طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: مؤتمر أدباء طرابلس

كلمة منسق المؤتمر الدكتور اميل يعقوب

«خلعت طرابلس سوادها ونضت حدادها، وانتضت مدادها وعنادها وامتطت جوادها… وأسفرت عن وجهها الصبوح، وأطلقت العنان لإنغام سوق النحاسين، فسارع أهل سوق العطارين بالبخور، وفارت رغوة الصابون من خانه، لتغسل الملابس المحاكة في خان الخياطين، وطردت من منامها الأحلام المريضة والكوابيس المخلَّقة في العقول القندهارية، وكشفت حقيقة الذين عبثوا في أطلسها، وراهنوا على فوضاها، فأبطلت مكرهم، بعد ان دفعت عمراً واقتصاداً وسمعة، ولكنها، بمجرد أن عقدت الدولة عزمها، كانت المستجيبة الصادقة، وأكدت للملأ أن بيئة الليمون والصابون والزيتون، لا تحضن الدمن، وقذارة العفن، فعرَّت ظهور القتلة والمجرمين، وزلزلت الأرض من تحتهم، بعد ان كانوا يعيثون فساداً، ويزعمون أنهم حماتها وقادتها ومستعيدو كرامتها….».
هذه المقطوعة الأدبية، بل هذه الصلاة الطرابلسية، سمعتها من فم أديب طرابلس النقيب الصديق الوزير رشيد درباس في برنامجه الاسبوعي من صوت لبنان «ناقوس في الأحد»، فوجدتها تعبر أصدق تعبير عن مشاعري نحو طرابلس، فنقلتها بحرفها ودُرها كي تشاركوني الصلاة من أجل طرابلس، مدينتنا الغالية.
أما قول النقيب بعدها: «قريباً تسترد المدينة عافيتها، وتحرك اقتصادها، وتدعو شعراءها، وتزهو بعباقرتها»، فقد صدقت النبوءة فيها، وها هي مؤسسة الصفدي الثقافية، ونادي ليونز طرابلس فيكتور يكرمان الكوكبة الرابعة من أدباء طرابلس.
هذا ما قلته بالحرف في افتتاح مؤتمر طرابلس في جزئه الرابع، وها أنا أردده اليوم. ألم أقل ان مقطوعة أديبنا الكبير هي صلاة؟ ألا نردد الصلوات في كنائسنا وجوامعنا ومناسباتنا؟
كرّمنا، في المؤتمر الأول، النقيب الشاعر معالي الوزير رشيد درباس، والدكتور نزيه كبارة، والشاعر عبدالكريم شنينة، والأديب مارون عيسى الخوري، والدكتور الشاعر خريستو نجم، والنقيب الشاعر عبدالفتاح عكاري.
وكرّمنا، في المؤتمر الثاني، الدكتورة الشاعرة عزة ملك، والدكتور الشاعر سعيد الولي، والأديبة ناديا شعبان، والدكتور السفير الأديب خالد زيادة، والمربي البحاثة المرحوم كوستي بندلي، والأديب حسين الجسر.
وفي الثالث سيادة المطران جورج خضر، والقاضي الأديب الدكتور طارق زيادة، والأمينة العامة للجنة الوطنية للأونيسكو الدكتورة الأديبة زهيدة درويش.
وفي الرابع البحاثة الدكتور عمر تدمري، والدكتور الأديب جان جبور، والدكتورة أمان كبارة شعراني، والمربي الأستاذ شفيق حيدر.
وتضم الكوكبة الخامسة اليوم:
– الناشط الثقافي مؤسس ورئيس «مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية»، الدكتور الحقوقي سابا زريق.
– الدكتور البحاثة بسام بركة.
– الكاتب المسرحي شكري أنيس فاخوري.
– الدكتورة الباحثة في الفلسفة الأديبة وفاء أفيوني شعراني.

