طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: فاكهة الكلام

وفواكهٍ من حُسْنِ شِعرِكَ لم أَكنْ
مَعـَهُـنَّ مُحتاجـاً إلى بسـتانِ
أبو تمَّام

الإهداء

إلى التي ابتسامَتُها حُسامي لقِراعِ الهُموم…
إلى التي مَلأتْ قَلبي أَملًا وسَلاما…
الى ابنتي «مريمَ» الحُبِّ والعُمر…

مقدمة

د. سابا زريق
عندما استأنست برأي صديقي معالي الشاعر النقيب رشيد درباس، السديد دائماً، عمّن يكون بنظره الأجدر بمراجعة مسودة المجلدات الأربعة، من اصل المجلدات الستة، المكونة للمجموعة الشعرية ضمن «الآثار الكاملة لشاعر الفيحاء سابا زريق»، التي كنت قد عملت على تحقيقها، مراجعة لغوية تنكبُّ على تصحيح أخطاءٍ عروضية، لا بد أن تكون قد وردت في النص المطبوع، لم يتردد لحظة في تأكيد أن د. أحمد الحمصي هو مُرادي ولم أتردد بدوري، بعيد لقائه للمرة الأولى، بأن اصبح من مُريديه.
ترافقنا في رحلةٍ ممتعة، كنت أتمنى لو تطول لولا حرصي على ولادة «الآثار» بأسرع وقت ممكن.
فللدكتور الحمصي عليَّ في هذا الكتاب مقدمة، وهو بغنى عنها. ولم اكن لاتطفل عليه بها لولا رغبتي في الاعتراف بجميله للمساته التي ما كانت «الآثار» لتخرج بحلتها الزاهرة لولاها. كما أن له على طرابلس وعلى لبنان والعالم العربي أجمع تعزيز شأنهم اللغوي، هو الذي ذاع صيته فأضحى المرجِع دون منازع.
غمس شاعرنا، «خادم لغة القرآن الكريم»، وهو لقب به يعتز ونحن له به نفتخر، يراعه في مدادٍ عربيّ صافٍ، استقى خلاصته من محيطه العربي الإسلامي، وعطّره بنكهة فيحاوية خالصة، فأتى كلامه فاكهة للذواقة.
متسلحاً بدراسات عليا متينة، وممارسة عملية في التدريس في عدة مؤسسات مرموقة للتعليم العالي، وزّع مؤلفنا على طلابه، بسخاء حاتمي ما اختزن من معرفة لغوية وأدبية وعروضية. وأثرى بإسهاماته الاتحادات والجمعيات والمجالس الثقافية اللبنانية والعربية التي انتمى اليها.
اما عن آثاره، فحدث ولا حرج. فقد أربى عدد مؤلفاته من سيرٍ أدبية ومعاجم وأصول البيان واللغة والنحو والقواعد والعروض وتحقيق وشرح الآثار الشعرية والادبية على العشرين، نشر منها حتى تاريخه ثمانية عشر مؤلفاً، كان كتابه هذا، «فاكهة الكلام»، آخرَها.
تحتضن المجموعة الشعرية الراهنة قصائد رائعة، متنوعة المواضيع، متنقلة بين الوجدانيات الصرفة والوجدانيات العائلية والوصف المادي، معرجة على قصائد موضوعها عروضي بحت. وقد افرد الشاعر في مجموعته للغزل مساحة تليق بشعوره المرهف.
وأختم كلمتي بالتقدم من د. الحمصي العزيز بجزيل امتنان مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية للسماح لها بطبع هذا الكتاب، لِكونه إضافة قيِّمة الى منشوراتها، إضافة تعزز من قدرها؛ وبالدعاء الى الله عز وجل ان يمنّ عليه بوافر الصحة وطول العمر، كي لا تنضب عطاءاته الفريدة خدمةً لعقولنا وعقول أهل لغة الضاد أينما حلّوا.
رئيس الهيئة الادارية
لـ «مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية»

