طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: علم السكان في البحث التطبيقي والإحصائي

مقدمة

الديموغرافيا، هي من العلوم الحديثة نسبياً في مجال العلوم الاجتماعية. وهي أقرب إلى الإحصاء لناحية استخدام الأرقام والتحليل الكمي. إلا أنها لا تبتعد عن علم الاجتماع لناحية المنهج والتقنيات والأساليب المتّبعة في التفسير. ونظراً لصغر سن هذا العلم، فإن الإهتمام به لا يزال في بداياته. إلا أنه أخذ بالتزايد في العقود الأخيرة نظراً لما له من ارتباط بين السكان وكافة المسائل الاجتماعية والاقتصادية، وحتى السياسية والترفيهية في المجتمع. ونظراً للأهمية المتزايدة هذه، لا بد من تقديم عمل يسهم في إيصال تقنيات وأساليب الديموغرافيا الأساسية للجميع.
لا تخلو المكتبة العربية من مؤلفات تعالج المسائل والتقنيات في العلوم الاجتماعية. ولا تخلو حتى من الأعمال التي تبحث في مسائل علم السكان أو الديموغرافيا. إلا أن هذا الكتاب أتى من همّين إثنين؛ الأول علمي بحثي، بحيث يضع التقنيات الأساسية اللازمة للتحليل الديموغرافي في متناول الجميع، من خاصة وعامة. أما الهم الثاني فهو أكاديمي-تعليمي بحيث يأتي الكتاب ليساعد الدارسين في الديموغرافيا، وخاصة من غير المتخصصين، في فهم هذا العلم الذي يرتكز، بشقه الإحصائي، على الرقم والوصف والتحليل. ولهذا أتى الكتاب على أقصى ما يمكن من التبسيط، وإن كانت هذه المهمة بالغة الصعوبة عند تقديم أو شرح بعض المعادلات المستخدمة في التحليل الديموغرافي. إلا أننا قمنا بشرح المعادلة كاملة مع إعطاء الأمثلة في سياق تطبيقها، لعلّنا نتمكن من توضيحها أكثر أمام القراء.
يتكوّن الكتاب من ثمانية فصول موزعة على ثلاثة أقسام.
خصّصنا القسم الأول لعرض نظري حول الديموغرافيا، كعلم قائم بذاته، والمناهج المستخدمة فيه. يظهر في الفصل الأول منه لمحة تاريخية موجزة عن ولادة الديموغرافيا كما نعرفها اليوم، وعن أهم مصادر المعطيات السكانية التي يستخدمها الباحث في هذا العلم. ويعرض الفصل الثاني منهج البحث الديموغرافي وأنواع المعطيات. والفصل الثالث يشرح مفهوم البنية السكانية، وخاصة بنى العمر والجنس، بالإضافة إلى أنواع البنى الأخرى.
بعد توضيح أهمية المنهج في علم السكان، لا بد من شرح التقنيات الأساسية في الديموغرافيا، وخاصة ما يتعلق منها بكيفية تمثيل، أو وضع، المعطيات الاحصائية على جداول ورسوم بيانية خاصة بعلم السكان. لذلك جاء القسم الثاني ليبحث في هذا المجال. فجاء الفصل الرابع ليشرح هرم السكان، في ماهيته وكيفيّة رسمه وتحليله. أما الفصل الخامس، فجاء ليشرح مخطط ليكسيس وجدول الوفيات.
في القسم الثالث، والأخير، عرض تفصيلي لمركبات النمو السكاني وأثرها على النمو. وعليه، جاء الفصل السادس ليبيّن بالشرح والتحليل مؤشّرات الخصوبة، وأبرز المؤثرات عليها. أما الفصل السابع، فجاء ليشرح مسألة الوفاتية وعواملها، في حين خصصنا الفصل الثامن لمسألة الهجرة والنمو السكاني.
يعتبر هذا العمل الكتاب الأول، من اثنين يهدفان إلى تقديم مسائل علم السكان للعامة. لذلك سيتبعه في القريب العاجل كتاب آخر يبحث في أبرز النظريات والسياسات السكانية الحديثة. علّنا بذلك نكون قد أضفنا لبنة ولو بسيطة في بناء هذا العلم الهام، وقدّمنا ما يمكن أن يفيد المهتمين به من الطلاب، ومن غير المتخصصين.
النخلة، الكورة، في 24-9-2016
شوقي عطيّه

