طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

الشركة العائلية إنتقال السلطة من جيل إلى جيل

مقدمة

اخترنا في عملنا هذا، الشركة العائلية اللبنانية كوحدة إنتاجية إقتصادية إجتماعية. وتحديداً كيفية انتقال السلطة من جيل إلى جيل، نظراً لأن الشركة العائلية تمثل البعدين الاقتصادي والاجتماعي، ولها دور في التنمية الإجتماعية والاقتصادية. ذلك أن 80% من الشركات العائلية اللبنانية ذات الكفاءة الانتاجية تعود، في شكلها ونشأتها، إلى كونها شركات عائلية. وهي موجودة في مختلف القطاعات الانتاجية الفاعلة في لبنان.
ما لفتنا إلى هذا الموضوع هو ملاحظة نجاح بعض الشركات العائلية في الاستمرار من جيل إلى جيل، بينما فشلت شركات عائلية أخرى في الاستمرار والإنتقال من جيل الى جيل. وهذا ما أدى إلى التساؤل التالي: ما هي العوامل التي تؤدي إلى نجاح أو فشل الشركات العائلية في الاستدامة؟ وقد تفرّع هذا التساؤل إلى أسئلة يمكن أن تحيط بالمشكلة البحثية التي نحن بصددها، منطلقين من اعتبار الشركة العائلية نظاماً مزدوجاً. وتنبع إزدواجية هذا النظام من ثنائية مجتمعة في نسق واحد: الشركة التي تتبع نظام إدارة الأعمال، والعائلة كنظام إجتماعي قائم على المشاعر والقيم العائلية. ذلك أن ثمة عدة أدوار يمكن أن يلعبها الفاعلون في المؤسسات العائلية. مثلا دور الأب: المدير، أو الأخ: المدير المالي، أو الأم: المديرة التنفيذية، أو العم: صاحب القرار والسلطة الخ … وهذه كلها من مقتضيات العمل التي تختلط بصفات القرابة.
إلى أي حد يؤدي إسقاط القيم العائلية في إدارة الشركة إلى نجاح أو فشل الشركة العائلية؟
ما هي العوامل التي تحافظ على الترابط العائلي ليبقى أفراد العائلة مع بعضهم بعضاً في إدارة الشركة؟
هل تعددية الأدوار ومحاباة الأقارب تؤثر على سير العمل في الشركة العائلية؟
ما هي الخطوات التي أعتمدتها الشركات العائلية اللبنانية في تحقيق التوازن بين حاجات العائلة وحاجات الشركة؟ هل العائلة أولاً أم الشركة؟ أم التوازن بين الاثنين؟

الشركات العائلية في لبنان

ترتبط حركة تأسيس الشركات العائلية في لبنان بطبيعة نظامه الاقتصادي، وتعتبر الشركة نظاماً إجتماعياً مرتكزاً على أسس نظام عمل جماعي عائلي، ينتظم أفرادها ليؤسسوا شركة، حيث يجتمع فيها نظام الثقافة والقيم مع تنظيم إقتصادي إنتاجي. وتتبع في سبيل ذلك منهج تُمأسس لتوارثه عبر الأجيال، تحقق من خلاله المال و الثروة. كذلك تكوين الرصيد الإجتماعي من خلال علاقات الشركة و تواصلها مع المجتمع الذي تنشأ فيه. ومن الطبيعي ان ينعكس نموّها وإزدهارها على المجتمع. وكذلك تراجعها يمكن أن يسبب أزمة اقتصادية واجتماعية.
ويُحدِثُ تعاقب الأجيال أثراً مباشراً في الحفاظ على أعمال الشركة العائلية وتأسيسها، حيث يعكس التعاقب الناجح للأجيال قدرة أفراد العائلة على الحفاظ المستمر على ملكية وإدارة الشركة العائلية.
من الطبيعي في ظل هذه التبعية العائلية أن تخضع هذه الشركة لملكية وإدارة سلسلة من الاجيال المتعاقبة التي تنتمي للعائلة نفسها، لكن المناخ العائلي المسيطر على الشركة العائلية قد يؤدي إلى العديد من الإيجابيات، كما قد يؤدي في الوقت نفسه إلى العديد من السلبيات، إذ لا يمكن لشركة عائلية أن تنشأ في جو من التفكك الأسري.
في لبنان، لمعت عائلات من خلال شركاتهم، على سبيل المثال لا الحصر، الغندور في الصناعة الغذائية، وأيضا الصناعة الورقية، بكداش، في الورق، الحلاّب في الحلويات، دباّس في الإنارة والتمديدات الكهربائية، مخباط في النسيج، كفوري في الورق، حدّاد في إنتاج الآلات ، بطرس شركة ولكوبي (دواجن)، عجاج آلات كهربائية وصناعات غذائية، طحّان آلات كهربائية منزلية ووكالات عالمية، أبوعضل وكالات تجارية عالمية، حرب في مصنع السكر وكونسروة شتورة، الغرير في الطباعة والأعمال المصرفية والتعليم الجامعي، أبي نصر في القهوة، الجميّل في تجارة الأخشاب، البضن قي صناعة الملابس والنسيج، أرسلان، إضافة الى دورهم الإجتماعي لديهم مزارع، جلّاد: آلات كبيرة ومولدات، جباضو: تجارة الأخشاب، حنّا: صناعة المفروشات، أبو جودة: الأقمشة والنسيج، الحلبي: المكسرات، شمعون: الأخشاب، محفوض: الملابس، شحادة: بهارات، عبيدو، فهد: محطات بترول ومحلات تجارية، الخوري في مجال الزراعة الطبية، مزنر في المنسوجات، فرام في الورق، سمعان في صناعة المفروشات. تستوعب الشركات العائلية اللبنانية عمالة وصلت الى مجموع 500 عامل في بعض شركات العينة المختارة للبحث. ولا توجد إحصائيات محددة لعدد العمال في الشركات العائلية، لكن بإمكاننا الاستدلال عليها من عينة الدراسة.

