طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: لماذا فشلت خطة إنماء طرابلس وكيف السبيل؟

لماذا هذه الدراسة الآن؟

في سنة 1990 انتهت الحرب الأهلية اللبنانية وانتُخب رئيس الجمهورية رينيه معوض، فاغتيل ثم انتُخب الياس الهراوي.
وفي سنة 1992 بدأت خطة عشرية لإعادة إعمار لبنان وإنمائه وقُسمت إلى 3 مراحل بتكاليف قدرت بـ 12,7 مليار دولار، وقد كُلِّف البنك الدولي بوضع الخطة كما كُلِّف برنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP) بالإشراف على التنفيذ.
بعد انتهاء المرحلة الثانية من خطة الإنماء والإعمار سنة 1999 أصدر السيد كريستيان دو كلارك مدير برنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP) تقريراً خطيراً يقرع فيه ناقوس الخطر، ومما قاله:
«أن خطة 2000 للإنماء والإعمار قد فشلت فشلاً ذريعاً في الوصول إلى أهدافها الاجتماعية وأصبح جميع اللبنانيين يتذمرون ويشعرون بالغبن وعدم الرضى. ولم يعد أمام أكثرهم إلاّ الهجرة للحفاظ على ماء الوجه والعيش الكريم». (انتهى)
ثم انتهت الخطة العشرية سنة 2002 ولم يجر أي إصلاح لها، ثم تلى ذلك عشر سنوات رهيبة في أحداثها ومشاكلها من اغتيالات وحروب مع العدو الصهيوني (2006) واحتلال للعاصمة (2008) وجولات قتال في طرابلس.
ثم في سنة 2011 وُضعت خطة جديدة لإنماء طرابلس سميت: «الفيحاء 2020» بتكاليف قُدرت بـ 30 مليون دولار وحشد لها الإعلام أكثر من 200 شخصية فنية وإدارية للتعريف بها. ولكن هذه الخطة، قد ماتت قبل أن تُبصر النور.
وها نحن بعد 27 سنة نجد أنفسنا أمام نفس السؤال: أين الإنماء المتوازن؟

تمهيد

بدأت خطة إعادة إعمار لبنان وتنميته سنة 1991 وحملت الخطة اسم خطة النهوض الاقتصادي للبنان.
وقد وُزعت على ثلاثة مراحل تنتهي سنة 2002 وتشتمل على 125 مشروعاً تنموياً إعمارياً. ونالت طرابلس من الانفاق العام حوالي 8%. وكانت النتيجة نجاحاً ملحوظاً في مجال إعادة الإعمار وفشلاً ذريعاً في قطاع التنمية.
في سنة 2001 تراكم الدين العام وقفز من 2,7 مليار دولار إلى 18.5 مليار دولار ثم تابع هذا الدين بالتراكم حتى بلغ اليوم 75 مليار دولار ولا أظن في العالم ديناً يفوق ديننا بالنسبة لعدد سكان لبنان.
ثم في نهاية سنة 2001 ارتفع صوت الطرابلسيين، ووُضعت مذكرة طويلة موقعة من أكثر من 100 شخصية نافذة ومثقفة وإعلامية، وقد ذُكر فيها تصور الطرابلسيين للإنماء في معالجة 34 مشروعاً إنمائياً، وإثر ذلك عُقد في السراي الحكومي في بيروت في 9/10/2002 مؤتمر مخصص لدراسة مطالب طرابلس برئاسة الرئيس رفيق الحريري واتُخذت قرارات كانت موضع مراجعة دائمة خاصةً في مؤتمر عام ثاني عقد سنة 2007 برئاسة الرئيس السنيورة.
ما بين سنة 2002 و2011 مرّ لبنان بأتعس أيامه الأمنية والتنموية.
• الدَين العام في ارتفاع مضطرد.
• في الأمن العام كانت اغتيالات سياسية واجتياح العاصمة في اليوم «المجيد» 7/5/2007.
• وانقسام عامودي بين مكونات الشعب اللبناني بين مؤيد للنظام السوري ومعارض له.
• في سنة 2011 وُضعت خطة عشرية لإعادة إعمار وإنماء طرابلس وأطلق عليها اسم:
«الفيحاء 2020: استراتيجية التنمية المستدامة»، وتحتوي 24 موضوعاً استراتيجياً للإنماء
هذه الخطة الهامة والخطيرة والتي كلفت أكثر من مليون دولار عُرضت في مؤتمر ضم أكثر من 200 شخصية نافذة ومثقفة. لكن هذه الخطة لا أحد يعلم عنها اليوم شيئاً إلاّ الذين وضعوها وهم ليسوا من طرابلس حتماً.
هذا باختصار شديد ما مرت به خطة إنماء طرابلس ابتداء من انتهاء الحرب الأهلية حتى اليوم (1990-2017)، واليوم إذ نستعرض في هذه الوريقات الواقع التنموي الطرابلسي، فإنما لنقول للسادة المسؤولين وعلى رأسهم أعضاء المجالس البلدية في إتحاد بلديات الفيحاء أنهم أمام تحدٍ كبير يتطلب جهوداً فوق العادة، وإلا فالفشل لهم ولنا جميعاً.
وحتى لا نضيع في متاهة الـ 34 مشروعاً الإنمائياً التي مازالت تتردد على ألسنتنا في مجالسنا فإنه أمامنا خمس مشاريع لا تحتمل التأخير أو النسيان لحظة وهي:
• مشروع الإرث الثقافي.
• مشروع تطوير الثروة المائية الطرابلسية الهائلة.
• مشروع التخلص من النفايات المنزلية.
• مشروع المجاري السطحية والمنزلية.
• مشاريع الطرق والنقل العام.