علاقة علم السكان بعلم الاجتماع

تهتم الديموغرافيا، كعلم، بالمسائل المرتبطة بالسكان. فتدرس حجمهم والتغيرات التي تطرأ عليهم بالإضافة إلى حركتهم. وتتشارك الديموغرافيا مع علم الاجتماع في عدد من الاهتمامات. فالسكان هم الجماعات التي يهتم علم الاجتماع بدراستها. وحجم السكان، وإن كان في صلب اهتمام الديموغرافيا، شديد التأثير على المجتمع وعلى العلاقات الاجتماعية فيه، وبالتالي يدخل في نطاق اختصاص علم الاجتماع. حتى أن عالم الاجتماع الأميركي «كينجزلي دايفس» يشير إلى أن عدداً من المجالات البحثية يتطلب معرفة معمقة في علم السكان وعلم الاجتماع في آن واحد، مثل الخصوبة والتغيرات السكانية ومكوّنات قوى العمل. حتى أن دايفس ذهب أبعد من ذلك، فابتكر مصطلحاً جديداً، أو حتى فرعاً علمياً جديداً، حين أدخل عبارة «الديموغرافيا الاجتماعية» إلى علم الاجتماع الأميركي عام 1963. وما ذلك إلا للدلالة على الارتباط العميق بين العلمين. يعتبر البعض أن الديموغرافيا هي الدراسة الكميّة للمجتمع، في حين أن علم الاجتماع هو الدراسة النوعية له. إلا أن هذه المقولة غير صحيحة لأن علم الاجتماع يستعين بالأبحاث الكمية كجزء من الأدوات التي يعتمد عليها، للإجابة عن الفرضيات التي انطلق منها.
يمكن الإشارة إلى عدد من الاختلافات بين العلمين. فعلم الاجتماع يدرس الزواج والهجرة والعائلة لكونها جزءاً من مؤسسات اجتماعية، وبالتالي يهتم بدراسة تأثيرها على المجتمع. أما الديموغرافيا فإنها تدرس هذه المسائل ضمن تأثيرها على حجم السكان وبنيتهم. هكذا، فإن علم الاجتماع يدرس العلاقات الاجتماعية، في حين أن الديموغرافيا تدرس العلاقات الاجتماعية التي تؤثر في بنية السكان.

علاقة علم السكان بالإحصاء

تعتمد الديموغرافيا بشكل أساسي على الإحصاء في تحليل المعلومات المجمّعة، إن كان من الميدان، أو من التسجيلات الحيوية. حتى أن عدداً من الديموغرافيين هم في الأصل علماء احصاء قاموا بتطوير بعض المعادلات أو الوسائل الخاصة لتحليل مسألة سكانية محددة. نذكر هنا مثلاً، هرم الأعمار الذي هو عبارة عن رسمين إحصائيين ملاصقين لبعضهما بعضاً. وتعتمد الديموغرافيا على التوقعات والاحتمالات بشكل أساسي، وخاصة في إجراء الاسقاطات السكانية، وهي معرفة عدد السكان بعد فترة من الزمن. وتحولت الديموغرافيا، من خلال الوسائل الإحصائية، من علم كيفي إلى علم كمي تحليلي. ويحلّل الديموغرافي المعلومات الاحصائية للسكان على ضوء النظرية الاجتماعية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، ليصل إلى النتائج التي يهدف إليها.

علم السكان والجغرافيا

لم تعد الجغرافيا، كعلم، مقتصرة على وصف مكوّنات الأرض. فقد دخلت اهتمامات جديدة على هذا العلم، لعل أبرزها البيئة والمناخ. ولا يخفى على أحد التأثير الكبير للسكان على البيئة. هكذا، فإن الجغرافيا، والجغرافيا البشرية على الخصوص، أصبحت تدرس توزع السكان مع الاهتمام بالنواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهؤلاء السكان.
في المقلب الآخر، فإن التعدادات والاحصاءات الديموغرافية تتم دائماً ضمن نطاق جغرافي محدد، مقسّم إلى جزر احصائية، بشكل يتم فيه حصر السكان بين عدد من جامعي المعلومات. ولا يمكن للديموغرافي أن يتجاهل أوجه الشبه التي تظهر بين سكان مناطق متشابهة جغرافياً.

علم السكان والتنمية

اشتد هذا الارتباط في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما برزت مفاهيم أساسية في العالم تربط بين حجم السكان وتطور المجتمعات. فالتنمية تعتبر أن الانسان هو غايتها ووسيلتها. والتخطيط للتعليم والصحة والإسكان يتطلب المعرفة بأحوال السكان وأعدادهم واتجاه نموّهم. والأمر نفسه ينطبق على مسائل سكانية أخرى مثل البحث في مواضيع الهجرة، وتنقّل الأيدي العاملة، ودراسة تحركات السكان بين الريف والمدينة، وكذلك بين المدن والأقطار والدول. ذلك أن الظواهر الديموغرافية تتشابك معها سياسات تنموية تسعى جاهدة للتوفيق بين السكان وتنمية المجتمع. وفي قمة ذلك الترابط تبرز مسألة السياسة السكانية، وما تشمله من محاولات لتنظيم النسل، أو تحديد الحجم الأمثل للسكان، وتشجيع الزواج أو الحدّ منه، والربط بين كل تلك الظواهر الديموغرافية ومسائل التخطيط والتقدم الاقتصادي والاجتماعي. وما مؤتمرات التنمية العالمية، وخاصة تلك التي تقيمها الأمم المتحدة، والتي تربط بشكل مباشر بين السكان والتنمية، إلا المثل الأكبر على ذلك.