إزدهار الشركات العائلية واستمرارها في لبنان

ازدهرت الشركات في لبنان بسبب روح الريادة لدى مؤسسيها، بالرغم من أنها واجهت تحديات في السياسة الصناعية، التي تتلخص بالأمور التالية: فقدان الأمان، وعدم وجود سياسة تنموية صناعية، وصعوبة في معاملات الاستيراد والتصدير، وعدم توفر مواد أولية، إضافة إلى غلاء الطاقة وإنقطاع الكهرباء، مما يحمّل الصناعيين أكلافاً إضافية. بالرغم من كل هذا، نجد أن هناك شركات عائلية تأسست في العشرينيات، وحتى الخمسينيات، وما زالت حتى يومنا. وتخطت الحروب المتتالية التي جرت. كما أن مالكي هذه الشركات لم يجدوا صعوبة في تفويض بعض مسؤولياتهم إلى مدراء متخصصين ومؤهلين حاصلين على مستوى علمي جيد، ولديهم خبرات في المجال التقني للإبقاء على إزدهار الشركة واستمراريتها. لقد اهتم أصحاب الشركات بأبنائهم وبتحصيلهم العلمي، وأعدوا جيلاً مثقفا ليتابع مسيرتهم.
تبين لنا أن غالبية الشركات في القطاعات الانتاجية المختلفة، والخدمات، تعود إلى كونها شركات عائلية التأسيس 100% ومن رأسمال عائلي، وبقيت كذلك حتى الجيل الثالث والرابع. أدى ذلك إلى تضخم حجمها وإلى إدخال شركاء برأسمال من خارج العائلة، بحيث أصبح الرأسمال العائلي في بعض الحالات 75%، ومن خارج العائلة 25%، دون تغيير في الأسم أو الإدارة، بل كان الرابط هو فقط المشاركة في الأرباح.
كان القطاع الصناعي من الأهمية بحيث يستوعب أيدٍ عاملة من مختلف التخصصات، ويسهم في الدخل القومي، ويخلق فرص عمل جديدة، ويساعد في القضاء على البطالة، ويحقق تنمية إقتصادية وإجتماعية. وتختلف طبيعة وحجم هذه الشركات بحسب عدد عمالها، وحجم مبيعاتها، وعمرها منذ تاريخ تأسيسها إلى اليوم الذي يؤكد على أن هذه الشركات واجهت تحديات الحرب اللبنانية، والحروب المتتالية التي تلت حرب 1975، سواء أكانت الاقتصادية منها أو الأمنية. كما يؤكد أيضاً على أن الصناعة تربط الفرد بواقعه وتجعله ثابتاً في أرضه أكثر من الأنشطة التجارية التي تحمل الفرد خارج وطنه. ذلك، أن سهولة انتقال رأسماله أسهل من نقل مصنعه وعماله. فيبقى، لذلك مستقراً في أرضه مهما تتالت عليه الأزمات.
وفي المحصلة، تجاهل الصناعي اللبناني دور الدولة في حماية الصناعة الوطنية. هذا الأمر الذي كان مطلباً ملحّاً في القرن المنصرم، من أجل حماية الصناعة الوطنية، من خلال القيود الجمركية أو منع إستيراد منتوجات معينة موجودة أصلاً في الصناعة الوطنية، لم يعد ذا أهمية بعد التغييرات الاقتصادية العالمية التي تجاوزت هذه القيود من خلال الإتفاقيات العالمية.