بمثابة مقدمة

من نافلة القول إن الأوضاع التي انتهت اليها مُدننا في اتحاد بلديات الفيحاء (طرابلس – الميناء – البداوي)، لا تُرضي ولا تُطمئن الى مستقبل أفضل.
الأوضاع الاقتصادية والانمائية والبيئية تسير من سيء الى أسوأ. لدينا مشاريع قيد التنفيذ وأخرى قيد الدرس, ولكن لدينا أيضا كوارث اقتصادية وبيئية وانمائية في المشاريع التي نفذت والتي هي قيد التنفيذ.
إن هذا الفشل قد انعكس سلبًا على الوضع الأمني السابق وهو الآن في حالة ركود وترقب لما سينتهي اليه الوضع الاقليمي الكبير وخاصة المجاور لنا.
إن ما يجب أن يتذكره المسؤولون كما العاملون في الجمعيات الأهلية والناشطون الاجتماعيون هو أن ما حَفَظَ لبنان من الزلزال أن للبنان أصدقاء أقوياء ونافذون لم يتركوه ليذهب الى مصيره المحتوم، لا في نهاية الحرب الأهلية التي دامت 15 سنة (1975-1990)، ولا فيما تلاها من اغتيالات وحروب خارجية او منازعات ومهاترات حزبية داخلية.
ولقد درج ساستنا على اعتماد الحلول الوسط التي لا يذهبون فيها الى إزالة الخصم بالمطلق، وهذا ليس فقط لأن الخصم هو أحد مكونات الكيان اللبناني، ولكن ايضا لأسباب عديدة متشابكة ونعتقد أن أهمها هو الخلفية الثقافية المتجذّرة والكامنة وراء كل مكوّن من مكوّنات الشعب اللبناني، وأن الحكمة تقتضي الصبر لحين جلاء الحقيقة الثقافية الأميز فتنطفئ المنافسة.
الحقيقة نور ومهما عاش الانسان في معميات الثقافة الظلامية فإن الأيام كفيلة بإجلاء الحقائق، وبالتالي ليس هناك إلا عودة الضالين او أكثرهم عن ضلالهم.
إن فقه الموازنات وفقه الأولويات هو المعتمد من قِبَل ساستنا اليوم في البحث عن الحل السياسي الممكن من ضمن تركيبتنا الثقافية المتنوعة والمتأثرة بالضغوطات الخارجية. وحسنًا ما يفعلون فهو أهون الشرين.
لكن مشكلتنا الحقيقية هي مع أنفسنا. فنحن كشعب ومثقفين وخبراء رضينا بتنفيذ المشاريع الفاسدة بينما الدول المقرضة او الواهبة، لا تفرض علينا بالمطلق هذه المشاريع الفاسدة. إن ما يهمها هو:
1-شراء المواد والتصاميم من عندها وكذلك العمالة الفنية الأساسية.
2-تركيب دَين عام بالمقدار الذي يكبل أيدينا ويحول دون الخروج على مصالحها السياسية في المستقبل.
أما بالنسبة للمحاذير الناتجة عن مشروع (ما) فإن القبول بهذا المشروع يعود الينا نحن, كساسة في الدرجة الثانية وكخبراء فنيين واقتصاديين في الدرجة الأولى.
تلك هي المعادلة الخبيثة التي تحْكمُنا ولا خيار لنا إلا بحلّها إن أردنا البقاء على قيد الحياة في هذا الهرج العربي والاقليمي.