كلمة «مؤسسة الصفدي» د. مصطفى الحلوة

ان هذا المؤتمر – كما سواه من فعاليات مماثلة – يعكس انتصارنا لثقافة الحياة، في مواجهة ثقافة الموت، وفي رذل كل الذاهبين طوعاً إلى الجحيم!
ونأتي إلى المحتفى بهم، فنتوقف عندهم لماماً! فعن د. سابا قيصر زريق، فهو قد شُرف بحمل اسم علمٍ من أعلام مدينتنا، اسم جده، «شاعر الفيحاء» سابا زريق!
فهذا الحفيد «الزُريقي»، الذي يرقى نسباً إلى أرومة عربية ضاربة جذورها في تاريخنا، قد كرمه ذلك الجد، منذ نصف قرن، وقبل أن نفعل! خاطبه، وهو يحتسبه وريثه، ومعيده إلى الحياة، بعد رحيله:
(سابا) ترى الأيام سابا (م) جده في أصغريه!
وقد صدقت الأيام وعدها، وها هو الحفيد، بأصغريه: عقله ولسانه، يعيد الجد إلى فناءات الحياة، فيُصدر آثاره الكاملة ويُنشىء مؤسسة ثقافية على اسمه!
وعن د. بسام بركة، زميل الدراسة، في المرحلة الثانوية، منذ ما يزيد على أربعة عقود، فقد عرفناه ذلك التلميذ المجد، وواكبناه في الجامعة اللبنانية، طالباً، ومن ثم أستاذاً لامعاً، وعالماً ألسُنياً، لا يُشق له غبار، وها إننا نلتقيه اليوم، بعد طول مطاف، في رأس هرم المترجمين العرب، أميناً عاماً لاتحادهم!
وعن شكري أنيس فاخوري، ابن الميناء مدينة الموج والأفق، فهو الكاتب والروائي والأستاذ الجامعي، الذي يحفل سجله بكتابات رائعة وسيناريواتٍ راقية، لأهم المسلسلات التي تُعرض على شاشات التلفزة اللبنانية والعربية، رافعاً الدراما اللبنانية إلى مصافٍ عالٍ. ويحلو لي ان أخُصه بتحية، هو ملقيها، هي بيت من الشعر، من بيتين استهل بهما لقاءً، مع جمعية «تجاوز»، في آذار من العام 2007:
كم سرني هذا اللقاء بمثلكم فبمثلكم نبض الحياة الباقي!!
وأما عن د. وفاء أفيوني شعراني، عقيلة عظيم من بلدي، هو المرحوم العميد سمير شعراني، صاحب الأيادي البيض على الفيحاء، فقد زاملناها في الجامعة اللبنانية أستاذة للفلسفة متمكنة! لها في ميدان الكتابة صولات وجولات، تتفرد بأسلوب، لا تتشاركه مع سواها، وننتظر إطلالتها المشرقة، كل أربعاء، عبر مجلة «البيان» الغراء!
وإلى ذلك، فهي محبة لمدينتها، تطل عليها بفعالية، عبر «جمعية طرابلس السياحية» آملين مزيداً من عطاءات هذه الجمعية، فتعود سيرتها الأولى!
إننا، في «مؤسسة الصفدي الثقافية»، باقون على العهد في نصرة الفكر الحر والراقي، ملتزمين قضايا الإنسان والمجتمع والوطن، وعاملين لقيم الحق والخير والجمال!

كلمة المحامي الشاعر شوقي ساسين (على الدكتور سابا زريق)

