طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: دوي الصمت

مقدمة

في مقدّمة ديواني الثاني (دوي الصمت)، ماذا يمكنني أن أزيدَ على ما ذكرته في مقدّمة ديواني الأول (تقاطع)، لقد قلت في تلك المقدمة التي كتبتها تحت عنوان (أنا والشعر):
إنني صرفت عنّي اهتماماتي الشعرية كلّها إبّان دراستي في جامعة عين شمس – القاهرة اختصاص هندسة مدنيّة، وكذلك خلال ممارستي لوظيفتي كمدير مؤسّس لمعهد دير عمار الفنّي الرسميّ.
ولكنّ هذه الاهتمامات عادت لتقضّ عليّ مضجعي، ولتزرع في أيّامي حبّي الأول لهذه الهواية التي تجري في شراييني. لقد جاورَتني على جميع مقاعد الدراسة المتوسطة والثانويّة في دار التربية والتعليم الاسلاميّة – طرابلس – لبنان. أوّل من أورثني هذه الهواية والدي الذي كانت سعادته ترافق قراءته لسيرة عنترة، والمهلهل، ودياب فارس بني هلال، وسواهم. كان انفعاله بما يقرأ ينعكس على وجوه المستمعين اهتماماً ملحّاً بنتائج المعارك التي كانت تحتدم بين هؤلاء الفرسان وبين خصومهم، حيث كانت تلك الوجوه تتجهّم في حال تَعَرُّضِ هؤلاء الأبطال للمكائد والخيانات، خاصة من ذوي القربى. أما إذا حالفهم الظّفر فإنك ترى الوجوه قد تهلّلت وانزاحت جلاميد الصخور عن الصدور ليتنفّس الجميع الصّعداء بعد حرج وضيق؛ ولطالما لاحظت كيف كانت النشوة تدير رؤوسهم حين يتناشد الفرسان أشعار الحبّ العذريّ مصوّرين سير المعارك الدائرة بينهم وبين الخصوم. وسأذكر ما حييت كيف كانت أصوات الاستحسان ترتفع حين ينشد والدي بيتَيْ عنترة:
ولقد ذكرتك والرّماح نواهلٌ
منّي وبيض الهند تقطر من
فوددت تقبيل السّيوف لأنّها
لمعت كبارق ثغرك المتبسِّــم
والبيتان، دون شكّ فريدان في شعر الغزل.
كلُّ هذا ذكرت أكثره، في مقدّمة الديوان الأوّل، ولا أجد داعياً لتكراره في مقدّمة الديوان الجديد.
ولذلك فإنني سأتناول الفترة التي تلت طبع الديوان الأوّل في العام 2010 وحتّى اليوم، في الربع الأوّل من العام 2016 خلال هذه الفترة ذقت من شهد الحياة وصابها، فاعتلّت صحّتي، وعانيت الكثير من الآلام، وازدادت الأدوية التي كنت بحاجة إلى تناولها، وكنت أحياناً أدخل المستشفى مرتين في العام الواحد، ومن جهة ثانية فإنّ الموت تخطّف الكثير من الأصدقاء والأقرباء الذين كنت أجد في حضورهم بعض السّلوان بعد رحيل والدي وزوجتي، وإن لم يرقَ هذا السلوان يوماً إلى وضع حدٍّ لأحزاني على فراق زوجتي التي شكّل فراقها جرحاً غائراً في النّفس، نازفاً على مرّ الأيّام، لقد كان وجودها إلى جانبي في تعهّد ولدينا بالتربية والتعليم محوريّاً، ولن يملأ أحدٌ الفراغ الذي تركته من بعدها؛ هذا إن وضعْتُ جانباً حاجتي العاطفيّة ولا أدّعي مطلقاً أنّني قادرٌ على ذلك. فأنا في الوعي والحلم مشدودٌ إلى ذكراها، والزّمن الذي يلاشي الحزن لا يزيد حزني عليها إلاّ تأجّجاً واشتعالا.
أمّا الشهدُ الذي إذاقتْنيهِ الحياةُ فمنه زواج ولدي أحمد من المصونة الدكتورة سحر مدحت يعقوب التي أنجبت له مصطفى قاسم (الثاني) الذي ملأ عليّ حياتي وروّاها، وهي التي كانت ظمأى إلى فرحة تضع عنها ثيابَ الحداد وتضيءُ لياليَ حزنها الطويلة التي خيّمت على سنوات عمري المتبقيّة.
أما حبّةُ القلب فرح، فإنها وإن لم تتزوّج بعد، فقد أصابت من النجاح في عملها القدر الذي جعلني أفخر بها فخري بأحمد الذي كان مضرب المثل خلقاً ونجاحاً في عمله كمهندس في الأمم المتحدة. فرحتي بك يا فرح لا يمكن أن تتمّ إلاّ بعد أن تجدي الشريك الذي يكتمل بكِ وتكتملين به إن شاء الله. عند ذلك أطمئنّ وتستقرّ حياتي.
لقد تمخّض ديواني الثاني (دويّ الصّمت) عن كلّ هذه المشاعر والأحاسيس المتناقضة، فكان نتاجاً لها، هذا إلى جانب بعض القصائد الغزليّة التي أضاءت الذاكرة وسلّطت أنوارها على ماضٍ من حياتي أثيرٍ عليّ، كان يتحيّن الفرصة المناسبة ليحجز له مكاناً في حاضر الأيّام. شعلتُهُ في الروح أبقى من أن تزول أو تنطفئ؛ وقد وجَدَتْ في حرصي عليها، وسهري على ديمومتها ما أتاح لها أن تنسكب قصائد غزل مصدرها الخيال المتعطش إلى ذكرى سنواتٍ خلت من نيسان عمري.
ختاماً فإني آمل أن أكون قد أفلحت في ديواني هذا برسم بعض ملامح سنوات العمر التي شيّعتها بين الشموع والدّموع.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وله الحمد على كلّ حال.
مصطفى قاسم

