طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: الرحالة الأندلسيون

إن تاريخ ارتياد المسلمين الأندلسيين، المغاربة والأفارقة لبحر الظلمات والضباب، ووصولهم إلى «الأرض المجهولة» وإستيطان جماعات منهم فيها، تاريخ طويل، يستدعي وحده بحثاً خاصاً، ولذلك سنذكر منه ما ينبغي ذكره، للإشارة من خلال مقارنة بسيطة، وإستنتاج بسيط واضح، إلى أن كريستوفر كولومبوس، لم يكُن أوّل مَن اكتشف النصف الآخر للكرة الأرضيّة، وإنما أعاد اكتشافه، متبعاً في رحلته إليه، الطريق البحري، الذي سلكه قبله البحّارة المسلمون.
يظهر جزء من هذا العالم في الخريطة العالمية التي رسمها أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (871 – 957)، وقد سماه المؤرخ والجغرافي الشهير «الأرض المجهولة». التي ستتوسع حدودها، وتتّضح معالمها، ويُعرف أهلها في أزمنة إسلاميّة لاحقة تتالت فيها الرحلات إليها.
من المعروف والثابت علمياً، ان أول بحاريْن إرتادا بحر الظلمات والضباب، كانا أندلسيين، وأن البحّارة الأفارقة اخترقوا بالتالي آفاقه ما بين القرنين الحادي عشر ومطلع القرن الرابع عشر، وأن معلوماتهم المتزايدة عن كثير من وجوه الحياة في الأرض المكتشفة، أغنت التراث العلمي الإنساني، العربي والعالمي. أصبح هذا التراث تدريجاً موضوع دراسات غربيّة، تتمحور حول وجود الإسلام وثقافته في القارة الأميركيّة قبل كولومبوس، وتنفي أن يكون البحّار الجنوي أول مكتشف للعالم الجديد.
1 – يذكر المسعودي في كتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر». أن القرطبي الخشخاش بن سعيد بن أسود، هو أوّل مَن غامر مع بعض رفاقه في عام 889، وقام بالرحلة الاستكشافيّة الأولى في بحر الظلمات، منطلقاً من مرفأ «ديلبا» الجنوبي الغربي، (صار إسم هذا المرفأ بعد سقوط الممالك الإسلاميّة، بيد الملوك الإسبان، بالوس دي لافرونتيرا). إذ ذاك وصل البحّارة إلى أرض مجهولة، وعادوا منها بكنوز.
2 – وبعد قرن بالضبط من تاريخ تلك الرحلة، يبحر الغرناطي ابن فروخ في شهر فبراير من عام 999 من مرفأ مقاطعة قادس الجنوبيّة، المتاخمة لهويلفا: يذكر المؤرّخ أبو بكر بن عمر القوطيّة، أن البحّار الغرناطي إنطلق من مرفأ قادس، باتجاه غاندو (إحدى جزر الكناريا)، توقف فيها ليجتمع إلى ملكها غواناريغا، قبل أن يتابع رحلته غرباً، ويعود بعد ثلاثة أشهر إلى الأندلس، ليخبر، أنه رأى خلال إبحاره، جزيرتين سماهما كابرايرا وبلويتانا.
