طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: الإتجاهات التصويرية في العالم الغربي

هذا الكتاب ليس إلا دعوة لصحوة فنية جديدة تبحث في الأنا والآخر، ودعوة لطلابنا من أجل إكمال البحث عن ذاتنا وفنوننا، وأن لا نترك مجالاً للآخر أن يُقَيِّمنا على مسلكه ووفقاً لمصالحه. فنحن في هذه البقعة من العالم نشكل نموذجاً مختلفاً، ولنا القدرة من طرفنا على البحث والتنظير والتقييم والتقويم. كما أننا واعون لمدى مساهمتنا ومشاركتنا في الحركة الفنية العالمية، ونود أن نكشف عن إبداعنا بالطريقة التي نراها تعبَّر عن أصالتنا ومن وجهة نظرنا في هذا العالم الواحد…
لم تعد مشكلة الهوية هاجسنا، ففي مرحلة سابقة أتممنا مسألة استرجاع التراث، أما في هذه المرحلة، أصبحت هويتنا جزءاً لا يتجزأ من كياننا. من هنا، فإننا نخاطب العالم بثقة الشريك، نطرح عليه أشكالنا ونفرض أدواتنا، ما جعلنا في علاقة استشراقية جديدة مع الغرب: هو من ناحيته يحاول أن يفهم ما يحدث، لكننا نحن من جهتنا أيضاً لنا خطاب الإستغراب، بمعنى أننا نرى الغرب من وجهة نظرنا المختلفة ونعرب عنها…
أما عن الصعوبات التي واجهتنا، فقد فاقت تصورنا، لم يكن اختيار الأعمال التي استشهدنا بها بالأمر السهل، ولم يكن اختيار المصطلحات التعريبية لكل الإتجاهات والمدارس شيئاً عادياً. فلطالما غيَّرنا التسمية بعد النقاشات الطويلة مع أصحاب الإختصاص، ومع الطلاب أحيانا.
أما عن اختيار الأعمال لبعض من الفنانين من لبنان، تمَّ ذلك وفقاً لتقارب أسلوبهم مع أشكال المدارس الغربية، وهناك العديد من الفنانين اللبنانيين الكبار والمبدعين الذين لم نحصل على موافقتهم من جهة، لا بل لم نرَ ما يشبه أعمالهم ضمن المدارس التي تطرقنا إليها.
صادفتنا مشكلات تعود إلى التحقق من تاريخ ميلاد أو وفاة أحد الفنانين. ولقد قارنا بين خمسة كتب اعتبرناها أساسية في تاريخ الفن، واخترنا بعد التحقق التاريخ المذكور في أكثر من كتاب أو مرجع إلكتروني حين كان الأمر يرجع لأحد الفنانين المعاصرين.
في النهاية، تبيَّن لنا أن الفن العربي واللبناني قد تجاوز في المرحلة الراهنة هذا الفرق التاريخي في مجال الإبداع. في أيامنا هذه، غدت الكتب والإتصالات متوفرة، ناهيك عن الإستعراضات الفنية التي تجمع الفنانين من كل أنحاء المعمورة، والتي أصبح العالم العربي مسرحاً هاماً لها. لم نتكلم عن الخليج العربي وعن البيانالات العربية التي شهدت نهضة وفرادة هامة. ولم نستشهد ونتكلم عن مدارس السودان وموريتانيا، لقلة المعلومات المتوفرة. ولم تتح لنا الفرصة في هذا الكتاب لذكر المشهد التشكيلي في دبي ولا في الشارقة وغيرها، علماً أن هذه المراكز أصبحت على الخريطة الإبداعية العالمية. نتمنى في دراسات لاحقة سد الثغرات، كما نتمنى أن يكون هذا الكتاب سنداً لطلابنا الذين سيكملون المسيرة والبحث والتنقيب عن الحال والذات الخلاقة…
د. هند الصوفي