قالوا في الشاعر

بيني و… بينَكَ
(د. أحمد سليم حمصي)
بيني وبينكَ جدولٌ
من زقزقاتِ الطيرِ،
ناءَ بِهِ الهواءْ
وسحابةٌ مَطّارةٌ
من فَــوْعَــةِ الأزهــارِ
تَهـــمِي باتجــاهِ الضوءِ
في جَـــوْزِ الفضــاءْ
بيني وبينــكَ ضَفَّتــا حُبٍّ
جرى عَــذْباً زُلالْ
وخلا مِنَ الأتراحِ والأفراحِ
يرفَضُّ ابتِهـــالْ،
حُبٌّ زَهـــا في أضْلُعي
أملاً يسيلُ بِلا كَــلالْ
بيني وبينَـكَ ما يُرى لا ما يُقالْ،
بيني وبينَـكَ عَنْ يَمـينٍ جَنّتـان وعَنْ شِمــالْ..
بل رايةٌ مقسومةٌ رأيَـيــْنِ كلٌّ منهُما
سيفٌ لهُ ظُبَتانِ من فكـــرٍ ومن عـمـــرٍ،
إذا انثلَمَتْ سُيوفُ الهندِ
لم يُثْلَمْ على مَرِّ الخَيالْ.
د. أحمد سليم الحمصي
بين الدموع والشموع
(سعد الدين شلق)
تَغَاوَى غِيدُ حِبْركَ مائِساتٍ
على الأجفانِ في أبهى المَرايا
خيالٍ لم يَهِمْ إلاّ حَبَتْهُ
يدُ الإبداعِ من زُهْرٍ هَدَايا
سَرِيٍّ إن تَهادَتْهُ مُناهُ
أتَتْهُ الحُوُر من خُلْدٍ سَبايا
يَرِدْنَ بهِ المناهِلَ صادياتٍ
فيُصدرِهُنَّ من سِحْرٍ رَوَايا
جمعَ بين همّه الخاصِّ والهمِّ العامّ
(د. طلال المير)
شاعرنا مصطفى قاسم أحبَّ الشعرَ يافعاً لكنّ موهبته لم تتفجَّر فعليّاً إلا في عمرٍ متأخِّرٍ حيثُ أصبح غزيرَ العطاء ومتدفّقَ المشاعر والأحاسيس. وهذا الأمرُ يذكّرنا الشاعرَ الكبيرَ أبا تمّام الذي وقع في الأمرِ عينه وهذا ما يجعلُنا نتذكّر قولَ الشاعرِ (اليوت): «إن هدف الشّاعر لا يتمثّل في التعبير عن الذّات فقط بل يتمثّلُ أيضاً في الهرب من الذات»؛ فهل كتابةُ الشاعر مصطفى قاسم كانت ظاهرةَ احتجاجٍ على العمر والشّيب والزّمان الضّحل.

من قصيدة «يا ليالِيَّ!»