تمهيد

بدأتُ نظمَ الشِّعر حينَ كنتُ في الثَّانيةَ عَشْرةَ من عمري، وذلك في العام 1947. ومع مرور الأيَّام تجمَّعت لديّ قصائدُ كثيرة كان رفاقي يحُثّونني بشدّة على نشرها، وكنت أتريَّث ريثما أشعر بالرضا عما أودُّ نشره.
وفي سنة 1992 تهيّأت لي فرصة نشرِ المجموعة الأولى بعنوان: «ظلال البحر»، وذلك بفضل اتِّحاد الكتَّابِ العربِ الّذي كنت عضوًا فيه.
ثم تهيَّأت لي اليوم فرصة أُخرى لنشر مجموعتي الشِّعرية الثَّانية بعنوان: «فاكهة الكلام» بفضل مؤسَّسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثَّقافية.
وعادَةُ الشَّاعر في هذه الأيَّام أن يكلِّفَ أحدَ الأدباء تقديمَ مجموعته الشِّعرية، ولكنّي لم أُردْ أن يقدِّمَ أحدُهم مجموعتي هذه لغير ما سبب محدَّد.
يكفيني أن أعلمَ أن القارئ لهذه المجموعة سيناله إعجابٌ ببعض قصائدها.
أحدُ مؤسّسي «منتدى طرابلس الشّعري»
د. أحمد سليم الحمصي
(الفرزدقُ الصَّغير)

المُفْتَتَح

وفواكهٍ من حُسْنِ شِعرِكَ لم أَكنْ
مَعـَهُـنَّ مُحتاجـاً إلى بسـتانِ
كالزَّهْـرِ يَـأرَجُ، ينشُـرُ الأشْـذاءَ مـنْ تِلقـاءِ نفْسِـهْ
كالفجــرِ يلهَـجُ بالضيــاءِ
يغـوصُ في أمـواجِ شمسِـهْ
كالبحــرِ يُطلِــقُ مَوْجَــهُ
مِنْ قَبْلِ أنْ يَحظى بلَمْسِهْ

السُّكوتُ من… نُحاس

في السّاحقِ اللّيلِ لا في الماحقِ الثَّمرِ
يشتدُّ رَغْبي ويَقوَى
والنَّفْسُ كالبئرِ قد تُجْلى لِمُسْتَبِرِ
والعزمُ يَلوي ويُلوَى
والجَفْنُ لو أنَّه يبقى بلا سُهُدِ
ما كانَ أحلى رُؤاهُ
فهلْ يجيءُ غدٌ من بعدِ يومِ غدِ
والعمرُ يحلو جَناهُ
أُفتِّشُ اليومَ عن كلبٍ أمانتُهُ
للنَّاسِ باتَتْ علامَهْ
وعن شبيهٍ بِتَيْسٍ ما علامَتُهُ
إلاَّ عِنادُ كرامَهْ
وأَلْتَجي صَوبَ وصْفٍ بثَّهُ الشُّعَرا
في كلِّ مَدحٍ وذَمِّ
أرى حبيبًا وبشَّارًا ولستُ أرى
فيهمْ عَلِيَّ بنَ جَهْمِ
أُلوِّنُ الصَّمْتَ، أمحو الدَّمعَ والحَزَنا
والجُرْحُ في النَّفْسِ دامِ
لكنَّما العمرُ نابٍ قد وَهى ووَنَى
والسُّحْبُ ذاتُ جَهامِ
ما إنْ يروقُ بعينِ الصِّدقِ مَوْعِدُنا
معَ الأمانِ السَّرابِ
حتّى إذا صادقَ الآمالَ مَقْصِدُنا
لاحَ القذَى في الشَّرابِ
نَعَمْ تخلَّى هوانا عن مُنى السَّمَرِ
وطابَ عيشُ الظَّلامِ
وماتَ في دَمِنا لحنُ الشَّذا العَطِرِ
وعاشَ زُوْرُ الكلامِ
لَمْ يبْقَ لِلَّفْظِ معنًى في مقالَتِهِ
كُلُّ المعاني تموتُ
وذا الكلامُ تَساوى في دلالَتِهِ
ومنْهُ أَجدى السُّكوتُ

