طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: إطلالات على الأدب المعاصر في لبنان

تقديم

يَنْهَضُ كتابُ الدكتور جان توما على عدَّةِ أسُسٍ لعلَّ من أشدها بروزًا، في نظري، ثقافة غنيَّة ومتميِّزة في مجال البحث الاجتماعيِّ؛ وهي ثقافةٌ تدلُّ على قدراتٍ طيبةٍ على سبر أغوار الواقع وحُسْنِ تحليلها ومن ثمَّ الإصابة في كثيرٍ من الاستنتاجات والرُّؤى المبنيَّة على هذا التَّحليل.
ومن هذه الأسُسِ، أيضًا، التزامٌ واعٍ لِمَنْطِقِهِ وحريصٍ على وجدانيَّةِ مُنْطَلَقِهِ بالأرضِ والنَّاسِ؛ إِذْ لا يَنْطَلِقُ الدكتور توما، إلى ما يصولُ فيهِ ويجولُ من آفاقٍ ورِحابٍ وأحداثٍ وناسٍ، إلاَّ مِنْ خِلالِ وَعْيِهِ بالأرضِ التي نشأ عليها وعاش بين ناسِها: «الميناء» و«طرابلس» و«لبنان الشَّماليِّ»؛ ومن ثَمَّ مناطقَ أخرى من لبنان.
يدرسُ جان توما «الأمثال الشَّعبيَّة»، من منظار الباحث الاجتماعيِّ ورؤى الملتزم المجتمعيِّ في آن؛ ويَدخل، من جهة أخرى، ساحةَ فاعليَّةِ «الثَّقافةِ في وجود الأطفال والمراهقين»؛ فإذا به عميقُ الرُّؤى في مجالاتِ التَّربية وواسعُ الآفاقِ في ساحات التَّثقيفِ والمُثاقَفَة.
وينفلتُ توما، بعد هذا وذاك، إلى دراسةٍ في ميدان عِلْمِ الاجتماع المُدُني؛ فيبحثُ، عَبْرَ هذا الدُّخول وانطلاقًا من عيشه في بلدة «الميناء»، في طبيعة «وجود المُدُن البحريَّة»، ولكن من خلال التَّركيز على البُعد الثَّقافيِّ والتَّثقيفي لهذا الوجود.
يظلُّ الدكتور توما يتنقلُ من موضوعٍ حسَّاسٍ وشيِّقٍ إلى سواه؛ فها هو، وعلى سبيل المِثال وليس الحصر، يدرسُ «الحِرفَ اليدويَّة» وسواها ويخوض أيضًا في «تاريخ الموارنة في طرابلس والميناء»؛ وفي درسه هذا لا ينفكُّ وفِيًَا لِمَا اتَّخذه نبراساً لكتاباته من رؤىً مجتمعيَّة وآراء اجتماعيَّة وتحقيقٍ تاريخيٍّ ولغويٍّ يعضد بهما ما يشرحه من أحداثٍ أو يحلله من وقائع ومفاهيم أو يتوصَّل إليه من نتائج.
وينتقل الدكتور توما من دراسته للحالات المجتمعيَّة، برؤاه الثَّقافيَّة، إلى الخوض في غمار الشَّخصيَّات الفردة، من أركان الثَّقافة في بيئته وزمانه، من المطران جورج خضر إلى الشاعر والفنَّان التَّشكيلي رضوان الشَّهَّال ومارون عيسى الخوري وصولاً إلى إبراهيم الهندي وسواهم؛ فإذا بما يقدِّمه الدكتور جان توما دراسات متنوِّعة وأبحاث متعدِّدَة، تنطلق جميعها من رؤىً تنهض على حركيَّة الدِّيموغرافيا في الوجود المجتمعيِّ للشَّمال اللُّبنانيِّ عامَّةً ولـ«طرابلس» و«الميناء»، من هذا الشَّمال، خاصَّة.
يَعرضُ جان توما بعضًا من مكتوباته الوجدانيَّة، أشياء من بَوْحِهِ الذَّاتيِّ؛ يُبْرِزُ بعض أوجاعه وآلامه التي تُزهرُ، بتعابيرِهِ، ورود جمال؛ ويحكي حسراتٍ له عن أناس غيَّبتهم الوفاة، فإذْ بما يحكيه يعيد الغائبين إلى نبض الحياة وطيبِ العطاء.
من هنا، قد يمكن القولَ إنَّ توما في وجدانيَّاته هذه، لم يغادر أبداً ما انتهجه في بقيَّةِ مطارِحِ هذا السِّفْر، من رؤيَّة مجتمعيَّة وفاعليَّة ثقافيَّة وأدوات تعبير جماليٍّ.
الدكتور جان توما، في هذا الكتاب، فاتح لآفاقٍ على حيويَّةٍ الفاعليَّة الثقافيَّة والمجتمعيَّة المعاصرةِ للزَّمنِ الرَّاهنِ في لبنان؛ وفي ما يفتح توما من هذه الآفاق، فإنَّه يعرضُ ويوثِّقُ ويُحلِّلُ، كما يُعَبِّرُ عن وجدانيَّاتهِ، بإيجازٍ لا يُعمي وبيانٍ لا يُخفي الحقَّ ولسانٍ لا يخون الوداد الثَّقافيِّ للمجتمع أو يغتال حقيقة الواقع.
الدكتور وجيه فانوس
أمين عام اتِّحاد الكُتَّاب اللبنانيين