مجموعة العشرة في طرابلس

طرحت هذه المجموعة اللبنانية موضوع العودة إلى التراث كنظرية حتمية لتركيب لوحة عربية محلية لها هويتها. وتكاد تكون المجموعة الوحيدة التي أُنشئت في لبنان العام 1973 وفرضت ذاتها على الساحة المحلية وتركزت في طرابلس/العاصمة الثانية، واحتضنتها المراكز الثقافية التي راجت آنذاك خاصة المجلس الثقافي للبنان الشمالي والرابطة الثقافية والغاليريات الناشئة في مجال الديكور والفن الحديث. في العام 1975، أصدر «العشرة» بياناً أعلنوه في دار الفن والأدب/بيروت، مشددين على الإستيحاء من تراث الماضي المحلي، في تركيب إيحاءات معاصرة. وكان هذا الخطاب الجامع للفنانين في الحواضر العربية، قد نشأ في بغداد كما ورد سابقاً. وكسائر الفنانين العرب، استلهم كل منهم التراث على طريقته، وفهمه من وجهة نظره، وبدا شكلياً أمام عدد من النقاد نظراً إلى أن التقيد بالتراث لم يطل المضمون والمفهوم بقدر ما التزم بالشكل والتعيين. وكان لموضوع العمل الفني بشكل أساسي موقعه وانتماؤه، وغالباًً ما اكتفى الفنانون بالعمل من وحي مناسبة وطنية عربية قومية هامة (كالقضية الفلسطينية) أو حتى التعبير من خلال مناظر تحمل سمات محلية (الصحراء…).
فعلياً وبناءً على أقوال عميدهم الدكتور عبد الرحيم غالب، لا تشكل مجموعة العشرة مدرسة بالمعنى البياني والأسلوبي للكلمة، إذ ما يوحد فيما بينهم هو فقط «فكرة الرجوع إلى التراث» التي اختلف وقعها بين الفنانين لنجد ونشهد تبايناً حاداً في أساليبهم وفي اصطفافهم المبدئي والفكري. فبينما يرفض عبد الرحيم غالب اللوحة بمعناها الكلاسيكي الغربي، يرى فيصل سلطان وهو فنان وناقد أنَّ الفن هو فعلياً إعادة تشكيل الواقع. وبعد أفول الخطاب القومي العربي، وبعد السجالات الحادة بين تحديات الحداثة واعتراض التراث لها، ازدادت الفوارق بين الفنانين، وككل مدرسة أو إتجاه أو مذهب فني عرف ذروته، شرع كل من الفنانين إلى بلورة رؤيته الفنية وتمايزه على حدى، مستغنيا عن التسعة الآخرين…
أقامت المجموعة 17 معرضاً في طرابلس وخارجها (بيروت ودمشق وباريس وأثينا…) نذكر منها معرضاً في «دار الفن والأدب»/1975. أما أول معرض لفن الحرب فقد أقيم في الصالة الزجاجية في بيروت العام 1978، ونظمته السيدة الكبيرة جانين ربيز بالتعاون مع عارف الريس الذي كان رئيساً لجمعية الفنانين في ذلك الوقت. أما بعد الحرب، فنظموا معرضاً في «الرابطة الثقافية/طرابلس» حمل عنوان «الأرغفة الساخنة»، تيمناً بمقتل الفنان إبراهيم مرزوق بقذيفة أمام فرن في بيروت. يومها، أصيب الحضور بصدمة كبيرة. وحيث أنه لا يمكن فصل الفنان عن العواصف التي تحيط به، تأثر هؤلاء اللبنانيون بالخطاب العراقي القومي محاولين تجاوزه والتقدم به خطوة إلى الأمام، وجهدوا في ظروف صعبة للتخصص في الخارج، وفي باريس تحديداً. وشاركوا في السجالات القائمة ما بين الواقعية والتجريد. كما عرضوا في العديد من العواصم العربية والغربية بين السبعينات والتسعينات.
ثابرت هذه المجموعة على العمل في مرحلة كان فيها الفن والثقافة يهدفان إلى التصدي لحال الإنهيار الكبير الذي كان يمر به الوطن. وحاولت التصدي على طريقتها بالمثابرة والعمل من أجل مواجهة النكبات القائمة آنذاك. كما قام المؤسسون بإنشاء فرع لمعهد الفنون الجميلة في مدينتهم طرابلس/شمال لبنان. ومما لا شك فيه أن تصورهم لفكرة الرجوع إلى التراث، أحدث لديهم ردات فعل أدت لا محال إلى بلورة أسلوب وخصوصية كل منهم.