عليكَ سلامُ اللهِ

ألا فَلْتَسِلْ عينُ المُحِبِّ على النّحْرِ
فما لعيونٍ ليسَ تبكيكَ من عُذْرِ
بكاءً له الأجنانُ دمعٌ فإنْ سَرَتْ
دموعٌ فهذي موجُ مُصْطخِبِ الفِكْرِ
إذا ما جرَتْ سالَتْ بغيرِ تكلُّفٍ
كما سالَ وجْدُ الغَيْمِ في كَبِدِ النَّهرِ
كَتَبْنا بها أحزاننا فكأنَّما
لنا أصبَحَتْ في الحُزنِ ضَربًا من الحِبْرِ
وما نَبْكِ لا نَبْكِ القضاءَ وإنَّما
فِراقَكَ نَبْكي يا محمَّدُ مِنْ حَسْرِ
وإنّا لِمَا يُرضي الإلهَ لَقالةٌ
ولسْنا إذا ما الموتُ حلَّ ذَوي هَذْرِ
وأَنْتَ حبيبُ النَّاسِ حَبُّوكَ بَعدما
رَأَوْا فيكَ من حُلْوِ الشَّمائلِ كالزَّهْرِ
وما كنتَ ممَّنْ يهجُرونَ أحبَّةً
ولكنَّما أُجبرتَ صاحِ على الهَجرِ
وما كنتَ إلاَّ نسمةً فاحَ لُطفُها
وإلاَّ شعاعًا شَفَّ مِنْ ألَقِ الزُّهْرِ
وإلاَّ عبيرًا مُستطابًا شَميمُهُ
وإلاَّ إباءً مُشْبِهًا طلعةَ الفجرِ
وقد كنتَ تهوى أن تُرى متواضِعًا
ولم تَكُ تستهوي مُصادقةَ الكِبْرِ
لأنّكَ ما آمنتَ بالغَيِّ مذهبًا
ولا بالخَنا نهْجًا يُباحُ ولا الهُجْرِ
ولكنَّما آمنتَ بالله واحدًا
وبالمُصطفى الهادي رسولًا وبالذِّكْرِ
ووُقِّيتَ شُحَّ النَّفسِ بعد مسيرها
على هَدْيِ ما قد جاءَ في سورة الحَشْرِ
نَهيمُ بدنيا زائلاتٍ طُيوبُها
وكُلٌّ بها يُمسي ويُصبحُ في القبرِ
ونَلْهثُ خلفَ العُمرِ نَطلُبُ بُلغَةً
من الرِّزقِ نخشى أنْ تحيدَ عن العُمْرِ
ونحُنُ إلى الأُخرى نُعَجِّلُ خَطْوَنا
ونعلمُ أنَّ العيشَ للمُنتهى يَجري
أُبَشِّرُكُمْ يا مَنْ صبَرْتُمْ لِمَوْتِهِ
بأنَّ لكُمْ أجرًا كبيرًا على الصَّبْرِ
(عليكَ سلامُ اللهِ إنَّكَ إنْ تَكُنْ
عَبَرْتَ إلى الأُخرى فنَحْنُ على الجِسْرِ)

إسكندرون

في يومِكُمْ هذا تجوزونَ القِفارْ
تَطْوُونَ أجنحةَ النَّهارْ
تتواصلونَ تواصُلَ الزُّهْرِ المُشِعَّةِ
في جَنانِ اللَّيلِ.. تسْري لا يقِرُّ لها قرارْ
تتناغمونَ تناغُمَ الآفاقِ والأسحارِ في ظلِّ المدارْ
تتذاكرونَ الشِّعرَ – والشِّعْرُ المُنى –
فيسيلُ من أفواهِكُمْ عذْبُ الكلامِ الحُرِّ
حتّى ترتوي الآذانُ منه والبِحارْ…
في يومِكُمْ هذا… بدتْ إسكندرونُ تَضُخُّني وُدًّا..
تُصافحُ مقلتَيَّ.. تجُسُّ عاطفتي..
تُسائلُني عن الأشواقِ قي مُؤْقَيَّ..
تدخُلُ مهجعَ الإيمانِ والذّكرى..
أُوَدِّعُها.. تُناديني بصوتٍ لستُ أجْهَلُهُ،
خَفِيتٍ، فيه أعرفُ رنَّةَ النَّسَبِ الأصيلْ..
في يومِكُمْ هذا.. أَقِيلْ
في ظلِّ ذِكراكُمْ.. تحيّاتي إليكُمْ..

طُبع ديوان «فاكهة الكلام»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم قامت به شركة «Impress»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.