أمّي نامت عَ بكير

انتفض الجسد الهزيل، وولج هدأة السكون. كانت الشهقة الأخيرة امتشاقاً لنور لا يغرب، ونبضاً في الشرايين لا ينضب. أهكذا يرحل الأحبة دون استئذان، وفي غفلة عن الأفئدة الحارّة المُحبة!
(…) في تلك اللحظة الأخيرة، أحسست أنّي في محطة العمر أنتظر صفير القطار، لم أسمع ضجيجه، أنكرتُ صفيره، لكنّي وقعت على جثمانك الهادىء الراحل بصمت كما عاش بصمت وسكينة لا يتقنها إلاّ الذين لا يفكّون الحرف، ولا يتبجحون، بل ينصرفون إلى التواضع الآتي من سهول الزيتون، وطيب ملوحة ماء البحر في أيام الظمأ القاتل. وكما لوّح لي جسدك الهزيل في الآونة الأخيرة كلّما زرتك، كذلك لوّحت لي عيناك في غمرة رحيلك إلى حيث لا وجع، ولا حزن، ولا تنهّد، وقد توجّعتِ كثيراً، وحزنتِ كثيراً، وتنهّدتِ كثيراً.
من هذه الآنّات، كان لك الكلمة الفصل أن الليل قد تناهى واقترب الفجر،
حملتِ تعب قلبك وهمومكِ ومضيتِ إلى من يريح قلبك، ويزيل همومك ساكبة قوارير الرضى على من تحبين، أخذتِ راحتك، وأخذتُ خاتمك، صرتِ…. في القلب وحبستُ حبيبي…. بـخاتم.

طرابلس القصيدة

طرابلسُ القصيدة. ماذا بقي من إيقاعِها، ومن وزنِها؟ هل ما زالت خصلةَ شِعْرِ بحريةً؟ وهل ما زالت تتغندرُ على نمط آثارِها بغُنجِ تاريخِها، وجمالِ بوّاباتِها، وليونةِ أسواقِها؟ كثيرون تغنَوا بها، وكثيرون انتهجوا مذهبَ «من الحبِّ ما قتل».
لقد تناسَوا أنَّها مدينةُ الكيلومتر الواحد من التاريخ المتراكم، مدينة ليست كالمدن، مركبةُ الزّمن بحقّ. تعبر سيراً الأسواقَ المملوكية المبنية بحجارة الميناء، طرابلسَ البحرية، الفينيقيةِ واليونانية والرومانية والبيزنطية والعربية والفاطمية والصليبية لتصل إلى ساحة التل بساعتها العثمانية وأبنيتها ذاتِ الطراز الفرنسي والإيطالي والأوروبي وغيرها، لتصل بلحظات إلى أروع المباني الهندسية المعاصرة مع المهندس البرازيلي اوسكار نيماير في معرض طرابلس. كيلومتر واحد يختصر عصوراً من المجد.
حاولت أن أطلَّ على ما كُتب. فرأيت أنَّ ما كُتب قد كُتب في هذه المدينةِ المجاهدةِ الصابرةِ، والساكتةِ عن تغييرِ هُوِّيَتِها ولونِها وطعمِ مائِها. رُحْتُ إلى كتابِ تراجمِ علماءِ طرابلسَ وأدبائِها لعبدالله حبيب نوفل الصادرِ في الربعِ الأولِ من القرن العشرين، فوقَعْتُ على وصفِ طرابلسَ شعراً، ولكني لم أرَ هذه المواصفات مطابقة لشروط اليوم وبالتالي لم أعرف هذه المدينة كما هي الآن، فحينها كانت «محبوبة لجمال موقعها، واعتدال هوائها، وعذوبة مائها ولوفرة المتعلمين فيها منذ القدم». وفوجئت بأننا لم نُضف اليوم شيئاً جديداً على هويّة طرابلس الحضارية وعلى حيويتها وانفتاحها وشهادتها التاريخية.
مثلاً من أطلق على طرابلس لقب «مدينة العلم والعلماء» في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي: حوالي سنة 1850م. هو أحد مؤسسي الجامعة الأميركية الذي ترجم الكتاب المقدس إلى العربية،البروتستانتي المستعرب المستشرق كرنيلوس فان ديك، كما يقول جرجي يني في تنويهه بكتاب نوفل، ما يدلّ على عروبة هذه المدينة وعالميتها ومسكونيتها، وعلى أنّها مدينة خارقة بحضورها المتمايز الألوان والمذاهب والسياسات، كما أن الآية الكريمة «ادْخلوها بسلام آمنين» اقتبسها، من يومها، في الربع الأول من القرن التاسع عشر، حوالي سنة 1810م.، ابن دير القمر نقولا الترك، قائلاً:
حبَّذا الفيحاءُ أَهْنَا كلِّ نادِ والحمى المعمورِ والركنِ الحصينْ
كتبَ السعدُ عليها: يا عبادِ ادْخلوها بسلامٍ آمنينْ