3 – يفيدنا الشريف الإدريسي الجغرافي وراسم الخرائط الشهير (1099 – 1166)، أن مجموعة من البحارة الشمال أفريقيين، إنطلقوا من مرفأ لشبونة في البرتغال، ليعبروا البحر الشاسع، الذي أصبح ارتياده مألوفاً إلى حدّ ما، وكما يمكن أن نستنتج: لقد كانت الرحلة علميّة الطابع، فالبحارة كانوا يريدون أن يكتشفوا ما الذي يحويه ذاك البحر في أعماقه، وما هو مدى حدوده. وصل البحارة إلى جزيرة فيها زرع كثير، ومأهولة بالسكان، الذين تحدث إليهم مترجم منهم باللغة العربيّة، وهذا الأمر يعني الكثير.
4 – في كتابه رياض العلماء، يورد العلاّمة الإيراني آغا حكيم الميرزا، أن المراكشي الشيخ زين الدين علي بن فاضل المزندراني، أبحر من طرفاية، الواقعة في جنوب البلاد، ووصل إلى الجزيرة الخضراء في بحر الكاريبي.
5 – كذلك، فإن المؤرّخ الدمشقي المولد، الذي عاش في القاهرة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فضل العمري (1300 – 1384)، يصف تفصيلاً الاستكشافات الجغرافيّة التي رعاها سلاطين مالي المانديكانيين، لمعرفة المزيد عن كل وجوه الحياة في تلك الأرض المجهولة، وعن ثرواتها الطبيعيّة: من المرجح أن المعلومات التي عرفوها، هي التي شجّعت السلطان أبو البكاري الأوّل (1285 – 1312)، للقيام بحملتين بحريتين.
يمكننا القول، بعد هذا العرض المقتضب والضروري للمعطيات التاريخيّة والجغرافيّة التي أوردناها، أن كولومبوس، لم يرتد بحر الظلمات والضباب، منطلقاً من فراغ، وبالتالي يمكننا الاستنتاج، انطلاقاً من مضمون الاتفاقيّة التي وقعها مع الملكين الكاثولكيين، أنه كان يعرف الكثير عن طبيعة الأرض المجهولة وثرواتها الطبيعيّة، والتي لا ذكر لها إلاّ في كتب التراث العربيّة الإسلاميّة.
ونشير هنا إلى ما أورده ماوريثيو أوبريغون Mauricio Obregón، المؤرّخ، الديبلوماسي، المهندس والملاح الكولومبي (1921 – 1988) بهذا الخصوص: يوضح أوبريغون، أن الإسبان والبرتغاليين، استطاعوا الإبحار مسافة 2400 كلم في الأطلنطي، بفضل المعلومات عن الاستكشافات الجغرافيّة للمسلمين، وعن تجاربهم الملاحية، وبفضل الخرائط العلميّة والتجارية، التي رسم المسعودي أولاها، والتي امتلكها التجّار المسلمون بالتالي.