حجم الشركات العائلية اللبنانية

تعتبر الشركات العائلية في لبنان ركيزة الاقتصاد اللبناني، إذ أنها تمثل 80% من القطاعات المنتجة، وتستوعب أيدٍ عاملة من مختلف الشرائح الاجتماعية المتعلمة من حملة الشهادات وغير المتعلمة، والعماله الماهرة والعمالة البسيطة.
الشركات بالنسبة الى الحجم
يبين هذا الرسم البياني حجم الشركة قياساً إلى عدد العمال
صغيرة يعمل فيها بين 10 و20
متوسطة يعمل فيها مابين 20 والمئة
كبيرة يعمل فيها فوق 100 عامل
يبين لنا الرسم أن حجم الشركات هو 25% كبيرة يعمل فيها فوق 100 عامل. وقد وجدنا في شركتين كبيرتين 250عاملاً في الأولى، و500 عامل في الثانية، وذلك في قطاع شركات الصناعة الغذائية. ويعتبر هذا القطاع على رأس القطاعات الصناعية الأخرى.
مما لا شك فيه أن عدد العمال، كمقياس للدلالة على حجم الشركة، متغير له قيمة، من حيث دلالته على مدى مساهمة الشركات العائلية اللبنانية في التنمية الاقتصادية والإجتماعية. وقد تبين لنا أن 40% من الشركات الصغيرة، يعمل فيها بين العشرة والعشرين عاملا. ويمكننا القول إن مقياس عدد العمال في لبنان، يحدد عدد ثمانية عمال كمقياس للشركات الصغيرة. لكننا استعضنا عنه بمقياس من عشرة إلى عشرين.

الخلاصة العامة

أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، هي التالية:
1- رغم أن أصحاب الشركات يرون الولد البكر هو الخليفة، إنما الواقع غير ذلك تماماً. الخليفة لا يُختار ولا يمكن فرضه على الإدارة، بل يكتسب المعرفة والمهارة من خلال تجربته في الشركة. فيثبت قيادته، بعيداً عن متغير العمر. والشركة التي تبتعد عن مقياس العمر في إختيار الخليفة هي الأكثر حظاً في الإستدامة.
2- المعضلات لا تظهر في الشركات العائلية إلا مع نمو حجم الشركة وتوسعها وازدياد عدد أفرادها مع التقدم في العمر ونتيجة لتكاثرها. لذلك يمكن القول إن النمو بالحجم والعمر هما المتغيران اللذان يدفعان بالعائلة الى خطوات تحافظ على استمراريتها.
3- عمر الشركة وإنتقالها من جيل إلى جيل يدفعها الى التخطيط الإستراتيجي، والى إضافة فروع. وتتوسع وتنمو بما يتفق وعدد الملاك الجدد. هذا ما وجدناه من حيث أن متوسط عمر الشركات هو 40 سنة، ومتوسط حجمها 44.39 قياساً الى عدد العمال. كما أن آداءها وتحقيقها للتوازن بين قضايا الشركة وقضايا العائلة، وإحترافها للإدارة الرشيدة، هو بنسبة 42%. إذاً، العمر والحجم لهما آثار قد تكون سلبية أو إيجابية، مما يؤدي إلى تحديد الإستراتيجية والهيكلية الادارية. وهذا ما أشرنا إليه في فرضيات الدراسة.
4- عمر الشركة يؤكد استمراريتها، ومعايشتها للتجاذبات العائلية، ومصاعب استمرارها عبر السنوات وتوسعها ونموها.
5- الشركات العائلية هي شركات أشخاص، لا وجود للمساهمة المغفلة. ابتدأت كمؤسسة فردية وانتقلت الى شركات أشخاص متنوعة قانوناً. هذا يتفق مع ما جاء في الفرضية.
6- الشركات التي تأسست ما بين 1950 – 2000 ، متميزة بتوازنها وأهميتها، وتمتلك مقومات الإستدامة بنسبة 42% جيد جداً، و36% جيد. وهذا يتفق مع فرضيات الدراسة، من حيث إمتلاك مقومات الإستدامة.
7- يسهم حجم الشركة في التنمية الاقتصادية عن طريق إستيعاب اليد العاملة. ذلك أن 40 % من الشركات في العينة هي متوسطة الحجم، ويعمل فيها ما بين 20 – 100موظف وموظفة.
8- يشهد العمل العائلي نزاعات يومية وخلافات. لكن إذا كانت إستراتيجية السوق تحقق نجاحاً وإزدهاراً، فإنهم سيتغلبون على مشاعرهم ويجدون طريقة للتفاعل والتكامل، تتخطى الخلافات، وتدفعهم إلى الإستمرار.
9- الهيكلية الإدارية في المراكز الأساسية هي عائلية، ويتولاها أفراد من العائلة بنسبة 76%. إن تولي الأبناء للمناصب الإدارية يؤكد على نجاح عملية إنتقال السلطة الى جيل جديد.

طُبع كتاب «الشركة العائلية.. إنتقال السلطة من جيل إلى جيل»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم قامت به شركة «Impress»

Loading...