أجل تأمين متطلباته الحياتية الضرورية، باستعمال العقل. وقد أدرك منذ البدء أنه يتميز عن كل الكائنات الحية بهذه الميزة التي أعطته صفة «الحيوان العاقل»، وقدرة التغلب على الحيوانات بالإدراك، ومعرفة أهمية التعاون على تدبير أمور الحياة بالحكمة والروية، والفضول والحشرية لمعرفة أحوال الحاضر، وكيفية الانتقال منه إلى المستقبل بما يكفل تقدّمه وارتقاءه.
لا شك في أن أول نشاط قام به الإنسان هو التفتيش عما يسدّ رمقه وعطشه. فكانت المرحلة الأولى من حياته قائمة على إلتقاط ما تقدمه الطبيعة من نباتات وثمار برّية. هذه النباتات كانت مدار اهتمامه، وغاية بحثه اليومي لأنها تشكل المادة الرئيسية لغذائه. إلا أنه لاحظ، في تزامن مع وجوده، أن ثمة حيوانات مختلفة الأشكال والأحجام تسرح حوله، يسهل صيدها والإنتفاع منها، إذا تيسّر له الإمساك بها. فشرع يفكر في طريقة توصله إلى هذه الغاية. فكان أن بدأ يستعمل الأدوات التي يمكن تحضيرها من موجودات الطبيعة، كأن يقتطع غصناً من شجرة، أو تهيئة حجر مما هو موجود حوله بكثرة، بما يتلاءم مع تلبية حاجته، إما منفرداً، أو بربطه إلى غصن اقتطعه من شجرة مجاورة. فكان سلاحه هذا ما عُرف في التاريخ القديم باسم الهراوات والفؤوس والرماح، وغيرها من الأدوات، في أشكالها الإبتدائية.
وعليه، ارتبط العصر الذي ظهر فيه الإنسان باسم الأدوات التي استعملها في حالاتها البدائية هذه. فكان أن اصطلح العلماء على تسميته بالعصر الحجري في أطواره المتعددة، منها القديم الذي اعتمد على الإلتقاط والصيد، باعتباره المصدر الوحيد للمعيش اليومي، وصولاً إلى العصر الحجري الحديث الذي تميّز بمعرفة الرعي والزراعة.
يعني هذا الكلام أن الإنسان القديم استعمل قدرته الإدراكية في التعامل مع الطبيعة، منذ وجوده، وجعلته يستفيد من موجوداتها، بأدنى تدخل ممكن، في مقاييس اليوم، ولكن في أقصى ما يستطيع في زمانه ذاك، المغرق في القدم. وهذا ما يدل، ليس فقط على مقدرته على الإرتقاء، بل على رغبته، أيضاً، في ذلك. وانتقل من الإفادة المباشرة من موجودات الطبيعة غير الحية، والحية من النبات، إلى الإفادة من الحيوانات، فدجّن بعضها مما استطاع التغلب عليه وإخضاعه، وزاد في حماية نفسه مما يمكن أن يأتي الضرر منه. ترافق ذلك مع استنبات الأرض، وإخضاعها للزراعة، بدل أن يكتفي بما تقدمه حسب ناموسها الطبيعي. فدخل منذ ذلك الحين في عصر الاستقرار والتحضر، وانفتحت أمامه سبل التطور والتقدم، فوصل إلى ما وصل إليه اليوم.
د. عاطف عطيه
تعريف التلوّث
يعرف التلوّث بأنه إدخال «الملوّثات» إلى البيئة، عن قصد أو من دون قصد، بتركيزات عالية مما يؤدي إلى أذيّة هذه البيئة، وحتى إلى تغيّر في خصائصها الأصلية إلى خصائص أخرى. وهو «كل تغير كمّي أو كيفي في مكوّنات البيئة الحيّة وغير الحيّة، لا تقدر الأنظمة البيئية على استيعابه دون أن يختلّ توازنها».
وعليه، فإن أي إدخال لمواد، أو لطاقة، غير تلك الموجودة في البيئة الطبيعية، سيؤدي إلى تلوث. حتى أن إدخال أجناس حيّة في بيئة جديدة يعتبر من هذا القبيل. نذكر مثلاً، إدخال سمكة رأس الأفعى الشمالية، وهي سمكة آسيوية الأصل، وتستهلك كطعام في الصين. يعمد بعض مربّي الأسماك النهرية في حوض المسيسيبي في الولايات المتحدة إلى الإعتماد على هذه الأسماك للسيطرة على عدد الأسماك في الأحواض. إلا أن طوفان النهر في إحدى السنوات، حمل معه كميات من أسماك رأس الأفعى إلى الأنهر والبحيرات المجاورة، مما أدى إلى تكاثرها بشكل انفجاري، بما أنها تعيش بعيداً عن بيئتها، وبالتالي بعيداً عن كل ما يبقي عددها تحت السيطرة. أدّت هذه الحادثة إلى تكاثر سمكة رأس الأفعى، غير الصالحة للاستهلاك الأميركي، على حساب الأجناس الأخرى من السمك.
يعرّف الملوِّث بأنه عنصر، أو مركب، كيميائي المصدر، يتواجد بتركيز أعلى مما هو في الطبيعة. فثاني أكسيد الكربون هو من المركّبات الموجودة في الطبيعة، وبتركيزات معيّنة، إلا أن التلوّث بثاني أكسيد الكربون يحدث حين ترتفع نسبته في الجو عما هو موجود في الأصل. إلا أن التعريف التقليدي للملوّثات، أي كونها مواد كيميائية، لم يعد يكفي في وصف أسباب التلوث. فالتعريفات الحديثة لمفهوم التلوّث أضافت عدة مسبّبات، بالإضافة إلى المسبّبات الكيميائية، وأهمها: الملوّثات بالطاقة والملوّثات البيولوجية، أو من خلال الأجناس الحية الدخيلة.
تتعدد مصادر التلوث، لناحية المكان أو النطاق الجغرافي. فبعض مصادر التلوث قد تكون ثابتة وفريدة، أي أن مصدرها واحد معروف ومحدّد كالمصانع مثلاً. وبعض المصادر قد تكون متعدّدة كعوادم السيارات. أضف إلى ذلك أن مصدر التلوّث يمكن أن يصنّف باعتباره طولياً، أو خطياً (Linear)، كطريق سريع تسير عليه ألوف السيارات، أو يمكن أن يكون نطاقياً أي على مساحة محددة، كمجموعة من الطائرات التي تنطلق من مطار أو تحط فيه، ضمن مساحة جغرافية محددة.
من المهم الإشارة إلى أن تعدّد مصادر، وأنواع، وتصنيفات التلوث، سينعكس في النهاية على أحد أوجه الطبيعة الثلاثة: الهواء والمياه (العذبة والمالحة) والتربة. هكذا، فعند دراسة كل من التصنيفات المذكورة أعلاه، المصدر والنوع والتصنيف، لا بد من دراسة إنعكاسه على واحد، أو أكثر، من أوجه الطبيعة الثلاثة.
د. شوقي عطيه
Loading...