الإسلام في القارّة الأميركيّة قبل كولومبوس

يشير بعض المؤرّخين الغربيين، من فرنسيين وأميركيين، من إسبان ولاتينيين أمريكيين، إلى أن الإسلام كان منتشراً في شمال القارّة الأميركيّة وجنوبها، قبل وصول كولومبوس إليها، وأن الإسبان كانوا على بيّنة من انتشار إسلام الأندلس في أميركا الجنوبيّة، وكان مسلمون أندلسيون ومراكشيون، وزنوج من غرب إفريقية، متواجدين فيها في عام 1492، الذي شاء الغرب أن يسميه عام اكتشاف أميركا، ليوحي أن تاريخ التواصل بين العالم القديم والعالم الجديد، بدأ منذ «توهّجت شعلة النبوغ» في ذهن كريستوفر كولومبوس، واستشعر إمكانيّة الوصول إلى «الهند»، عن الطريق البحري الغربي، بعد أن كان قد قرأ وعلّق بخط يده، على ثلاثة كتب ما زالت موجودة في المكتبة الكولومبوسيّة في أشبيلية، وهي: «صورة العالم»، للكاردينال بيدرو دي أيلي Pedro de Ailly، و «التاريخ العظيم» لا ينياس سيلفيو بيكولوني (البابا بيوس الثاني)، وكتاب المليوني (كتاب العجائب) لماركو بولو.
لقد ظلّت حكاية مأثرة هذا الاكتشاف العظيم، الذي غيّر تاريخ الإنسانيّة، مكرّسة طوال أربعة قرون، حقيقة وحيدة في العالم والغرب، حتى أشار الباحث الفرنسي جيل كوفيه Gil Cauvet، في كتابه «برابرة أميركا» الصادر في باريس عام 1912، إلى أن المؤرّخ المسلم شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن فضل العمري (700 – 786/1300 – 1384م)، وصف بالتفصيل استكشافات سلاطين مالي الجغرافيّة، أبعد من بحر الظلمات، وذلك في كتابه الشهير مسالك الأبصار في ممالك الأمصار.
والواقع أن الزنوج «المانديغا» الذين كانوا من مواطني إمبراطوريّة سلاطين مالي، لم يكونوا المسلمين الوحيدين، الذين استطاعوا في أواخر القرن الثالث عشر أو مطلع الرابع عشر، الإبحار من شواطئ أفريقيّة الغربيّة، وعبور بحر الظلمات إلى ضفّة المحيط الأخرى، والاستقرار في بعض مناطقها، وخاصة في البرازيل. إن العديد من الدراسات العلميّة، التي بدأت تظهر تدريجاً، ولو في فترات زمنيّة متباعدة منذ عام 1912، لتفتح آفاقاً جديدة، أمام البحث في موضوع تواجد المسلمين في القارة الأميركيّة قبل عام 1492، تثبت كل يوم أكثر، وبما لا يقبل الجدل، أن المسلمين الأندلسيين، والمراكشيين، والزنوج، كانوا أيضاً يستوطنون القارّة، وأنهم جذّروا فيها ثقافة الإسلام، التي تعرّف كولومبوس ذاته إلى سماتها في مناطق عدّة، وأرّخ لوجود هذه السمات في مذكراته.
ولا عجب في أن يتعرّف البحّار الجنوي في القرن الخامس عشر، إلى سِمات الثقافة الإسلاميّة، في الأرض التي كان يعتقد أنها «الهند»، فالمؤرخة الإسبانيّة، لويزا الفاريز دي ميدينا/توليدو، دوقة ميديناسيدوينا، وموقعة كتاب في غاية الأهمّية هو «أفريقيا أبحرت إلى أميركا» – كانت تملك أهم أرشيف في أوروبا والعالم، يحتوي على وثائق الرحلات فيما وراء البحار، ورثته عن أجدادها – تذكر في مقابلة أجراها معها رولاندو أنيثيتو، منتج برامج في «ب. ب. ث. موندو»، أن التجّار المسلمين الأندلسيين، كانوا يرتادون منذ نهاية القرن التاسع، الشواطئ المعروفة اليوم بالبرازيل، فنزويلا، والأنتياس Antillas الصغرى.
وفي مقابلة أخرى، أو في حديث آخر، عنوانه كريستوفر كولومبوس لم يكتشف أميركا، ونشره موقع فونويوسا Fonollosa، تذكر الدوقة، أن إحدى وثائق أرشيف سيمانكا الإسباني، تشير إلى أن الملكة الكاثوليكيّة ، تأمر في تاريخ سابق «للاكتشاف»، بإنشاء أسطول بحري، ليتوجّه إلى أنحاء عديدة من أفريقيّة وإلى غينيا، ليجلب لها من هناك ذهباً، عبيداً، عشبة كوتشينيّا وفلفلاً أسود. وتضيف الدوقة، أن تلك العشبة لم تكُن موجودة في إفريقيّة، وإنما في أميركا، وأن هذا ما أكّده فرنانديز دي أوفييدو، حاكم قشتالة الذهبيّة (كولومبيا)، راسماً هذه العشبة، في مطلع القرن السادس عشر، ومشيراً أيضاً إلى أن الأهليين في تلك الأرض، يُصلّون في مساجد، ويسمون الشخص النافذ بينهم Quevi ، واللفظة هي تحريف لكلمة كبير العربيّة.
وتؤكّد الدوقة، التي قضت ثلاثين عاماً، تدرس وثائق تملكها، وتطلع على وثائق أرشيف سيمانكا ولاس أندياس الإسباني، أنه كان هناك في القرن الخامس عشر، عدم تمييز بين حدود القارّتين الإفريقيّة والأميركيّة، وأن ما كان القدامى يعتقدون أنه أفريقيّة، هو في الحقيقة أميركا.