إلى الراحل في صمته..

لم تقل شيئاًً، يا والدي، في تلك الصبيحة التي اخترتَ لتودِعَ أسرارك في صدرك ومضيت.
تأملتَ الطبيعة الحلوة في ذلك الصباح، كتبتَ اسمك في قلوبنا اللحمية، وقلتَ ان تزهر كروم الذكريات، فالربيع وصل، فارتحلْتَ بصمت.
قد اكتمل الانكسار برحيلك، يا والدي، بعد سنوات غربة الوالدة الرتيبة. كنا نزورها معاً في تلك المقبرة على حدود البحر، وكانت ملوحة الدمع في عينيك أقوى من صفير الريح وزبد الموج.
منذ رحلت أمي، وأجنحتك تكسّرت كرمل الزمن المجرّح. ولعلّك كنت تشتاق إليها، ففي الآونة الأخيرة، كنتُ أقرأ في عينيك ان المسافة اليها صارت أقرب. فاختصرْتَها فجراً بعبورك ذاك الجسر الى مطارح الغائبين عنّا.
إكتملَتِ الصورة اليوم، وصار من كنتَ تناديه ابناً وحيداً في ممرّ الحياة، إلاّّ ان في جعبته دفئاً من ذاك الحبّ الذي لا يعرفه إلاّّ الواثقون بنبضات الشرايين، ونسغ الفرح في أغصان أشجار السرو والشربين، وعقود الياسمين المرتاحة على سور بيتنا العتيق في زمن خرج من الأحياء القديمة. ولم يعد.
لم ننكسرْ بموتِكَ، يا والدي، وقد علّمتنا ألاّ نخاف شيئاًً، فالمتردّد لا مكان له تحت أشعة الشمس، بل يبقى في الفيء مرتاحاً مستكيناً. واجهْتَ الدنيا ومصاعبها، وصارعْتَ ما صارعْتَ، وهاجرْتَ ما هاجرْتَ، وكنتَ للحياة مشاكساً، ولم تستسلم لها، بل استسلمتَ لفاحص الكلى والقلوب فيما كنتَ تهزّ باسم زوجتك الراحلة. لعلّ شيئاًً منك، في موتها، قد تكسّر، فصرْتَ جزءاً يبحث عن جزئه الآخر، بل قل: لعلّك في فخاريتك البشرية بحثْتَ عمَّن سبقتْكَ كاسرة فخاريتها البشرية المعطوبة، لتعاين المطارح التي لا وجع فيها، ولا حزن.
تمتّعْ يا والدي بما أعدَّتْهُ لكَ والدتي في ذاك المكان الوسيع، حيث لا زمان ولا مكان يتّسع لشوقك، الذي كان، ولفرحك، اليوم، بلقائها.