علم السكان والسياسة

برزت التعدادات السكانية في الأصل، ومنذ القدم، كهمّ سياسي – عسكري وإداري-تنظيمي. فالحاكم، إن كان ملكاً أو والياً، اهتم بمعرفة عدد السكان ليبني على أساسه طموحاته العسكرية والتوسعية. فالعدد المرتفع من السكان يعني جيشاً قوياً. وفي الوقت نفسه، العدد المرتفع من السكان يعني ضرائب أعلى لتمويل الدولة. وقد ظهر أن العديد من المؤرخين استخدموا عدد الجيوش ليستنتجوا عدد السكان.
وفي الدول الديموقراطية تحوّلت العلاقة بين السكان والسياسة إلى مقلب آخر. فالديموقراطية هي حكم الشعب للشعب، بالأساس. أما في التطبيق، فإنها حكم أكثرية الشعب لكل الشعب. وهذه الأكثرية تعتمد على الاحصاءات والدراسات الديموغرافية للتثبّت من صحة أكثريّتها. وعليه، فإن القوى السياسية في الدول الديموقراطية دائمة الإستعانة بالإحصاءات السكانية لمعرفة حجم قوّتها الحالية والمستقبلية، وتخطيط تحركاتها على هذا الأساس؛ لا بل أن دولاً، حيث تكثر فيها الأقليات، مهما كان نوعها، باتت تعتبر أن الاحصاءات السكانية هي من المحرّمات لما تظهره من واقع متغير حسب تغيّر حجم هذه الأقليات مع الزمن، وما لبنان وتعداده الأخير الذي أبصر النور عام 1932، إلا المثل الأوضح على ذلك.
وفي الوقت الراهن، وبسبب الأزمات التي تعصف بالعالم، أصبحت حركة الهجرة، وخاصة غير الشرعية منها، من أبرز الأزمات التي تهدّد العالم، وبالتحديد العالم المهاجَر إليه. فالنازحون، وخاصة القسريون منهم، يحملون معهم أزماتهم إلى الدول المضيفة. وتجهد الدول في محاولة إدماجهم في المجتمع. إلا أن هذا الاندماج ما دونه عوائق وصعوبات شتى. فلا عجب أن تنشأ أحزاب وتيارات تدعو إلى إغلاق الحدود وإعادة المهاجرين وترحيلهم، وذلك لهاجسين: الأول، آني وهو بسبب الأزمات التي تعصف بالبلاد المستقبلة، وعلى رأسها البطالة وصدام الثقافات. أما الثاني فهو مستقبلي، لتخوّف هذه القوى السياسية من تغيّر الوجه الإثني للدول المضيفة في المستقبل غير البعيد.

علم السكان وعلم الاقتصاد

من المسلّم به أن للاقتصاد تأثيراً مباشراً على دينامية السكان. فالأوضاع الاقتصادية تؤثر على حجم السكان وحركتهم. حتى أن العديد من النظريات السكانية انطلقت في الأصل من هموم اقتصادية، حاولت التوفيق بين الحجم الأمثل للسكان والحاجات الأساسية لهم، أو تأمين الرفاهية والرخاء لهم. وتتشابك العلاقة بوضوح بين العلمين، فلمعرفة الحجم الأمثل للسكان، ينبغي على عالِم السكان أن يستعين بالمعلومات الاقتصادية عن حجم وقوة الاقتصاد. وفي الوقت نفسه يستعين عالم الاقتصاد بالمعلومات الديموغرافية الحاليّة والمستقبلية ليحدد على أساسها الاتجاه المستقبلي لاقتصاد البلد، وينصح على ضوء هذه المعلومات بإجراء التعديلات اللازمة، إما على الاقتصاد أو على السياسة السكانية للدولة, إلا أن العلاقة تقف عند هذا الحد. فالاقتصاد يدرس الإنتاج كنشاط مادي للبشر، بينما تدرس الديموغرافيا هذا الانتاج لمعرفة تأثيره على نوعية السكان. والديموغرافيا تدرس معدل الولادات لمعرفة تأثيره على حجم السكان، بينما يهتم الاقتصاد بمعدل الولادات لكونه مؤثراً في سوق العمل والاستهلاك والأسعار وحركة العرض والطلب.
Loading...