لماذا فشلت خطة الانماء والاعمار؟

في الفصل الأول من هذه الدراسة أوردنا رأي المسؤول عن برنامج الأمم المتحدة للانماء (UNDP) السيد دو كلارك في أسباب الفشل ومَن المسؤول.
ونزيد توضيحًا لما قاله السيد دو كلارك، بأن خطة الانماء والاعمار الصادرة سنة 1991 قد اشتملت على أدقّ التفاصيل الادارية والفنية لكيفية التنفيذ لكل مشروع من المشاريع الـ120 المكونة لخطة الانماء والاعمار والموزعة على القطاعات الخمسة عشر الانمائية – الاعمارية.
ولكن كما قال السيد دوكلارك:
«لكن لم تتم الموافقة الرسمية على أي من هذه الخطط. أكان ذلك من قِبل مجلس الوزراء أم من مجلس النواب. وبدلاً من ذلك اختار مجلس النواب الموافقة على مشاريع وبرامج على أسس شخصية».
وهذا بالضبط الذي صرح لنا به معالي الوزير عمر مسقاوي من أن المشاريع التي كان ينفذها مجلس الانماء والاعمار، كانت تقرّ في المجلس النيابي ثم تصدر بموجب مراسيم وزارية.
أما الأسس التي كان يجري على أساسها تقييم المشاريع وأولوياتها في برنامج التنفيذ وتقدم العمل فقد أوضح لنا هذه الاشكالية سعادة النائب مصباح الأحدب في حديث خاص. قال الأستاذ مصباح الأحدب ما معناه:
«كنت عضوًا في لجان دراسة المشاريع التي ينفذها مجلس الانماء والاعمار، وكنا جميعًا نحن أعضاء هذه اللجان النيابية عندما يعرض علينا مشروع يخص منطقتنا لا نسأل عن الجدوى البيئية او الاقتصادية من هذا المشروع بقدر ما نهتم بحجم المردود الآني من المشروع من حيث تشغيل اليد العاملة المحلية او الطاقات الفنية لمنطقنا وكنا نسأل هل بالامكان زيادة حجم المشروع على أمل زيادة الانفاق وبالتالي ضخ أكبر قدر مالي آني في مجتمعاتنا». (انتهى كلام النائب الأحدب).
وهكذا تولد عن تنفيذ هذه المشاريع أخطاء وأضرار بيئية واقتصادية ذهبت بما كان مرجوًّا من أمل في انماء المناطق، وفي تصحيح بيئتها.
وقبل أن نترك هذا الفصل يحق لنا أن نسأل: لكن أين كان الرأي العام، والصحافة والجمعيات الأهلية؟
والجواب: اسألوا شاهدي الزور من المستشارين المنافقين الذين أتخموا الصحافة بكذبهم وضللوا الرأي العام بالمؤتمرات المشبوهة الغامضة المضللة.

هل فشلت خطة إنماء لبنان وإعماره؟

قسمت «خطة 2000» الى 3 مراحل وقيمة تمويلها بالكامل 13 مليار دولار تقريبًا.
– المرحلة الأولى 1993-1995: 3 سنوات والتكاليف 2،7 مليار $
والتمويل كان من الاستقراض الخارجي بنسبة 66٪, ومن الهبات الخارجية بنسبة20٪, ومن الاستقراض الداخلي بنسبة 13٪
– المرحلة الثانية (1996-1998): 3 سنوات والتكاليف 4 مليار $ والتمويل كان من فائض الموازنة بنسبة 38٪, ومن الهبات الخارجية بنسبة 10٪, ومن الاستقراض الخارجي بنسبة 52٪
– المرحلة الثالثة (1999-2002): 3 سنوات والتكاليف 6 مليار$, والتمويل كان من فائض الموازنة بنسبة 65٪, ومن الهبات الخارجية بنسبة 4٪, ومن الاستقراض الخارجي بنسبة 31٪
(…) تبين أن العديد من أهداف أفق 2000 كان بعيد المنال».
نستطيع القول بكل ثقة: إن خطة 2000 للانماء والاعمار قد فشلت فشلاً ذريعًا في الوصول الى أهدافها الاجتماعية وأصبح جميع اللبنانين يتذمرون ويشعرون بالغبن وعدم الرضى. ولم يعد أمام اكثرهم إلا الهجرة للحفاظ على ماء الوجه والعيش الكريم». (انتهى كلام دوكليرك)
هذا باختصار شديد ما انتهى اليه تقرير الـUNDP الصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان سنة 1998 محذرًا لاستدراك ما يمكن استدراكه فيما تبقى من خطة الانماء والاعمار الممتدة على عشر سنوات (1992-2002). ومن أراد المزيد فليرجع الى هذا التقرير الهام الذي يقع في اكثر من 150 صفحة. ويكفي تدليلاً على فشل خطة انماء واعمار لبنان انه ورد في توقعات واضعي الخطة انهم توقعوا تفعيل جباية الضرائب المباشرة وغير المباشرة ووقف النزف في مؤسسات الخدمة العامة، وتأمّلوا بأن يكون قطاعي الكهرباء والاتصالات أهم مصدرين لتمويل خطة الانماء والاعمار (…) قالوا إنه من المتوقع أن يدرّ هذان القطاعان ابتداءً من سنة 1993 وحتى 2002 بحدود 4،4 مليار دولار كفائض اجمالي (3،3 مليار للاتصالات و 1،1 مليار للكهرباء). وكانت النتيجة انه كان لدينا فائض سلبي بالكهرباء يتراوح بين 1 مليار و2 مليار دولار سنويًا فتأمل أي مستوى من الفشل انتهت اليه خطة الانماء.
عوض أن يكون عندنا فائض مالي بحدود 4،4 مليار دولار في نهاية الخطة تراكب علينا ديون رفعت المديونية العامة بمقدار 12 مليار دولار. فتأمل.

 

طُبع كتاب «لماذا فشلت خطة إنماء طرابلس؟»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم قامت به شركة «Impress»

Loading...