يا لَياليَّ أينَ منكِ رُقادي؟
وفُتاتُ السُّهادِ في العيْنِ زادي
ينْتشي القلبُ منْ مُناداتِ إلْفٍ
أتُراني نسيتُ كيفَ أُنادي؟
وهــــــــلِ الـوَهـْــــــــــمُ في المساءِ رِداءٌ
لظُنوني ومَوْئِلٌ لفُؤادي؟
ما مُرادي؟ كمْ رُحْتُ أسألُ روحي
لستُ أدري، فحَيْرتي في مُرادي
لا تسَلني عنِ الشَّبابِ فشَيْبي
شَوْكُهُ اليومَ مَفْرِشي ووِسادي
إيهِ يا عُمْرُ، أينَ منِّي لَيالٍ
كُنْتُ فيها على شَفا ميعادِ؟
أينَ حظّي يحومُ كالظِّلِّ حَوْلي
يحرُسُ القلبَ منْ صُروفِ العَوادي
كانَ نفْحَ القلوبِ خَفْقُ جَناحي
وحديثُ الجَمالِ منْ أوْرادي
يوشِكُ البدْرُ أنْ يحُطَّ ببابي
لو سجا اللَّيلُ مُثْخَناً بالسَّوادِ
أُوقِظُ الفجرَ في غَوادٍ منَ الشَّوْ
قِ لأسقي العِطاشَ في كُلِّ نادِ
البوادي تَدِبُّ فيها حياةٌ
حينَ تصحو على صهيلِ جَوادي
والعصافيرُ في الأصيلِ تلاقى
فوقَ غابٍ منْ لحنِها المَيَّادِ
والأغانيُّ ليسَ يخْبو مداها
حين يُصْغي الصَّدى لآهةِ حادِ
والأمانِيَّ أهْيَ منّي وُرودٌ
زاهياتُ العبيرِ في الأبعادِ؟
أم صبايا رسَمْتُها بخَيالي
وتروَّتْ منْ غَيْرَتي ووِدادي؟
فإذا رُمْتُها أتَتْني عُجالى
طيِّباتِ الأنفاسِ والأجسادِ
وإذا غِبْتُ أو تشاغلْتُ عنها
تسكُبُ الغُنْجَ في زوايا مِهادي
ما اعتراني وكيفَ أصبحْتُ أعمى
يتحرّى خُطاهُ في جُرْفِ وادِ؟
لم أعُدْ أرْتجي لدُنْيايَ خِلاًّ
أو أنيساً لوَحْشتي وانفرادي
يا لياليَّ شفَّني السُّهدُ عودي
أطْلِقي الحُلْمَ في شَتاتِ رُقادي!
رُبَّما الحُلْمُ يستعيدُ هَوَى الأمْـ
ـسِ ويُهدي الرِّضا لجَفْنِ سُهادي
قد يكونُ البِعادُ حَلاًّ ولكنْ
رِحْلَةُ العُمْرِ تنتهي بالبِعادِ

إضاءة وتنوير على قصيدة «يا ليالِيَّ!»

يقدمُ الشاعرُ في هذه «الداليّةِ» مِن بحرِ الخفيفِ كشفَ حسابٍ للّيالي التي رمتهُ بإرزائِها واناخَتْ على صدرهِ بِكَلْكِلها سائلاً عن ضجعةِ الرُّقادِ يومَ كان القلبُ غِرّيداً على غصنٍ مشتهىً والعينُ مكحولةً بالآمالِ العراضِ في كنفِ عقيلةٍ هي توأمُ الروحِ يوم كانَتْ على قيدِ الحياةِ تمسحُ بإبتسامتها وحنانِها وحَدَبِها عليه ما عَلِقَ على الجبينِ من حُبيباتِ تَعب، وما نثرَ دهرٌ قُلّبٌ حَلَبَ اشطَرَهُ ولم يجنِ منه سوى قبضِ الرّيح.
النصُّ من ألفِهِ إلى يائِهِ زفراتُ شاعرٍ نسِيَ كيف ينادي الآلافَ حين شدّوا الرِّحالَ إلى عالَمِ الغَيَبِ وخلّفوهُ على مُفترَقِ لفتَةِ ذكرى ومرمى حلْم يزِقُّ العينَ بطيفِ من رحلَ فينتشي القلبُ على الرَّغمِ من شيبِ الفَوْدَيْنِ وشوكِ المفرشِ والوِساد.
تُرى من قال إنَّ العمرَ يقاسُ بما في الساعاتِ من دقائقَ والأيامِ من اختلافِ عقربَيْنِ يدورانِ دونَ كلالٍ أو وَجَلٍ والسنواتِ من ليالٍ خَلَوْنَ من العمر. وهو في كل صبيحةٍ يوقظ الفجرَ في غوادٍ من الشَّوق لسُقيا العِطاشِ وتفوحُ نبرةُ صوتِه وصريرُ شَباةِ قلمهِ وتضطربُ محابرُه بزوارقِ أوراقٍ تَمخُرُ لُجَّةَ الكتابةِ وقد اسلَمَتْ أشرِعَتَهَا لأُمنِيّاتٍ في مهبِّ الذاكرةِ وأورادٍ من الحبِّ تستعيدُ هوى الأمسِ ليطمئنَّ جَفنُ السُّهادِ إلى غَفْوَةٍ عابرةٍ تحمِلُ الصَّدى على الإصغاءِ لآهةِ حادٍ وصهِيلِ جوادٍ يقيدُ الأوابدَ ويُدِبُّ الحياةَ في بوادي العمرِ وقد حال البِعادُ بين الأمنيةِ والواقِع.
عبدالكريم شنينه

طُبع ديوان «دوي الصمت»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم قامت به شركة «Impress»

Loading...