قبل أن يسأل أحد أجيب: ليس غريباً ان يكرم محامٍ حامل شهادة الدكتوراه في علم القانون، ضمن فعاليات مؤتمر لتكريم الأدباء. إذ ليس الأدب شعراً ونثراً ومسرحيات فحسب، بل هو أصلاً الرفاه في المشاعر والتواضع في السلوك، وهو الإبداع في كل فن، وطواف الأقلام في فضاءات الفكر والعلم، حول مدارات النفس البشرية وتجليات أحوالها المتوالدة بلا انتهاء. وبهذا المعنى يكون أديباً أيضاً من يغط قلمه في محابر القانون.
وسابا في كل حلٍ، منذ أحضان بيته الأول، جليس الشعر. ومثلما أراد جد مارون عبود لحفيده أن يرث عنه عصا الكهنوت وحكمة الرعاة، هكذا أراد شاعر الفيحاء لحفيده ان يرث عنه عصا المنابر ولوثة الأدب. ولكي يدربه على تدبر هذا الميراث كان يستنيبه في المناسبات المهمة لإلقاء بعض القصائد، كما فعل في ذكرى اليوبيل الفضي لجريدة الإنشاء حين وقف الصبي سابا رصيف الكبار مقاماً وعلماً وعدَّ سنين، ملقياً قصيدة جده في الأدهمي. لكن الجدَّين كليهما خاب رجاؤهما، ففر مارون عبود من الكهنوت إلى الأدب، وفرّ سابا زريق من الشعر إلى المحاماة.
لن أقدم في مداخلتي ثبتاً بالكتب والدراسات والمقالات الحقوقية العديدة التي كتبها الدكتور سابا، وجُلُها بغير العربية. بيد أني أُهيب بكم ان: تخيّلوا حديقة مشاعة منسقة المقاعد والمماشي، فيها من كل عطر صنفان ومن كل زهرة ألف لون، ينتعل شجرها أعشاباً خضراً، وتعتمر أفياؤها أوراقاً رفافة على عذبات الغصون. وتخيلوا أيضاً بستانياً يتعهد الغراس برفق الأب وحكمة الباحث وجراءة المجدد. وتخيلوا أخيراً مواسم الأريج حين يدلف الربيع. افعلوا تعرفوا بعضاً من سابا.
أما بعضه الآخر فلقد بسط صورة عنه في عشرات المقالات المنشورة على صفحات النهار، متناولاً فيها مسائل وطنية واجتماعية وطيدة العلائق بالسياسة التي يحاول النأي عنها. مقالات ميزتها الواضحة انها تحوي نظرة موحدة يتقدم فيها الانتماء الوطني على أي انتماء آخر، مهما كان عنوانه. ويُعيد هذه النظرة إلى طفولته التي انطبعت بتأثير الواقع الاجتماعي الحقيقي لطرابلس. يقول:
«الوحدة الوطنية عنوان جذاب ومادة دسمة يغرر بالدعوة إليها سياسيون هم أبعد عنها من أي من ناخبيهم وأقلهم تمسكاً بها. ترعرَعتُ في بيئة لم تكن تعير الموضوع الشائك أي اهتمام ملحوظ، إذ كان المسلمون والمسيحيون يتفاعلون في عاصمة الشمال الفيحاء، في جوٍ من التآخي، يشاطرون بعضهم بعضاً الأفراح والأتراح، ويُقدمون في مواسم الانتخابات على التصويت لمرشحيهم بمعزل عن طائفة كل منهم.
ولم تكن الحالة على هذا الوضع من التفاهم في مناطق أخرى من لبنان».
هذه هي حقيقة طرابلس أوجزها الدكتور سابا في بضعة سطور. أما أنا فأفضت أكثر وقلت فيها مرة إنها «ظلّت على هذا الساحل المتوسطي المدينة الجامعة، كما دعا لها اسمها أن تكون. قلباً ينبض بالحياة فيضخ الدم في كل جسد الشمال عبر شرايين الاقتصاد والعلاقات البشرية والتواصل الفكري والثقافي».

كلمة المكرّم د. سابا زريق

بعد تسلمه الدرع التكريمية ألقى الدكتور سابا زريق كلمة قال فيها:
لم أشأ، عندما تلقيت اتصال الدكتور اميل يعقوب في أوائل شهر تشرين الأول من هذه السنة، ليزف إلي نبأ اختياري كأحد المكرمين في مؤتمر أدباء طرابس الخامس، ان اسأله عن الأسباب المبررة لهذا الاختيار، مخافة ان يراجع نفسه ويعدل عن المضي في تكريمي. وأنا المشبع أدباً دون ان أكون أديباً، على ما كنت أفقه لهذه الكلمة من معنى، فسارعت إلى الاستنجاد بقواميس أفادتني بمعنى «الأديب» ألا وهو «الحاذق بالأدب» أو «المتضلع من اللغة والآداب». وعندها أدركت ان ما رمى إليه المكرمون هو تقدير مقدري الأدب، وهم، بتكريمي هذه الليلة، إنما يكرمون كل من يشجع ويعزز مقام لغة الضاد وان كانوا على حد قول جدي الراحل:
خلعوه محبوكاً على ضعفي وما ضنوا بوارفه على نقصاني
فنقصاني، اخواتي وأخوتي، هو اليوم مدين لوارفهم.

طُبع كتاب «مؤتمر أدباء طرابلس» 

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»

Loading...