عبد الإله ميقاتي: «مسيرة التربية عند العرب»

هَنْدَسَهَا عبدُ الاله، فجمعَ بين اختصاصِهِ الهندسيّ وبين ما اكتسبَهُ في التربيةِ التي صارَ إليها. فتناول موضوعاً صعباً، لأنَّ بناءَ الإنسانِ صعبٌ، وقَبُولَ الآخرِ أصعبُ. هنَدَسَ الكاتبُ إهداءَهُ بـ «إلى من علّمني حرفاً»… ولم يُكْمِلْهُ، لأنَّه عبدُ للإله، ومن كان عبداً للهِ، يكون في عدادالأحرارِ، فكيفَ يقبلُ عبوديةً أخرى؟! لذلك يأتيكَ كتابُ مسيرةِ التعليمِ عند العربِ من تلكِ الحريةِ التي يتيحُها العقلُ في المحاورةِ والتجربةِ والتفاعلِ مع التَّحدياتِ المطروحةِ لبناءِ المجتمع الأفضلِ.
من هذا الرقيّ في التّواصل. ومن ذاك الوجعِ، ينصُّ عبدُ الإله كتابَهُ، من وجَعِهِ من «التخلّفِ الذي أصابَ التَّعليمَ والتطورَّ العلميَّ في بعضِ الدّولِ العربيةِ والإسلاميةِ».(ص 9)، منطلقاً دونَ خوفٍ، أو تشكيكٍ بما قالَهُ الغربُ «في تقاريرِهِ الدَّوليَّةِ عن تَخَلُّفِنَا» (ص9)، مفنّداً، شارحاً، دارساً بعينِ المؤمنِ النّاقدِ والتربويِّ العَالِمِ الهادفِ إلى أنّه لا بدَّ «من الانطلاقَ من الواقعِ، مهما كان حُلواً أو مرّاً، نحو الهدفِ المحدَّدِ، أي: إنَّ التخطيطَ السليمَ للمستقبلِ يجبُ أن يتّسمَ بالواقعيَّةِ العلميّةِ، فينطلقَ من الحاضرِ، ويعالجَ نقاطَ ضَعفِهِ، ويعزّزَ نقاطَ قوَّتِهِ (ص11). لقد حاولَ الكاتبُ رسمَ صورةِ »المعلّمِ الذي وضعَ نُصْبَ عينيه بناءَ الإنسانِ المؤمِن العالِمِ العامِلِ(…) رسولِ الخيرِ والعلمِ والحضارةِ، إلى الإنسانيَّةِ جمعاءَ، ولذلكَ كان التّعليمُ رسالةً ساميةً على مرِّ العصورِ والأزمنةِ»(ص14).
ينطلق ميقاتي من الماضي المشرقِ الّذي بدأَ بظهورِ الإسلامِ وتاريخِ التعلّمِ عندِ العربِ وحركةِ الترجمةوالنقلِ والإبداعِ وخصائصِ التّعليمِ في عصرِ الحضارةِ الإسلاميِّةِ، ليخلُصَ إلى الدعوة إلى أنّهُ «إذا كانتِ العلومُ الشّرعيّةُ تَزيدُ الإنسانَ معرفةً مباشرةً باللهِ تعالى، فإنَّ العلومَ العمليةَ الحياتيّةَ تَزيدُهُ قدرةً على الحياةِ، وتُعينُهُ على تطبيقِ شرعِ اللهِ».(ص68). ولعلّ الكاتب جنحَ إلى القاعدةِ الذهبيّةِ التي اشتغلَ عليها السابقونَ القائمةَ على الأخذِ بما جاء به الأقدمون بما يتناسبُ مع مسيرةِ حياتِنا العربيةِ، وبالتالي إهمالُ ما لا يتوافَقُ مع مسالِكِنَا العامّةِ.
وهنا، لا بدَّ من الإشارةِ إلى ما ساهمَ به المترجمونَ والمفكرونَ المسيحيونَ في مسيرةِ التربيةِ عند العرب، فالمسيحيون العرب، لا علاقةَ لهم بالغربِ، بل هم ينتمونَ – لا ينتسبونَ – انتماءً صميمياً إلى الحضارة الإسلامية الزاهرة التي لها فيهم بصماتٌ كبرى، كما لهم فيها مفاصلُ أساسيةٌ. لذا لا يجدون أنفسَهُم غرباءَ في تفصيلِ الكاتبِ لدورِ الإسلامِ في التربيةِ والتعليمِ، فالإسلام حاضنٌ لثقافتهم، ومقيمٌ فيهم برحابتِهِ ورحمانيتِهِ، وإليه ينتسبون، وهو القابلُ، بفرادتِهِ عبر العصورِ، التنوّعَ في مسرى معيشي واحدٍ، يبتغي وجهَ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيم.

طُبع كتاب «إطلالات على الأدب المعاصر في لبنان»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم قامت به شركة «Impress»

Loading...