المسلمون الأندلسيون والأفارقة قبل كولومبوس في أميركا 

كولومبوس لم يكتشف شيئاً

منذ أواخر القرن الخامس عشر، كانت الفكرة السائدة في العالم، وانطلاقاً من معلومات تاريخيّة مبتورة ومغلوطة، إن البحّار الجنوي كريستوفر كولومبوس، هو وحده بطل اكتشاف القارّة الأميركيّة، ووحّدت الأبحاث الغربيّة اسمه، مع حدث من أهم الأحداث التاريخيّة، التي غيّرت في عام 1492، حدود خريطة الكرة الأرضيّة، كما غيّرت وجه الحياة في العالم، بعد أن أصبح الأطلنطي ممرّاً بحريّاً، يربط بين العالم القديم، والعالم الجديد الذي أعيد اكتشافه، وبات عبوره أمراً مألوفاً لكل السفن التجاريّة والعسكريّة، ولسفن الهجرة من مرافئ المتوسط وشواطئ إفريقيا.
منذ أواخر القرن الخامس عشر، وطوال أربعة قرون، غاب ذكر المسلمين الأندلسيين والأفارقة، الذين وصلوا قبل كولومبوس بخمسة قرون إلى الأرض المجهولة أو القارة الأميركيّة، عن عشرات ومئات الدراسات الغربية، التي تناولت موضوع اكتشاف البحّار الجنوي لأميركا. لقد تمحورت غالبيّة هذه الدراسات، وبشكل غير واضح، حول الرغبة الأوروبيّة في الوصول عن طريق بحري جديد إلى الهند، لأن القراصنة الذين يجوبون المتوسط، كانوا يتحكّمون بالطرق التي تعبرها البواخر التجاريّة، في رحلاتها إلى تلك الأصقاع.
في الماضي، كانت الرؤية لموضوع «اكتشاف» أميركا محدودة، إذ بُنيت الأبحاث، عن قصد أو عن غير قصد، على هامش الصراع السياسي – الديني، أو الديني السياسي، بين الغرب المسيحي ممثلاً بمملكتي إسبانيا والبرتغال، وبين الشرق الإسلامي، الذي كانت تمثّله الإمبراطوريّة العثمانيّة. إذ ذاك، كما على هامش استفادة كولومبوس من الإرث العلمي الجغرافي لمسلمي الأندلس، الذين أرّخوا لوصول بحارة من وطنهم ومن إفريقيا، إلى «أرض مجهولة»، تقع في أطراف بحر الظلمات، واستوطنتها بالتالي جماعات إسلاميّة، وجذّرت فيها ثقافة الإسلام، كما أثبتت ذلك بعض الدراسات الغربيّة المعاصرة.
إن التوقّف لبعض الوقت للحديث عن الصراع السياسي، الديني والعسكري بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، كما عن اطلاع كولومبوس على الإرث العلمي الذي وقّعه جغرافيون مسلمون، أمر لا بدّ منه، لأن هذين الموضوعين أساسيين ومتعادلين أهميّة، ولا يمكن إهمال البحث فيهما، لأنهما يشكلان الخلفيّة التاريخيّة لفعل إعادة اكتشاف كولومبوس للقارة الأميركيّة، بدعم من الملكين الكاثوليكيين، وهذا ما يساعدنا على أن نضع موضوع البحث في إطاره التاريخي الصحيح.
من بين مواقع جغرافيّة عديدة، في البانوراما المعقدة والمتناقضة للقرن الخامس عشر، المليء بالتحوّلات الكبرى الاقتصاديّة والتقنية، يستوقفنا مسرح أحداث تاريخيّة هامّة، لفت إليه النظر الباحث شارل جيبسون، معتبراً أن حدوده هي: البحر الأبيض المتوسط، الأندلس التي كان الملكان الكاثوليكيان يحاربان فيها لاحتلال مملكة غرناطة، آخر معاقل المسلمين الإسبان في شبه الجزيرة الإيبيرية، وشواطئ أفريقيا، التي عاد البحارة البرتغاليون يرتادونها منذ عام 1482.

طُبع كتاب «الرحالة الأندلسيون»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»

والتصميم والإخراج قامت بهما شركة «Impress»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.