الفن الإسلامي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر

بدءاً، لا بد من مقدمة سريعة لماهية الفن الإسلامي وتطوره وأشكاله. ما يسمى بالفن الإسلامي ينطبق على الإنتاج الفني الذي وقع منذ الهجرة 622 م وحتى القرن التاسع عشر في منطقة تمتد من إسبانيا إلى الهند وأجزاء من الشرق الأقصى. وقد ظهر طارحاً وحدة أسلوبية مُشتركة وهيمنة للكتابة والخط الذي عزز وحدة الأسلوب، إلى جانب الزخرفة الهندسية والنباتية. وقد نتكلم عن «فنون إسلامية»، على حد قول أوليغ غرابار، «سلسلة من المواقف إزاء نفس عملية الإبداع الفني.
فعلياً، يقع على عاتق الباحثين والمؤرخين إبتداع مصطلحات أكثر ملاءمة مع مفهوم وجوهر الفن الإسلامي، قد يكون «فن التوحيد» مصطلحاً وافياً أضعه بين أيدي المتخصصين للنقاش. إذ عندما شرع الغرب إلى دراسة فنوننا والبحث عنها وأرشفتها، وإطلاق التسميات عليها، لم نكن مهيئين للقيام بهذه المهمة. أما الآن فمن أوليات واجبنا أن نعيد النظر في دراسات الغرب لنا، وأن نختار ما يشبهنا من تسميات. على كل حال، لا ترتكز فنون الإسلام على الدين فقط، فالفن الإسلامي فن وظيفي، هو دين ودنيا يرتكز كسائر مرتكزات الحضارة الإسلامية على فكرة التوحيد. طوع الإسلام الفنون السائدة في المناطق التي افتتحها إلى جماليته، فاستخدم الفنانون التقنيات الموجودة برؤية جديدة (فسيفساء الجامع الأموي المتشابهة للفنون البيزنطية وقد حذفت منها الأشكال الآدمية لصالح الزخارف النباتية والهندسية)، كان ذلك منذ البدايات في العصر الأموي.
ويعود للحقبة العباسية إبتكاران جديدان، اختراع الفخار وهو خزف مُغطى بالصقيل مع أكسيد القصدير، ومزين باللون الأزرق والأبيض وبالزخارف النباتية والإبيغرافيا/ Epigraphy من جهة، والبريق المعدني الذي ظهر في القرن التاسع عن طريق تحويل منتج زجاجي إلى سيراميك، من جهةٍ أخرى.
في العصور الوسطى، شكلت الأندلس مكاناً للثقافة ونشر العلم مع كبار الفلاسفة كإبن رشد، وتوافرت الفنون واستخدمت تقنيات جديدة كالعاج. كما ازدهر إنتاج الأقمشة والحرير تحديداً بداعي التصدير للخارج. أما في مصر وسوريا، فقد أعطى الفاطميون أهمية كبرى لفن العمارة ولإنتاج التحف الفنية في المواد المختلفة كالخشب والعاج والخزف اللامع المدهون تحت السطح والصياغة والمعادن المطعمة والزجاج غير الشفاف والبلور الصخري. وكان للحرفيين المسيحيين دور كبير في هذا المجال وفي إنجاز العديد من الأيقونات إضافة إلى المنحوتات التشخيصية وصب البرونز التي كسرت مع تقليد التحريم التمثيلي للواقع. فعرف الفن تحرراً أيقونيا.
في سوريا، شجع الأمراء السلاجقة الذين كانوا يدعمون استقرار الفرنجة، الفن وظهر الخزف المطلي بالميناء في الربع الأخير من القرن الثاني عشر. وحين توَلَّى المماليك السلطة حيث بقوا حتى العام 1517، تقدمت الزخرفة بفضل الحجر المُطعم بألوانه المختلفة وفقاً لأسلوب الأبلق، إضافة إلى الخشب المطُعم بأنماط هندسية زاهية.
في إيران والهند، شهد الفن وسيلة أساسية لإثبات الذات أمام الآخرين، وطُورت العمارة الجنائزية، وأنشأ الخزافون العديد من القطع الفنية بالزجاج المَطلي أو بدهان الفخار تحت التزجيج. وعندما وصل الغُزاة المغول من آسيا الوسطى، شكلوا في شمال إيران مجموعة من البدو سميت بالقبيلة الذهبية، وطوروا حضارة غنية وحرفة الصياغة، خاصة في القرن الخامس عشر.
ولقد كان أكثر الفنون شُهرة آنذاك هو فن الكتاب والمنمنمات، واشتهر الرسامون أمثال كمال الدين بهزاد، وبدأ التأثير بالفن الغربي بعد القرن الخامس عشر، وتحديداً في القرن السادس عشر.
وبعد سقوط السلاجقة، ظهرت سلالة العثمانيين الذين اهتموا بالعمارة بشكل رئيسي، فظهرت وحدة في أسلوب القباب، كما أصبح الخزف من معالم الفن العثماني، وكانت له ألوان مميزة كالأحمر. ومنذ القرن الخامس عشر استوحي التخطيط العام للمساجد العثمانية من كاتدرائية آيا صوفيا، وتطور هذا التخطيط مع المهندس سنان آغا الذي ذاعت شهرته وقدم العديد من المباني. وازدهر فن الكتاب في تركيا منذ نهاية القرن السادس عشر ومارس العديد من السلاطين والأمراء هذا الفن رسماً وخطاً. لقبت هذه الرسوم بالمنمنمات وكانت توضيحية للنص الأدبي المرفق في الكتاب، وقد تأثرت بالمنمنمات الفارسية مع خصائص محلية.
في الهند، حكم المغول ما بين 1526 و 1858، وأصبح فن العمارة متقدماً جداً مع إنشاءات كتاج محل. وضع المغول العديد من التقنيات الخاصة في الصياغة والتطعيم الفاخر للزمرد والياقوت والماس. وفي عهد همايون، ازدهر فن الكتاب على يد مجموعة من الفنانين الفرس العائدين من المنفى، وقد رأينا للمرة الأولى التأثير الغربي في استخدام المنظور.

طُبع كتاب «الاتجاهات التصويرية»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»

والتصميم والإخراج قامت بهما شركة «Impress»

Loading...